مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

فوضوية اللافوضى وعبء السلطة!! *

ترجمة وتحرير - أسامة القفاش / 28-07-2002

Image
  هذه التجارب التي وصفتها لنا، وقلت بأنها قد قادتك نحو اللغويات هدتك أيضا إلى رؤيتك السياسية ورؤيتك للعالم. أنت فوضوي تحرري. وعندما يسمع المرء ذلك فثمة عديد من الخلط؛ نظرًا لطريقة فهم الأمور في هذه البلاد (الولايات المتحدة الأمريكية)، وكذلك بسبب كتاباتك. ساعِدنا على فهم ماذا تعني الفوضوية التحررية. بمعنى آخر هذا لا يعني بالضرورة أنك تحبذ الفوضى أو عدم وجود حكومة؟!!

- الولايات المتحدة تُعتبر خارج العالم في هذا الصدد. وكذلك بريطانيا إلى حد ما. ولكننا في الولايات المتحدة نبدو كما لو كنا قادمين من كوكب آخر؛ ولذا فإن مصطلحًا تحرريًّا هنا يعني عكس ما كان يعنيه دائما في التاريخ.. فالتحرري طوال التاريخ الأوروبي هو الاشتراكي الفوضوي.. إنهم "المعارضون" في الحركة العمالية والاشتراكية، لقد انقسمت تلك الحركة إلى فرعين بشكل عام: أحدهما يحبذ الدولة -أو دولتيّ– والآخر ضد الدولة. وتطور الفرع الدولتي إلى البلشفية ولينين وتروشكي ومن بعدهما، بينما انصهر الفرع الآخر الذي ضم ماركسيين وماركسيين يساريين مثل روزا لوكسمبورج وآخرين، في بوتقة ضخمة ذات صبغة فوضوية صارت تدعي الاشتراكية "الاشتراكية التحررية"، ولذا كانت التحررية في أوروبا تعني دائما الاشتراكية، بينما هنا صارت تعبر عن الحافظة المتطرفة مثل إيان راند أو معهد كاتوا أو ما شابه.. لكن هذا استخدام خاص بالولايات المتحدة.

هناك العديد من الأشياء الخاصة بطريقة تطور الولايات المتحدة وهذا جزء منها.

ويعني المصطلح في أوروبا دائما الاشتراكية ومعاداة الدولة أنها فرع من الاشتراكي يرفض فكرة الدولة. إنها تعني مجتمعا متطورا ذا تنظيم عال، تنظيم تام وفائق الدقة، لا علاقة للمصطلح بالفوضى، إنه يعني ديمقراطية في كل الدرجات، إنه يعني التحكم الديمقراطي في المجتمعات والتجمعات وكل الأعمال والأبنية الاتحادية، وينبني هذا الحكم على نسق من المشاركة التطوعية المنتشر بشكل أعمى. تلك هي الفوضوية التقليدية، أنت تعرف أنه بوسع أي فرد أن يطلق على نفسه ما يشاء، ولكن هذا بالتحديد هو المعنى التاريخي للفوضوية التقليدية.

الجذور.. فتيات المصانع

وهذا المعنى له جذوره، ويمكننا أن نتقصى هذه الجذور حتى في الولايات المتحدة، نعم في الولايات المتحدة ثمة جذور قوية للفوضوية. نجد هذه الجذور في تاريخ الحركة العمالية الأمريكية. فلو عدنا مثلا إلى خمسينيات القرن التاسع عشر مع بداية الثورة الصناعية فسنجد أنه بالقرب من المنطقة التي أعيش فيها الآن في شرق ماساتشوستس في مصانع النسيج وغيرها كان معظم العاملين في هذه المصانع نسوة شابات أتين من المزارع. كان يطلق عليهن "فتيات المصانع" أي أولئك النسوة القادمات من المزارع للعمل في مصانع النسيج. كان بعضهن أيرلنديات مهاجرات يعشن في بوسطن وغيرها. كانت لديهن ثقافة غنية وشديدة التنوع. كن مثل هذا الخال الذي ذكرته والذي لم يتجاوز في تعليمه الصف الرابع، أعني أنهن كن ذوات ثقافة غنية ويقرأن الأدب الحديث. لم تكن الحركة الراديكالية الأوروبية تعني لهن أي شيء ولم تؤثر فيهن البتة، لكنهن كن جزءًا لا يتجزأ من الأدب والحركة الأدبية. ومن ثم طورن مفاهيمهن الخاصة عن كيف يجب تنظيم العالم، كانت لهن جرائدهن الخاصة.. في الواقع كانت تلك الفترة أكثر فترات حركة الصحافة في الولايات المتحدة.

