مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الرسوم: معركة بدون إستراتيجية *

صلاح الدين الجورشي / 23-02-2006

المقاطعة الإسلامية للمنتجات الدانماركية
المقاطعة الإسلامية للمنتجات الدانماركية
العلاقات الغربية - الإسلامية ملغومة باستمرار، مرشحة دائماً إلى الانتكاس والتوتر، فهل يمكن القول بأن كل محاولة لإخراجها من دائرة الشك والمواجهة محكوم عليها مقدماً بالفشل؟ فبالإضافة إلى تراكمات الماضي القديم والحديث، يبدو أن هناك من يحرص باستمرار على تغذية أجواء التوتر بين الغربيين والمسلمين.

فما تكاد تهدأ مشاعر الريبة والرفض حتى تعمد جهة من الجهات إلى افتعال مشكلة جديدة تفتح المجال لجولة أخرى من حملات التنديد والوعيد، التي غالباً ما تعيد العلاقة إلى نقطة الصفر. وفي كل مرة تظهر مؤشرات الرغبة المشتركة في التجاوز والتعبير عن حسن النيات، وتتوالى مبادرات متفاوتة الأهمية من أجل تطويق حالة التشنج، وتبذل جهود من أجل تشغيل جسور الحوار والتواصل، لكن ما أن تكاد تحقق هذه المساعي بعض النتائج المتواضعة، حتى ينفجر حدث مدمر تقوم به جهة متشددة سواء من داخل الغرب أو في إحدى مناطق العالم الإسلامي، فيشتعل فتيل المواجهة من جديد، ويتم إجهاض جهود «التسوية» المستعصية.

ما وراء الاستفزاز؟

في هذا السياق تتنزل حادثة نشر الصحيفة الدنماركية «يولاندز بوستن» رسوماً كاريكاتورية تتضمن إساءة واضحة وسخرية ساذجة بالرسول محمد (صلى الله عليه وسلم). وبمجرد إلقاء نظرة على هذه الصور، يصاب المرء بالدهشة والحيرة؛ لأنها جاءت خالية من أي قيمة فنية أو إعلامية أو ثقافية أو سياسية، ما عدا ترسيخ تلك الصورة النمطية المتوارثة عن الإسلام. وهو ما جعل الكثيرين يعتقدون بأن الغرض من نشر تلك الصور كان مجرد استفزاز مشاعر المسلمين، ومحاولة جرّهم إلى ردود فعل متشنجة لإظهارهم للمرة الألف بأنهم «متعصبون» ومعادون لحرية الرأي والمعتقد.

لن نقف عند تحليل هذه الصور أو البحث عن الدوافع الحقيقية من نشرها في هذا الظرف. فالساهرون على هذه الصحيفة، أو بقية الصحف التي ساندتها وقامت بإعادة نشر الصور، اعترفوا بأنهم لم يتوقعوا حجم الردود الغاضبة والتداعيات الخطيرة التي ترتبت عن ذلك. بمعنى آخر، أنهم لم يدركوا أن المشاعر الدينية في العالم الإسلامي تتمتع بكل هذا الزخم والعمق والانتشار، رغم أن هذه الردود كانت مشروعة ومنتظرة، حيث لم يكن وارداً أن يغض الكثير من المسلمين أبصارهم عن إساءة مجانية وقبيحة من هذا القبيل.

وهكذا يضع الديمقراطيون الغربيون أصدقاءهم وحلفاءهم في العالم الإسلامي أمام مأزق جديد، يزيد من تعميق الفجوة بين الطرفين، ويعطي فرصة ذهبية لمن يعتبرونهم خصوماً مشتركين. لقد اهتزت شعوب بكاملها، وما كان ذلك ليحصل لولا وجود إحساس عميق لدى أمة مجروحة عانت كثيراً من الإقصاء والتهميش.

أما الأمر الآخر الذي لم يتوقعه أيضاً ناشرو الصور هو التداعيات المالية الناتجة عن المقاطعة المتزايدة للبضائع الدنماركية والنرويجية. فعندما هددت مصالحهما الحيوية، وجدت الحكومة اليمينية الدنماركية نفسها مضطرة لتغيير أسلوب تعاطيها مع القضية، والقيام بعدد من الخطوات الدبلوماسية ذات الطابع الرمزي في محاولة منها للتوفيق بين مبدأ حرية الصحافة والتعبير وبين حماية صادراتها الموجهة للعالم الإسلامي.

المبادئ الكونية!!

مسلمون محتجون على الرسوم

في كل مرة يتجدد الاشتباك، يلجأ القادة السياسيون وصناع الرأي العام في الغرب للاستناد إلى المبادئ الكونية من أجل تبرير مواقفهم وسياساتهم. وهو ما قامت به الحكومة الدنماركية في بداية اندلاع الأزمة، حين رفض رئيس الوزراء استقبال 14 سفير دولة عربية وإسلامية لتقديم احتجاج دولهم، معللاً ذلك بأن ما حصل يندرج ضمن حرية التعبير والصحافة.

