الطب وجدل الهوية بين الشرق والغرب
آن ماري مولان باحثة في تاريخ الطب، ومهتمة بدراسة العلاقة بين الطب والثقافة والفلسفة، بدأت عملها بالطب ثم تحولت إلى دراسة الفلسفة، وقد تربت في جيل من الفلاسفة الذين تأثروا بإشكالية الانفصال بين النظريات العلمية المختلفة وغياب تراكمية العلم ووجود اتجاهات فكرية لا تتلاقى، وهو الانفصال الذي كان واضحا بشكل خاص في الطب؛ حيث البداية من الصفر في كل مجال (الجينات والجراثيم) مع غياب أو نسيان تام للمجالات والعطاءات العلمية الأخرى.
آن ماري مولان حصلت على جائزة "راميل راميل" للسلام من أستكهولم وهي جائزة تحمل اسم عالم رياضيات شيعي من أصل لبناني، وتمنح لمن يقدمون إنجازات مهمة لتعزيز التفاهم بين شعوب البحر المتوسط. ولـ"ماري مولان" عدة كتب أهمها كتاب (آخر لغة الطب) وهو حول تاريخ الإيمونولوجيا -علم المناعة- من لويس باستير إلى الإيدز، ولها كتاب آخر أقرب للسيرة التاريخية عن التطعيم.
التواصل بين العلوم
في البداية أكدت لي ماري مولان أنها تعارض بشدة رؤية التحولات الجذرية وأنها تشجع الرؤية التواصلية بين العلوم؛ وهو أمر تراه مهما في رصد العلاقة بين الطب الغربي والطب الشرقي؛ إذ كثيرا ما تجاهل الأول عطاءات كثيرة للطب الشرقي ولم يعطها مساحة اهتمام، وكان يمكن أن يساعد ذلك أكثر في تطور إيقاع الطب.
وتقول: "أنا ضد فكرة الانفصال بين مساري الطب الشرقي والغربي، فهناك طوال التاريخ تفاعلات بين المسارين.. في عصر ابن سينا -مثلا- لو رفعت الأسماء يصعب أن تفرق بين الطب الغربي والشرقي؛ فهو طب واحد حتى نهاية القرن السادس عشر، مثلا من خلال متابعتي لتاريخ الطب في عصر محمد علي باشا كان هناك شخص مثل "كلوت بك" طبيبه الخاص، وكان على ترعة المحمودية بين الإسكندرية والبحيرة، فوجد مريضا بالجلالة (غموض في عدسة العين)، فجلس يضبط العدسة بإبرة في العين.. لقد اعتبره الناس استعراضا لتقدم الطب الغربي رغم أن من يدقق يعرف أنها أساليب كانت موجودة عند العرب، وأنه كان هناك من الكحالين من كان متخصصا في هذا الموضوع.
وتؤكد مولان أن هناك كتلة معرفية مشتركة وليس صراعا، وأنه على مدار التاريخ لم يكن يشعر الناس بوجود فجوة أو فرق بين "علمين". وهذا الشعور بالفجوة جاء نتيجة صعود القومية في القرن السادس عشر، ومع صعود الحركات القومية ظهرت الرغبة في إنشاء علم طبي خاص.
وتضيف: "خصوصية العلم "العربي" أو "الإسلامي" لم تكن موجودة في التراث العربي الإسلامي، فابن خلدون- مثلا- في مقدمته لديه عدة فقرات عن الطب النبوي، ولكنه حين تحدث عن الطب النبوي قال إنه لم يضف جديدا على الأساليب العلاجية الطبية للبدو".
قبل القرن السادس عشر لم يكن يشعر الناس -في رأي ماري مولان- بالحاجة لمعرفة علم مضاد للطب الغربي. وتضرب مثلا بالطلاب الإيرانيين الذين ذهبوا للدراسة في إنجلترا ثم عادوا يدمجون بين أساليبهم الطبية والأساليب الطبية الجديدة التي أتوا بها من إنجلترا، ولم تظهر لديهم الرغبة في عمل طب فارسي أو إسلامي.
خصوصية العلم والحركات القومية
|
|
|
آخر لغة الطب |
آن ماري مولان تعكف الآن على مجال تريد فهمه وهو ما يتصل بظهور الدعوة إلى طب عربي أو إسلامي، وهي ترى أنه مع محاولات التحديث التي قادها محمد علي في مصر أسس مدرسة للطب (عام 1827) منفصلة عن جامعة الأزهر (منبع العلم وقتها)، وترأسها في البداية "كلوت بك"، ثم كان أول أمين مصري للمدرسة أحد أبناء عائلة البقلي، وهي تبحث عن مذكرات هذه العائلة (البقلي) كي تفهم كيف نظرت العائلة لدخول العلم الجديد، هل تعاملوا مع هذا العلم كالإيرانيين الذين عاصروهم تقريبا (الإيرانيون كانوا في 1840-1845) أم دخلوا في طرح قومي شعروا معه بنوع من التناقض؟.
