مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

للنشطاء: افعلوا كفتيات المصانع *

ترجمة وتحرير - أسامة القفاش / 28-07-2002

Image
  ليس كل فرد هو نعوم تشومسكي وبوسعه إنتاج الكم الهائل من الأعمال حول تلك الموضوعات.. ما هي نصيحتك للناس الذي يعانون من نفس المشاكل والذين يرون أنفسهم في التقليد الذي خرجت منه والذين يريدون أن ينشطوا في معارضة هذه السياسة ماذا يجب عليهم أن يفعلوا ليكونوا منتجين؟

- عليهم أن يفعلوا ما فعلته فتيات المصانع في مصانع لويل للنسيج منذ 150 عاما خلت.. لينضموا لبعضهم البعض.. من العسير جدا أن تفعل شيئا وأنت بمفردك وخاصة عندما تعمل 50 ساعة في الأسبوع لتضع الطعام على المائدة.. انضم للآخرين وسيكون بوسعك أن تفعل الكثير.. إن المشاركة لها أثر إيجابي ضخم.. ولذا كانت النقابات دائما في طليعة التنمية، والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.. لأنها تجمع الفقراء معا ومعهم العمال وتمكنهم من الاطلاع على خبرات بعضهم البعض وتوفر لهم مصادر معلوماتهم وتمكنهم من العمل الجماعي.

وهكذا يتغير كل شيء، هذا هو تاريخ حركة الحقوق المدنية (حركة شعبية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن العشرين كانت تهدف للوصول إلى حقوق مساوية لكافة الأعراض في أمريكا ومن أهم ممثليها تشومسكي، مارتن لوثر كنج) المترجم.

والحركة النسوية وحركات التضامن والحركات العمالية.. إن سبب أننا لا نعيش في زنزانة هو أن الناس قد تجمعوا معا لتغيير الأشياء ولا فرق بين الآن وما كان من قبل.. في الواقع في الأعوام الأربعين الماضية رأيت تغيرات ملحوظة في هذا الصدد.

بهذا المعني فإن حركات المقاومة في الستينيات قد غيرت وعينا كثيرًا، بالإضافة لحرب فيتنام غيرت البلد تماما.

- غيرت سلوك الحكومات ماذا عليها أن تفعل لتحصل على ما تريد.

فيتنام.. الوصول عبر النضال

- نعم هذا أفضل وقت للكلام عن هذا الموضوع.. في مارس 2002 حالت الذكرى الأربعين لإعلان حكومة كيندي أنها سترسل الطيارين الأمريكيين لقصف فيتنام الجنوبية، وكان هذا بداية القصف المعلن الأمريكي لفيتنام.. كان بداية الحرب الكيميائية لتدمير المحاصيل الغذائية وسجن ملايين البشر في معسكرات الاعتقال، لم يكن هناك بشر إلا الفيتناميين والأمريكان كانت حربا تشنها الولايات المتحدة ضد فيتنام وبشكل علني ولم نسمع حتى صافرة احتجاج لقد استمرت الحرب أعواما قبل أن يبدأ الاحتجاج.

ولكن عندما بدأ الاحتجاج ظهرت حركات كثيرة ليس فقط حركة مناهضة الحرب وحركة الحقوق المدنية بل غيرها من الحركات الصاعدة التي غيرت من الضمير الشعبي، والأمر صحيح في جوانب أخري كثيرة؛ فلنعد إلي عام 1962 لم تكن هناك حركة نسوية، وكانت حركة حقوق الإنسان محدودة جدا جدا، ولم تكن هناك حركة بيئية أي حركة لحقوق أحفادنا، لم تكن هناك حركات تضامن مع العالم الثالث لم تكن هناك حركة ضد الفصل العنصري.. لم تكن هناك حركات ضد مفسدات البيئة والاستهلاك.. أعني كل الأشياء التي نأخذها علي أنها واقعة ولم تكن موجودة كيف وصلت إلينا؟ هل كانت منحة لا نعرف من أين؟ لقد وصلت إلينا عن طريق النضال، النضال المشترك الذي خاضه الناس الذين كرسوا أنفسهم للعمل مع الآخرين، لأنك لا يمكن أن تفعل ذلك بمفردك وهذا ما جعل هذه البلدة أكثر تحضرا.. لقد كان هذا طريقا طويلا وصعبا ولم تكن تلك هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة.