ومع أهمية اللجوء إلى المبادئ الكونية في نزاع محلي أو دولي، إلا أن هذا الأسلوب لم يعد يجدي كثيراً في إقناع الطرف الإسلامي. ويعود ذلك إلى سببين على الأقل:

أولهما: إن الجدل لم يحسم بعد عالميا حول كيفية تحقيق التوازن بين حرية التعبير من جهة واحترام معتقدات الآخرين، خصوصاً إذا أدى هذا الشكل من التعبير إلى تغذية مشاعر العنصرية والتمييز والاحتراب الديني أو القومي الشوفيني.

فإلزام الأشخاص بضوابط منهجية وأخلاقية تمنعهم من التمييز مسألة لا علاقة لها بما اعتبرته صحيفة "لوموند" "إنشاء شرطة للرأي على حساب الاستهانة بحقوق الإنسان". ويكفي في هذا السياق التأمل في الكيفية التي تعاملت بها الأوساط الغربية مع مصطلحي "الصهيونية"، و"معاداة السامية" لندرك أن الأمر ليس بسيطاً كما يزعم البعض.

لم يسلم الجميع حتى الآن بوجود حرية تعبير مطلقة مهما كان ثمنها ومحتواها، وإلا لوجب مراجعة العديد من وثائق حقوق الإنسان والتشريعات الخاصة بالسلب والمتصدية لكل تحريض على القتل والتمييز العنصري والاحتراب الأهلي.

وقد نصّت على ذلك المادة رقم 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي اعتبرت أنّه "يحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكّل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف".

والثاني: فيتعلق بلجوء الحكومات الغربية في أحيان كثيرة إلى عدم التقيد بإلزامية هذه المبادئ والثوابت الكونية عندما تتعارض مع مصالحها واختياراتها الإستراتيجية.

وكان آخر مثال على ذلك تلك الردود الغربية المثيرة للدهشة التي صدرت عن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على إثر فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

وبقطع النظر عما يمكن أن يقال عن تداعيات هذا الانتصار، فإن تصريحات عديدة جاءت متناقضة بشكل صارخ مع مبادئ الديمقراطية واحترام إرادة الشعوب وحقها في اختيار ممثليها عن طريق انتخابات نزيهة وشفافة.

وبناء عليه، يكون من واجب الحكومات الغربية بالخصوص إضفاء التجانس والمصداقية على خطابها، حتى تنجح في مخاطبة الشعوب غير الغربية، والمساهمة في دفعها نحو الاحتكام إلى مرجعية يفترض أن تكون مشتركة وملزمة للجميع.

إلى أين نسير؟

الآن، وبعد استمرار الاحتجاجات أكثر من شهر علينا أن نتساءل كمسلمين: إلى أين نسير؟ وماذا نريد أن نحقق من هذه المعركة التي فرضها البعض، وتعددت الجهات التي تريد قيادتها وتوظيفها؟

لا شك في أن الضجة التي حصلت قد أثرت فعلاً على عموم الغربيين، حيث أدرك الكثير منهم أن ما حصل ليس أمراً بسيطاً، وأن الاستخفاف بالمسلمين ومقدساتهم لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان الثقافي والسياسي وتحقيق ما ينادى به البعض من صدام الحضارات أو الثقافات، وأن ذلك من شأنه أن يهدد الاستقرار العالمي ويحدث أضراراً فادحة بمصالح الغرب.

فنشر الصور كان مجرد النقطة التي أفاضت الكأس، حيث يعيش المسلمون منذ سنوات في حالة احتقان متزايد، لشعورهم بأنهم مستهدفون حقيقة من جهات غربية عديدة. لكن في المقابل، يلاحظ أن بعض الجهات الإسلامية قد انحرفت بالقضية عن أصلها، وأخذت تدفع في اتجاه ينذر بمخاطر لا يمكن التكهن بنتائجها. وحتى يبقى الطرح سليماً ومشروعاً يجب أن يكون السقف واضحاً والمطالب معقولة وأساليب التعبير والاحتجاج سلمية وحضارية، وهو ما يتطلب الانتباه إلى الجوانب الآتية:

- لا يرد على الخطأ الذي حصل بخطأ أفدح منه أو من نفس الطبيعة، بمعنى آخر، ليس من مصلحة المسلمين تحويل الخلاف إلى احتراب ديني، أو معركة مفتوحة ضد الغرب، إن مصلحتنا تكمن في مواصلة الدفاع عن حقوقنا المشروعة مع تمسكنا بقيم الحوار والتعايش السلمي والانفتاح الضاري.