وفيما يخص الخطاب الغربي حول الطب ترى ماري مولان أن هناك مفارقة كبيرة تصل إلى حد التناقض في هذا الخطاب؛ فالغربيون يقولون من ناحية إن لديهم طبا حديثا غربيا مرتفعا ومتميزا عن العلوم الطبية التقليدية في الحضارات الأخرى أو حتى في حضارات الغرب السابقة، ثم هم يقولون في الوقت نفسه إنه علم عالمي شمولي يمكن أن ينطبق على أي مكان، وهذا تناقض كبير، فطالما هو شمولي فهو إذن ليس له صفة، ومن حق أي أحد أن يستخدمه، وتؤكد أن هذه هي مشكلة الحداثة الغربية كلها؛ ادعاء الشمول والعالمية وكونها غربية.
وتؤكد ماري مولان أن الدعوة لخصوصية العلم كانت دائما ما ترافق ظهور الحركات القومية التي بدأت بالماديات ثم انتقلت للعلوم، فهي بدأت بتأسيس الدول القطرية المستقلة ثم بناء اقتصاد مستقل، ثم انتقلت الفكرة إلى مجالات العلم نفسها تحت دعوى الخصوصية.
وهي ترى أن الموضوع بدأ بمحاولة تأسيس استقلالية في محاولة السعي لبناء العلم الحديث، على طريقة أننا لسنا ضدك ولكننا نريد الاستقلال بعلمنا دون أن نرفضكم أو نرفض طبكم، على سبيل المثال كان محمد علي يؤسس لعلم طب في مصر بغرض التخلص من الأوبئة التي تعصف بالجيش أو الشعوب، والتي يمكن أن تأتي من الشعوب الأخرى، فأسس في البداية مجالس صحية على الحدود كان يشرف عليها الأجانب أولا، ثم استبدل بهم مصريين تدريجيا.
وتقول: "في بداية حركة التحديث التي قادها محمد علي حصلت حركة ترجمة واسعة (من 1830-1850) بإدارة وإشراف رفاعة الطهطاوي، وكان العمل مشتركا بين أهل الذمة الأجانب والأزهريين الذين ترجموا أكثر من مائة كتاب، وقد استطاعوا عمل تراكم معرفي (كانت الترجمة بالموضوع وليس بالكتاب)، وكان كل الجدل الذي ثار في أثناء الترجمة حول البحث في النصوص القديمة عن شبيه عربي للمفاهيم الطبية أو كيفية تعريبها.
سنجد مثلا كلمة المستشفى في مقابل لازاريت Lazaret أو الأزاريطة، وهي ما زالت عنوانا لحي بالإسكندرية كان به مستشفى خاص بالجذام أو البرص، وLazaret في الأصل اسم لقديس كان في التراث الغربي بمثابة النقيب أو المرجع في مرض الجذام أو البرص. باختصار -والكلام لها- إن المسيطر قديما كان تيسير المعرفة الطبية الغربية وليس الحديث عن خصوصية علمية.
تعريب الطب
وترى آن ماري مولان أن الدعوة لتعريب الطب يمكن أن ينظر إليها كنوع من الاستقلالية ولا مشاكل بها، وإنما المشكلة فيمن يتحدثون عن خصوصية علمية في الطب. وتؤكد أن فكرة التميز والبحث عن خصوصية بدأتها الأفكار القومية (التي ظهرت في أوربا)، ثم امتدت للعالم العربي، بدأ ذلك في الستينيات من القرن العشرين؛ حيث بدأ ظهور إدانة أخلاقية عامة للعلم الغربي، وهو ما كان موجودا في الغرب نفسه عند أحزاب الخضر من خلال فكرة أن العلم الغربي بدون ضوابط أخلاقية ودينية، وسوف تتحول أهدافه للشر؛ وهو ما انتشر بعد الحروب النووية والآثار السلبية المدمرة لها على البيئة، وفي العالم العربي ظهرت الإدانة على أسس دينية باعتبار أن العلم "الإسلامي" هو الذي يمكن أن يضبط العلم الغربي الذي هو بلا حدود.
وتضيف: الغريب أن خطاب الإدانة هذا بدأ ينتشر لأول مرة في ندوات بألمانيا الشرقية عندما سافر إليها أزهريون وخرجوا بهذا الكلام وساندهم باكستانيون على رأسهم "ضياء الدين سردار" صاحب كتاب "لمسة ميداس" the touch of midas، وهو يرمز للشخص الذي طلب من الإله أن يصبح كل ما يلمسه ذهبا، ثم مات بسبب ذلك.
وتقول آن ماري مولان: إن المهم ليس اكتشاف الإسلام لحقيقة علمية وإنما المهم ما بعد هذا الاكتشاف، المهم هو الضوابط الدينية والأخلاقية التي يمكن أن يضعها الإسلام. وترى أن الطرح الإسلامي يجب أن يركز على مسائل مثل التلاعب بالجينات والاستنساخ. وتقول: إن ما يهمها الآن في عملها هو البحث في الحوارات الدينية عن قضايا الاستنساخ والتلاعب بالجينات، كما أنها ترى أولوية إعادة اندماج الطب في التعليم بالأزهر.





















