مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

تشومسكي والإرهاب.. التحدث بالتركية *

ترجمة وتحرير - أسامة القفاش / 28-07-2002

Image
  لقد قرأت مقابلات لك حيث حاولت أن تربط بين مقاربتك في المجال العلمي ومقاربتك في المجال السياسي؟

أعتقد أن دراسة العلوم هي طريق جيدة للدخول في مجالات مثل التاريخ، والسبب هو أنك تعرف معنى مفهوم الإثبات والتدليل والقرنية والدليل، وتتعلم الفرضية ذات المعنى ومتى تستخدم؟ وكيف تكون منطقيًا مقنعًا؟ إنك ستدمج ما هي وسائل البحث المنطقي وهي أكثر تقدمًا بكثير في مجالات العلوم عنها في أي مجال آخر.

وفي الجانب الآخر فبتطبيق نظرية النسبية، أي أن التاريخ لن يقودك إلى أي مكان يعني أنه نوع من التفكير ووسيلة كالاستدلال، أنا أحاول استخدام هذه الوسيلة التي نستخدمها في العلوم في مجالات الشئون الإنسانية بأي قدر من النجاح، وهذا ما يحدده الآخرون.

بالنسبة للعلاقات الأخرى بين طريقة تناولي للعلوم وطريقة تعاملي مع السياسة أعتقد أن ثمة علاقة، ولكنها بعيدة بعض الشيء لو فكرت فيما أدعوه بالفوضوية التي أعتقد أنها ذات جذور عميقة في الفهم الجماهيري في كل مكان ولأسباب واضحة، ثم حاولت تحليلها فستجد أنها تعتمد على مفهوم أسماه باكونين "غريزة الحرية"، أي أن الناس لديهم دافع غريزي لأن يكونوا أحرارًا ويرفضوا السيادة والتحكم.. لا أستطيع إثبات هذا، ولكنني أعتقد أن هذا صحيح في الأغلب.

ومعظم عملي العلمي في مجال اللغة يهتم بشكل ما بالحرية الإنسانية؛ أي القدرة الإدراكية على الإبداع بشكل لا نهائي التي لها جذورها في طبيعتنا، وتاريخنا ربط الناس بين المجالين، فلو بحثت في عصر التنوير في القرن 18 وفترة الرومانسية فستجد هذه العلاقة جلية، لو قرأت روسو أو ولهالم فون هامبولت وغيرها فستجد أن اللغة هي الرابطة بين الحرية البشرية في المجال السياسي والاجتماعي والحرية البشرية في الاستخدام الإبداعي، لقد حاولوا إيجاد هذه الرابطة.

الآن لو سألت هل يمكن الربط بين هذه المجالات على مستوى العلم؛ فالإجابة لا.. إنه حدس فقط لا يمكن إثباته إمبريقيًّا، لكن يجوز حدوث هذا يومًا ما لو ازدادت معرفتنا.

قلت من قبل في مكان ما ربما في كتابك الأخير عن السلطة: "بإمكان المرء أن يكذب أو يشوه كما يشاء في قصة الثورة الفرنسية، ولن يحدث شيء، لكن لو افترض أحدنا نظرية كاذبة في الكيمياء فسيتم دحضها فورًا".

- هذا هو ما أعنيه تمامًا الطبيعة حاسمة ولا يمكننا التلاعب معها، إنها دقيقة؛ ولذا فأنت مجبر أن تكون أمينًا في مجال العلوم الطبيعة في المجالات الأخرى، لست مجبرًا على الأمانة، ثمة معايير بالطبع، لكنها ضعيفة جدا في الواقع، فلو كان ما تفترضه مقبولا أيديولوجيا، أي يدعم الأنظمة والسلطة، فبإمكانك أن تنجح في الكذب في الواقع، فإن الفرق بين الشروط المطلوب توافرها في الرأي الموافق للسلطة هائل حقًّا، ولو أردت لأعطيتك مثالا واضحًا (حتى في العلوم الطبيعية ثمة مجال للتلاعب الأيديولوجي والتدخل السلطوي ومعظم الجوائز العلمية والتقدير، وغير ذلك يتم التعامل معها بشكل أيديولوجي، وقد حاولت المؤسسات العلمية في الدول الشمولية، مثل النازية والشيوعية إيجاد قاعدة "علموية" للنظريات الأيديولوجية ـ وثبت فشل وخطأ هذه النظريات فيما بعد، ولكن المشكلة أن الأيدلوجية وشهوة السلطة صارت تدخل في كل شيء حتى ما يسمى بالعلوم الصارمة الطبيعية) المترجم.