فداخل الغرب هناك أطراف كثيرة تحترم الإسلام، وتؤمن بالتعايش، وقد اتخذت مواقف معتدلة خلال الأزمة الدائرة، كما أن العديد من كبار المفكرين والأدباء الغربيين قد قدموا شهادات نزيهة وعظيمة حول مكانة الرسول ودوره التاريخي.

فتحويل المشكلة الراهنة إلى فرصة لإعادة إنتاج خطاب انطوائي معادي وسطحي للغرب لن يساعد على ترسيخ مبدأ الحوار الحضاري الذي يطالب به المسلمون؛ لأن نجاح هذا الحوار شرط من شروط دخولهم للتاريخ مرة أخرى.

- بقدر ما كانت البيانات والمقاطعة التجارية والتجمعات الاحتجاجية السلمية وسائل مشروعة، أشرت عن وجود مجتمعات مدنية في حالة تشكل ونضج، بقدر ما شكلت عمليات حرق الأعلام والاعتداء على السفارات وتهديد الأجانب من الدبلوماسيين والتلويح باللجوء إلى أسلوب القنابل مؤشرات سلبية على احتمال الانزلاق نحو فوضى لن تجني منها شعوب المنطقة إلا المزيد من الخسائر والتشويه. كما برز خطاب دفاعي عن الإسلام، شديد الفقر، خال من الأبعاد الإنسانية التي رسخها القرآن، ولا صلة له بالتسامح الذي كان من بين أهم صفات الرسول صلى الله عليه وسلم وعظمته.

- ضرورة الحذر من الوقوع في الخلط بين حماية مبدأ حرية التعبير وبين الاستهزاء بشخص الرسول. فما يقال هنا وهناك يدل على أن هذه المسألة لا تزال غامضة حتى لدى الكثير من المسلمين. بمعنى آخر ليس من حق المسلمين أن يمنعوا أيا كان من نقد الإسلام، مهما بدا هذا النقد مجافياً للحقيقة والموضوعية شريطة أن يكون بعيدا عن السخرية والاستخفاف المجاني. فذاك حق من حقوق الآخرين. وقد احتوى القرآن على آيات يتعبد بها المسلم في صلواته رغم أنها تصور بدقة الحملة الشرسة التي قادها خصوم الإسلام على الرسول محمد لإثنائه عن إتمام رسالته. كما أن المسلمين مطالبون أيضاً باحترام مشاعر مخالفيهم في الدين، بما في ذلك غير المؤمنين بالإله، وأن يتجنبوا كل ما من شأنه أن يؤدي إلى التباغض بين الأجناس.

- وجوب وضع سقف ونهاية لهذه المشكلة، وعدم تركها مفتوحة على جميع الاحتمالات الأكثر سوء. فكل من يخوض معركة عليه أن يدريها بحكمة، ويحدد لها أهدافا معقولة وقابلة للتنفيذ. وما يلاحظ حاليًّا أن هناك من يريد استثمار مسألة الرسوم لفرض أجندته الخاصة على جميع المسلمين، وجرهم إلى أزقة بلا منافذ.

والغريب أن أصواتاً ارتفعت لتفرض تغييرات على ما يعتبره الغربيون ثوابت لديهم، وتفرض عليهم تدارك ما قصر المسلمون في تعريفه ولم يلتزموا به في حياتهم وأنظمتهم السياسية والثقافية والاجتماعية. وخلافاً لما دعا إليه وزراء الداخلية العرب، يجب أن ندرك بأن الذي يعاقب الصحف أو الصحافيين في تلك البلدان ليست الحكومات، ولكن مؤسسات قضائية مستقلة، وأن من يغير القوانين أو يعدلها ليس الرؤساء أو الوزراء كما هو الشأن في بلاد عربية كثيرة، وإنما برلمانات منتخبة؛ وبالتالي هناك أدوات وطرق مغايرة لممارسة الضغوط وحماية والمصالح.

المعركة التي دارت ولا تزال يجب أن تبقى معركة حقوقية، وعدم تحويلها إلى مواجهة سياسية وأيديولوجية تقوم أطراف خفية وأخرى معلومة إسلامية أو دولية بتوظيفها لتحقيق مآرب عديدة، لا علاقة للكثير منها بالإسلام ومصالح المسلمين.

ولعل المقترح الذي ينادي به البعض هو صياغة إعلان دولي لعدم المس بالمقدسات، يصلح لكي يكون منطلقا لنقاش معمق، يحقق التوازن بين الحرية التي يجب أن تبقى قيمة عليا ومقدسة، وبين ضمان الحد الأدنى من شروط تناول الأديان دون جعلها فوق النقد أو المس من حقوق الذين لا يؤمنون بها.


*نشر هذا المقال في صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ  23/2/2006