البحث عن المناضل المجهول

أعتقد أنك تؤمن بأنه عندما نركز على الأبطال في أي حركة فتلك غلطة؛ لأنه في الواقع من يغير العالم هم أولئك الأبطال المجهولون أو قواعد أي حركة نضالية؟

- نعم إنهم الأبطال الحقيقيون، لنأخذ علي سبيل المثال حركة الحقوق المدنية، عندما تفكر في حركة الحقوق المدنية، فأول من ستفكر فيه هو مارتين لوثر كينج، كان كينج شخصية هامة، لكنه كان أول من سيخبرك وأنا واثق من هذا أنه كان يمتطي موجة الفعل السياسي الجماهيري، وأن الناس الذين كانوا يقومون بكل العمل والذين كانوا في قيادة حركة الحقوق المدنية كانوا شبابا من طلبة لجنة التنسيق بين حركات اللاعنف وعمال وجماهير في الشارع كل يوم تضرب وتقتل أحيانا، ولكنها تعمل بدأب وبلا انقطاع.. لقد صنعوا الظروف التي أتي فيها مارتن لوثر كينج وصار قائدا.. كان دوره مهما للغاية، أنا لا أنكر هذا.. لكن الناس الذين كانوا مهمين حقا كانوا أولئك الذين نسينا أسماءهم، وهذه هي حقيقة أي حركة في الوجود.

لو قرأ الطلبة أو شاهدوا هذه المقابلة كيف تنصحهم للتحضير للمستقبل إذا رأوا أنفسهم في الأهداف التي تضعها أمامهم؟

- أقول لهم كونوا أمناء وناقدين واقبلوا المبادئ الأخلاقية الأساسية مثلا مبدأ أنه إذا رأيت أن ثمة أمرا خطأ في الآخرين فهو خطأ في كذلك.. وغير ذلك.. أقول لهم افهموا المبدأ الفوضوي الأساسي وبالتحديد عدم شرعية السلطة والعنف من الأساس ما لم تستطع تبرير هذا أو هو أمر عسير.. وهذا حقيقي سواء كان الأمر يتعلق بالعلاقات الشخصية في الأسرة أو كان يتعلق بالعلاقات الدولية.. وبعد هذا أقول لهم شاركوا الآخرين لتحسين المشاكل العديدة الحقيقية في العالم.. وهو أمر ممكن.

شيء من الشجاعة

هناك نوع من الشجاعة في هذا النوع من العمل أليس كذلك؟ وماذا تتضمن تلك الشجاعة في بلد مثل الولايات المتحدة فإن مستوى الشجاعة المطلوب منخفض فعلا؟

- حقا لو كنت منظما جماهيريا أسود فقيرا تعمل في أحياء فقيرة فالأمر يتطلب شجاعة؛ لأنك يمكن أن تقتل.. لو كنت أبيض مرتاحا متعلما فإن الشجاعة المطلوبة قليلة.. أعني علينا أن نرى ماذا يواجه الناس الآخرون.. كما قلت لقد عدت من تركيا.. الناس هناك في الجنوب الشرقي يعيشون في زنزانة الملايين منهم، ولكنهم يظهرون شجاعة حقيقية عندما يلبسون الألوان الكردية أو يتكلمون الكردية في العلن، قد ينتهي بهم الأمر إلي سجن تركي أو ما هو أسوأ من ذلك وهذا ليس مرحا.. ولكن دعنا نذهب إلى إستانبول وهي أكثر تغربا. لقد ذهبت هناك لمحكمة سياسية.. كانت الحكومة تحاكم ناشر نشر عدة عبارات لي حول قهر الأكراد  في إستانبول، كان الكتاب الكبار والصحفيون والفنانون والمثقفون وغيرهم يقومون بعصيان مدني مستمر.. عندما كنت هناك طبعوا معا كتاب من الكتابات الممنوعة، كتابات ممنوعة للكتاب المسجونين . طبعوها معيا، ذهبوا معا للمدعي العام.. ذهبت معهم وطلبنا أن يحقق معنا ويتهمنا.. ليست نكتة.. بعض هؤلاء كان مسجونا وبعضهم سيعود للسجن.. وواجهوا قمعا لكنهم لم يقيموا ضجة كبرى، كانوا يتصرفوا بطبيعتهم ولا يلوحون بأعلام وهم يقولون انظروا كما أنا شجاع.. إنها الحياة بالنسبة لهم إنها تحتاج لشجاعة.

وبالمقارنة بما يواجهونه كل يوم فإن ما نواجهه ضئيل جدا حتى ينبغي أن لا نتكلم عنه.. نعم ثمة أمور ضئيلة قد تحدث ولكن ليس بالمقارنة بما يحدث في العالم.