نعم أرجوك التحدي في "النايت لاين".

- حسنًا لقد كتبت عن الإرهاب، وأعتقد أنه بوسع المرء أن يوضح بسهولة أن الإرهاب يرتبط بشكل كبير بالسلطة، ولا أعتقد أن هذا مدهش؛ فالدول الأكثر قوة تستخدم الإرهاب بشكل أكبر، والولايات المتحدة أكثر الدول قوة وسطوة، ولذا فهي تستخدم إرهابًا ضخما جدًّا وفقًا لتعريفها الخاص للإرهاب، حسنًا لو أردت أن أثبت هذا فالمطلوب مني كم هائل من الأدلة، وأعتقد أن هذا أمر جيد، ولا أرفضه.

فعلى كل من يدعي شيئا كهذا أن يلزم نفسه بمعايير عالية للخطأ، ويستخدم وثائق دقيقة كثيرة مأخوذة من السجلات التاريخية والسجلات السرية الداخلية.

وحتى لو سقطت فصلة واحدة في مكان ما فستجد من ينتقدك على هذا؛ ولذا أعتقد أن تلك المعايير صحيحة.

حسنًا دعنا نلعب لعبة الاتجاه السائد، مثلا لقد نشرت مطبعة جامعة "يال" مؤخرًا كتابًا اسمه "عصر الإرهاب"، ومعظم المشاركين فيه من أكبر المؤرخين، وأغلبهم من "يال" أي من أكثر الخبراء في مجالهم، وعندما تقرأ الكتاب (عصر الإرهاب)، فإن أول ما ستلاحظه هو أنه لا وجود لمرجع واحد أو إشارة لوثيقة واحدة، مجرد عبارات إنشائية بعضها مقبول وبعضها فارغ، ولكن لا توجد أي معايير فكرية على الإطلاق، كل عروض الكتاب مشجعة جدًّا بل شديدة الحماس، ويجوز أن يكون هذا صحيحا أو غير صحيح، أعتقد أن معظمها خاطئ ومن السهل إثبات أنه خاطئ، ولكن الأمر لا يهم في الواقع؛ فبوسعك أن تقول ما تشاء؛ لأنك تدعم السطوة والقوة والسلطة، ولا يوجد من يتوقع منك أي مبررات، مثلا لو حدث المستحيل ودعوني إلى برنامج نايت لاين (أحد البرامج الإخبارية والتحليلية في الولايات المتحدة يستضيف كبار الشخصيات السياسية والفكرية في أمريكا والعالم لمناقشة القضايا الهامة والحساسة باستمرار، وقد استضاف في نهاية 2001 كل من كوندوليزا رايس وديك تشيني ودونالد رامسفيلد لتحليل حملة أفغانستان) المترجم.

قد يسألونني: "هل تعتقد أن القذافي إرهابي؟" بوسعي أن أقول نعم: "القذافي إرهابي"، وهنا لا أحتاج لأي دليل، لكن افترضْ أنني قلت: "جورج بوش إرهابي".. حسنًا سيطلب مني أن أقدم الدليل، وسيسألونني: "لماذا تقول هذا؟". هذا إذا ما لم يتم قطع الإرسال فورًا.