في 1850 كان عدد الصحف الشعبية أي تلك التي تدار عن طريق فتيات المصانع في لويل وغيرها يعادل عدد الصحف التجارية أو أكبر، كانت تلك صحافة مستقلة، ويمكن إجراء دراسات أكاديمية عديدة ومثيرة عنها لو قرئت هذه الصحف الآن. كانت تبدأ بشكل عفوي ودون خلفية، لم يسمع كتاب هذه الصحف عن ماركس أو باكوس أو أي فرد آخر ولكنهم طوروا نفس الأفكار؛ فمن وجهة نظرهم كانت "العبودية المأجورة" -أي تأجير جهدك لمالك ما- لا تختلف كثيرا عن عبودية الأرض التي خاضوا الحرب الأهلية ضدها.

وعلينا أن نتذكر أن تلك كانت وجهة النظر السائدة في منتصف القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة. على سبيل المثال كان موقف الحزب الجمهوري هو موقف إبراهام لينكولن. لم تكن تلك وجهة نظر غريبة، أعني أن هناك فرقا كبيرا بين أن تبيع نفسك أو تؤجّر نفسك. ولذا كانت فكرة إيجار نفسك -أي العمل المأجور- فكرة وقتية، كانت هجومًا على تكاملك الشخصي. كن يحتقرن النظام الصناعي الذي كان آخذا في التطور، ويدمر ثقافتهن واستقلالهن وفرديتهن، ويجعلهن خاضعات للأسياد.

كان ثمة تقليد لما يسمى بالجمهورية في الولايات المتحدة، نحن شعب حر كما تعرف، أول شعب حر في العالم(!!) كانت فكرة العمل المأجور تدمر وتخرب هذه الحرية. كان هذا لب الحركة العمالية في كل مكان، وبداخل هذا سنجد فرضية كانت تؤخذ على أنها بديهية، وهي تقول: "إن من يعمل في المصانع فلا بد أن يديرها". في الواقع كان هذا أحد شعارات الحركة الرئيسية، وها أنا أذكره بنصه: "علينا أن ندين ما يُدّعى بروح العصر، أي اكسب الثروة وانس كل شيء إلا نفسك".

الروح الجديدة التي تدعو المرء للاهتمام بذاته وكسب المال ونسيان كل شيء عن هذه العلاقات مع البشر، كن يحتقرنها ويرين أنها خرق للطبيعة البشرية. تلك كانت ثقافة أمريكية قوية وغنية، وتم تدميرها بالقوة والعنف.

إن تاريخ الحركة العمالية في الولايات المتحدة مليء بالعنف الشديد، عنف أشد مما حدث في أوروبا.. لقد سُحقت الحركة العمالية ودُمرت تماما ولفترة طويلة باستخدام أعنف الأساليب، وعندما بدأت مرة أخرى في الثلاثينيات من القرن العشرين التقطت طرف الخيط منها. وبعد الحرب العالمية الثانية حطمت مرة أخرى، والآن صارت نسيا منسيا، ولكنها حركة لا يمكن تجاهلها، ولا أعتقد أنها ذهبت طي النسيان تماما. أعتقد أنها لا تزال تحت أسقف في ضمير الشعب.

مدعي السلطة.. عبء الإثبات

تلك مشكلة مستمرة، وتظهر مرارًا في عملك العلمي كذلك.. أي مدى نسيان التاريخ والتقاليد، فلتحديد موقف جديد علينا أن نعود للوراء ونبحث عن تلك التقاليد الأخرى القديمة (هنا نواجه مشكلة هامة ومحورية في قضية إعادة صياغة الفكر العربي والإسلامي، وهي قضية القطيعة المعرفية.. فالقطيعة المعرفية ليست قطعا تاما مع الحاضر، ولكنها إعادة صياغة له من خلال إعادة الاعتبار للماضي وإعادة الارتباط معه؛ بمعنى إعادة قراءة التاريخ بشكل يجعلنا أكثر قدرة على استشراف المستقبل، وليس رؤية الماضي كحل سحري وعصر ذهبي دائم) المترجم.