بالنظر لخلفيتك العلمية ومدى تعقد مجال عملك في اللغويات، أنا متشوق لأعرف ما إذا كان هذا يعني  رؤية محافظة أو معتدلة من جانبك لكيفية التغيير على المدى القريب؟ هل ترى كثيرا وتفهم أنه من الصعب إنجاز الكثير أحيانا ولكن هذا القليل الممكن هو أمر غاية في الأهمية؟

- نعم غاية في الأهمية والأهم من ذلك أعتقد أنه لا يجب أن نتخلى عن الرؤى المستقبلية، أنا أتفق مع بنات المصانع في لويل في 1850.. أعتقد أن عبودية العمل المأجور انتهاك للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.. أعتقد أن ما يعمل في المصانع يجب أن يملكها.. أعتقد أن علينا أن نناضل ضد ما كان يسمى يومها روح العصر الجديد.. اكسب الثورة بصرف النظر عن أي فرد إلا نفسك..

وعلى المدى البعيد ولا أعرف إلى متي يجب الخلاص منه.. ولكن الآن ثمة مشاكل كبيرة يجب معالجتها مثل 30 مليون أمريكي لا يجدون ما يكفي لطعامهم أو مشاكل شعوب أخرى في العالم تعاني أكثر من ذلك بكثير.. والذين يعيشون في الواقع تحت أقدامنا نطحنهم ونحولهم لتراب.. تلك أمور هامة علي المدى القريب ويمكننا التعامل معها.. لا عيب البتة في الحصول على مكاسب صغيرة مثل المكاسب التي تكلمت عنها من قبل من الستينيات حتى الآن.. إنها مهمة جدا للحياة البشرية، وهذا لا يعني أن أمامنا طريقا قصيرا.. طريقنا صعب وشاق وطويل لكن عليك أن تفعل ما في وسعك.

والأمر كذلك في العلوم ربما تريد أن تحل معضلات مثلا ما سبب الفعل الإنساني، ولكن المعضلات التي تعمل عليها هي تلك التي تفهمها، هناك نكتة شهيرة عن السكران الذين كان يبحث في ضوء عمود نور عن شيء على الأرض وأي فرد وسأله عمّ تبحث؟ فرد: أبحث عن قلم سقط في.. سأله الآخر حسنا أين سقط؟ رد السكران: هناك عبر الشارع.. رد الآخر مستغربا: حسنا لماذا تبحث هنا؟ رد السكران ببساطة لأن النور هنا.

هكذا الأمور في العلوم ربما كانت المعضلة التي تود حلها عبر الشارع، لكن عليك أن تعمل حيث يوجد النور.. ربما لو حاولت تحريكها قليلا ربما ستجد نفسك في النهاية عبر الشارع.. وكذلك الأمر بالنسبة لشؤون البشر.. وأعتقد أن الأمر ينطبق على العلاقات الشخصية.. عندك مشاكل مع أطفالك.. هكذا يجب أن تحلها.

سؤال أخير.. أنا أفهم عدم رغبتك في التركيز علي الأبطال أو عدم حبك لأن تحول إلى بطل، لكن لو كان أحد النشطاء يشاهد أو يقرأ هذا الحوار فما هو الدرس الذي سيستخلصه من حياتك وينفعه في حياته؟

- مؤخرا ألقيت محاضرة في بركلي لمجموعة من الناس عن الولايات المتحدة والشرق الأوسط وإسرائيل وفلسطين وتركيا ومثل هذا الأمر من المسئول عن هذه المحاضرة؟ لست أنا المسئول طرت من بوسطن وأتيت وتكلمت.. المسئول عن هذا هم أولئك الذين عملوا عليها، الناس الذين يعملون مع المظلومين والمضطهدين في كل مكان.. ربما لن نعرف أسماءهم لكنهم الذين قادوا كل شيء.. لقد أتيت وإنه لأمر رائع بالنسبة لي أن أستطيع أن أشاركهم فيما يفعلونه ولو لمدة ساعة ولكنه أمر سهل أيضا.. أنت تعرف تصحو وتعطي محاضرة ليس بالأمر الكبير.. لكن تعمل على هذا الموضوع يوما بعد يوم وكل وقتك هذا أمر صعب، وهو أمر مهم، وهذا هو ما يغير العالم.. وليس الفرد الذي  يأتي ويحاضر.

نعوم، أشكرك كثيرا على مشاركتك لنا اليوم، كان حوارا رائعا عن بعض جوانب حياتك وعملك.. شكرا.

- شكرا لك.

وشكرا لكم للمشاركة في حواراتنا مع التاريخ.

 اقرأ في الموضوع:


*أجرى الحوار هاري كريزلر في 22/3/2002 مع البروفيسور نعوم تشومسكي