- في الواقع فإن نسق الإنتاج الإخباري هو أنه ليس بوسعك تقديم الدليل ـ ثمة مصطلح لوصف هذا النسق عرفته من منتج (نايت لاين) جيف جرنيفيلد أنه (الالتزام).. سأله أحدهم في مقابلة في مكان ما: لماذا لا يستضيفونني في "نايت لاين"؟ وكانت إجابته إجابتين في الواقع أولاً: "حسنًا أنه يتكلم التركية ولا أحد يفهمه"، لكن الإجابة الثانية هي "أنه ليس ملتزمًا"، وهذا صحيح، وأنا أتفق معه تمامًا، فكل ما سأقوله في نايت لاين لا يمكن أن تقوله في جملة واحدة؛ لأن ما سأقوله بعيد تمامًا عن الديانة الرسمية (المقصود هنا العقيدة أو اللغة السائدة في أجهزة الإعلام الأمريكي التي جعلت جرنفيلد يري فيما يقوله تشومسكي لغة تركية لا يفهمها أحد ـ حيث إنه يعارض تمامًا كل ما يقدم على أنه بديهيات ـ أو ما أسماه تشومسكي صناعة الموافقة والكلام الجديد). المترجم.

لو أردت أن تكرر مقولات الديانة الرسمية يمكنك أن تفعل هذا بين فقرتين إعلانيتين لو أردت أن تقول شيئا يشكك في الدين الرسمي فعليك أن تقدم الدليل على ما تقول، وهذا ما لا تستطيع فعله بين فقرتين إعلانيتين، ومن ثم فأنت تفتقد (الالتزام)؛ ولذا لا يمكنك الكلام (الالتزام هنا على مستويين: المستوى الأول الشكلي، أي الكلام القليل الذي يبدو كأنه بديهة؛ لأنه تقليدي وغير صارم، بينما في المستوي الثاني يطول كلامك) المترجم.

أعتقد أن هذا نوع رائع من أنواع الدعاية والإعلان، وفرض الالتزام هو السبيل لضمان تكرار الخط الحزبي دائما وأبدا، وأنه لا سبيل لسماع غيره.

الموافقة.. صناعة ديمقراطية

* لذا عليك أن تركز كثيرًا في مجال كتاباتك السياسية على ما أسميته "صناعة الموافقة" أي صياغة الأطروحات بطريقة معينة وطرحها للمناقشة.

نعم هذا صحيح تمامًا، في الواقع ينبغي أن أقول إن مصطلح صناعة الموافقة ليس من صياغتي لقد استعرته من والترليبهان أحد قيادات الرأي العام، أحد القيادات الإعلامية في القرن العشرين الذي كان يعتقد أنها فكرة رائعة، لقد قال: "علينا أن نصنع الموافقة".. هكذا يجب أن تعمل الديمقراطيات، يجب أن يكون هناك مجموعة صغيرة من الأقوياء وباقي الشعب هم من جمهور النظارة، وعلينا إجبارهم على الموافقة عن طريق التحكم في عقولهم وتنظيمها، هذه هي الفكرة الأساسية عند هؤلاء المفكرين الديمقراطيين، وهي أساس صناعة العلاقات العامة؛ ولذا أنا لم أضعها لقد استعرتها منهم فقط، وأخبرت الناس عنها وعن كيفية صناعتها، لكن هذا أمر هام، وثمة أمل دون شك، وعلى ما أعتقد أن الإحساس العادي يكفي لفهم هذا، أنت لا تحتاج لتدريب خاص، مثل حالة خالي الذي ذكرته، لتدرك زيف هذه الصناعة وتدرك ما يحدث حقًا.. أعتقد أنه من السهل أن يكتشف المرء أن الولايات المتحدة هي الدولة قائدة الإرهاب في العالم، في الواقع هذا أمر واضح.

 اقرأ في الموضوع:


*أجرى الحوار هاري كريزلر في 22/3/2002 مع البروفيسور نعوم تشومسكي