- نعم بالضبط لقد نسيت الأوساط الأكاديمية هذه التقاليد، ولكني أشعر أنها ما زالت حية في الثقافة الشعبية وفي أحاسيس وسلوكيات الناس ومفاهيمهم وغير ذلك. أعرف ذلك عندما أخاطب جمهورا من الطبقة العاملة اليوم وأكلمهم في هذه الأفكار، فتبدو لهم بديهية وطبيعية، أعني أنه حقيقي ألا يوجد من يتكلم عن هذه الأفكار اليوم، ولكن متى طرقت فكرة مثل: عليك أن تؤجر نفسك للآخرين وتتبع أوامرهم. وأنهم يملكونك وأنت تعمل لديهم. وأنك تبني ولكنك لا تملك. تبدو هذه الفكرة غير طبيعية، وليس عليك أن تدرس نظريات معقدة لتدرك أن هذا يضر بالكرامة البشرية.

وحيث إنك قد أتيت من هذا التقليد وتأثرت به وما زلت تؤمن به.. فما رأيك في مقولة "السلطة الشرعية"؟ وما هي شروط الشرعية للسلطة؟

(رأي تشومسكي القادم يمثل رؤيته الخاصة للفكر الفوضوي الذي يمثل جانبًا هاما في الفكر الراديكالي العالمي الذي يرفض أساسا فكرة الدولة، ويطالب بالتنظيم الذاتي للمجتمع من خلال فكرة المشاركة الاختيارية، وتتنوع فروع الفكر الفوضوي بين الفكر العنيف الذي ينتهج الاغتيال والعنف كسبيل لتحقيق دمار الدول ونهايتها، والفكر الديمقراطي الذي يرى أن الأفراد أحرار، وسيصلون إلى رفض الدول من خلال الديمقراطية الكاملة).

- لب الفوضوية -كما أفهمها- هو أن السلطة غير شرعية ما لم تثبت شرعيتها، ومن ثم فإن عبء الإثبات يقع على عاتق من يدعي أن العلاقات الهرمية السلطوية مشروعة، ولو لم يستطع إثبات هذا فهذا الادعاء مرفوض.

هل يمكن إثبات هذا؟ أعتقد أنه عبء ثقيل. ولكني أظن أيضا أنه بالإمكان أحيانا تحمله. دعنا نأخذ مثالا من حياتنا اليومية، لو كنت أسير في الشارع مع حفيدتي ذات الأربعة أعوام وبدأت في الجري في الشارع وأمسكت بيدها وشددتها.. إن هذا نوع من ممارسة السلطة والقوة، لكني أستطيع تبريره، ومن الواضح ما هو هذا المبرر. ويمكن أن تكون هناك حالات مماثلة يمكننا فيها تبرير استخدام السلطة والقوة. لكن السؤال الذي يجب أن يمثل دائما في ذهننا هو: "لماذا يجب عليّ قبول هذا؟" إنها مسئولية أولئك الذين يمارسون السلطة أن يوضحوا للآخرين لماذا ثمة شرعية في هذه الممارسة.. ليست مسئولية الآخرين أن يوضحوا عدم شرعيتها، إنها غير مشروعة أساسا؛ لأنها علاقة سلطة بين البشر تضع البعض فوق البعض الآخر، ولذا فهي غير مشروعة من الأساس.

(الناس سواسية كأسنان المشط. تلك هي القضية الأساسية والمحورية عند تشومسكي وكثير غيره من مفكري الاشتراكية التحررية. وعدم شرعية فكرة "السلطة" يرتكز على هذه المقولة أساسا، لماذا نفترض أن البعض أفضل من البعض الآخر بحيث يمكن للأوائل ممارسة عنف أو سلطة على الآخرين؟ أو بمعنى آخر هل فضل البعض على الآخر أن يجعل من حق الأول أن يمارس سلطته؟ إن التفاضل في المنظومة الإسلامية هو في الدين ولا يكون إلا بالتقوى.. فكيف تتيح التقوى التي هي مخافة الله ممارسة السلطة؟ وهل من العدل الذي هو أقرب للتقوى أن نمارس سلطة بأي شكل من الأشكال على الآخرين دون إعطاء مبرر حقيقي ومقبول؟ أعتقد أن هذه القضية تحتاج لبحث كبير في إطار علم السياسة الشرعية. ورغم أن معظم مفكري علم السياسة الشرعية من السلف الصالح كالطرطوسي والماوردي على سبيل المثال قد رأوا أن "جور السلطان ألف عام أفضل من فتنة ساعة"، مفضلين النظام على الفوضى.. فإنهم جميعا أكدوا "أن العدل أساس الملك"، وناقشوا قضية السلطة المطلقة غير المبررة بكثير من التفصيل. ومع تعقد العالَم وتطور العلوم أعتقد أنه من الواجب على علماء المسلمين إعادة طرح هذه القضية) المترجم.

غير مشروعة ما لم تعطِ مبررا قويا يوضح أنها مشروعة ومقبولة، إن ممارسة السلطة مثل استخدام العنف مثلا في الشؤون الدولية. أي فرد يدعو للعنف عليه أن يبرر هذا تبريرًا قويًا وواضحًا.

أحيانا قد يحدث هذا. وأنا شخصيا لست من دعاة السلام بأي ثمن ولذا أظن أنه يمكن أحيانا تبرير استخدام العنف.

في الواقع في هذا المقال الذي كتبته وأنا في الصف الرابع طالبت الغرب باستخدام القوة لمحاول إيقاف الفاشية، ما زلت أعتقد أن هذا كان صحيحًا.

لكني الآن أعرف أكثر عن هذا الموضوع، أعرف أن الغرب في الواقع كان يؤيد الفاشية ويدعم فرانكو ويؤيدون موسوليني وهكذا وحتى هتلر. لم أكن أعرف هذا في ذلك الوقت ولكني اعتقدت يومها وما زلت على رأيي بوجوب استخدام القوة لإيقاف هذا الطاعون وأن هذا أمر مشروع. وكان مشروعا في النهاية. لكن علينا أن نبرر هذا تبريرا واضحًا.

أمريكا وإسرائيل وحيدتان

هل تقل الحاجة للتبرير عندما تنظر للضعفاء، أو لأولئك المحرومين من القوة أساسا؟ هل يمكن قبول مبرر واهٍ في هذه الحالة؟

- لا، إنها نفس القضية. عندما نأخذ مثلا الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال العسكري أو الأنظمة العنصرية، فلها الحق في المقاومة. وفي الواقع كل العالم يرى أن لها الحق في المقاومة عدا الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذا ثابت في قرارات الأمم المتحدة.

تتكلم عن فلسطين الآن؟

- فلسطين أو جنوب أفريقيا. لو نظرنا نظرة واحدة لوجدنا قرارات أساسية للأمم المتحدة فيما يتعلق بالإرهاب في 1987، وهي تدين طاعون الإرهاب الدولي، وتدعو كل فرد في العالم أن يفعل شيئا لإيقافه. لقد أُقر هذا القرار مع معارضة دولتين: الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذا هو السبب كما شرحوه: "هذا القرار يدعم حق الشعوب في الكفاح من أجل الاستقلال من الأنظمة الاستعمارية والعنصرية والاحتلال العسكري الأجنبي"!.

لقد سمعنا عن إسرائيل وجنوب أفريقيا (في ذلك الوقت) ولكن لماذا تعارضه الولايات المتحدة؟ لأنها تعارض وترفض حق الشعوب في الكفاح ضد الأنظمة العنصرية والاستعمارية والاحتلال العسكري الأجنبي. وتظل الولايات المتحدة وإسرائيل وحيدتين في هذا المجال. وعندما تصوت الولايات المتحدة ضد قرار يخرج من مضبطة التاريخ لا تعود للسماع عنه، لكنه حقيقي وموجود. إن الحرب ضد الإرهاب ليست جديدة.. إنها قديمة، فقط الولايات المتحدة تعارضها، وأعتقد أن العالم على حق، وأن الولايات المتحدة مخطئة. فمن حق الشعوب مكافحة العنصرية والاستعمار والاحتلال العسكري الأجنبي.

لكن هنا يطرح سؤال نفسه: هل من المشروع استخدام العنف في هذا الكفاح؟

-هنا أعتقد أن إثبات هذا الحق في استخدام العنف يقع على عاتق من يقول إنه من المشروع استخدام العنف، هذا الإثبات أمر صعب للغاية سواء على المستوى الأخلاقي أو حتى على المستوى التكتيكي. وبصراحة أعتقد أنه من النادر جدًا إثبات هذا.

 اقرأ في الموضوع:


*أجرى الحوار هاري كريزلر في 22/3/2002 مع البروفيسور نعوم تشومسكي