مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

التعارف.. عن الميلاد والنشأة *

ترجمة وتحرير - أسامة القفاش / 28-07-2002

Image
  نعوم: مرحبًا بك، أين ولدت ونشأت؟

- ولدت في فيلادلفيا عام 1928، وبقيت هناك حتى انتهيت من دراستي الجامعية في بنسلفانيا ثم التحقت بهارفارد لمدة عامين في منحة بحثية، وبعد ذلك تخرجت، وبعد أن انتهيت من كل هذا ذهبت إلى معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا، ومنذ ذلك الحين أقمت في بوسطن وحولها منذ 1950 تقريبًا.

كان والداك نحويين عبريين ودرسا في المدارس العبرية؟

- كان أبي عالمًا في العبرية واشتغل في النحو العبري، وكانت أمي مدرسة للغة العبرية. وقد أدار أبي المدرسة العبرية في مدينة فيلادلفيا، ودرست أمي فيها ودرس أبي في الكلية العبرية بعد ذلك. هناك جامعة للدراسات اليهودية هي كلية دروبسي وقد درس فيها، ولكن كل هذا كان جزءاً منها يمكن أن نسميه الجيتو العبري -جيتو يهودي في فيلادلفيا-، ليس بالمعني المتعارف عليه من كونه وجودًا حقيقيًّا لحي مغلق، فقد كان هذا الوجود موزعًا في جميع أنحاء المدينة.. كان نوعًا من الجيتو الثقافي.

هل كانت العبرية هي لغة الحديث في المنزل؟

- لا.. كانت في الخلفية، مثلا عندما كنت في الثامنة والتاسعة من عمري اعتاد أبي أن يقرأ معي الأدب العبري في ليالي الجمع.

الخال.. شارع 72 بنيويورك

كيف ترى دور أبويك في تشكيل رؤيتك للعالم؟

- هذه سؤال صعب؛ لأن ما يحدث هو توليفة من التأثير ومقاومة التأثير، ومن الصعب فصل هذا عن ذاك. وبلا شك فلقد شكّلت النشأة أنواع اهتماماتي ومناحي المجالات التي اتخذتها فيما بعد، لكن هذا حدث بطريقة اللاواعي، وربما كان التأثير المباشر لآخرين في أسرتي، لقد كان أبواي مهاجرين وانتهى بهما المطاف في فيلادلفيا، لكن أمي أتت من نيويورك، وأتي أبي من بالتيمور، وعندما وصل عام 1913 ذهبت أسرته إلى بالتيمور بينما كانت أسرة أمي من مكان آخر، وارتحلت إلى نيويورك، وكانت أسرتاهما مختلفتين كليًا؛ كانت هناك أسرة نيويورك وفي الجانب الآخر أسرة بالتيمور، وكنا في المنتصف في فيلادلفيا، ومن ثم كنا نروح ونجيء بين الأسرتين؛ فقد كانتا قريبتين منا.

كانت الأسرتان مختلفتين تمامًا؛ كانت أسرة بالتيمور أرثوذكسية متطرفة (ألترا أرثوذكس: وهي الطائفة اليهودية التي كانت تعادي الصهيونية بشدة، وترفض فكرة العودة إلى الوطن أو صهيون طالما بات الماشيح المخلص، وبقايا هذه الطائفة هم يهود الناطوري كارتا أو حراس المدينة الذين يعادون دولة إسرائيل تمامًا) [المترجم]. وقد أخبرني أبي أنهم قد صاروا أكثر أرثوذكسية عند وصولهم لبالتيمور مما كانوا عليه في أوكرانيا التي أتوا منها. وبشكل عام فقد كان هناك اتجاه بين أجزاء من المهاجرين يهدف إلى تعميق التقاليد الثقافية التي ينتمون إليها، وربما كان هذا على الأغلب، رغبة في تقوية إحساسهم بالهوية في مناخ غريب على ما أعتقد، وتلك هي أسرة أبي.

كانت أسرة أمي من الطبقة العاملة اليهودية، وكانت راديكالية جدًا، اختفى فيها العنصر اليهودي، كان هذا في ثلاثينيات القرن الماضي. ومن ثم كانت الأسرة جزءًا من الحركات الراديكالية النشطة التي اجتاحت العالم في تلك الأيام، وكان أكثر أفراد تلك الأسرة تأثيرًا فيَّ هو زوج خالتي.

كان رجلا مثيرًا للغاية، دخل هذا الرجل الأسرة عندما كنت في السابعة أو الثامنة، وكان تأثيره عليَّ كبيرًا.. كان قد نشأ في نيويورك في أسرة من المهاجرين أيضًا، لكنه نشأ في أحد الأحياء الفقيرة في نيويورك، ولم يتجاوز الصف الرابع في تعليمه، لكنه تعلم في الشارع، كما تعلم، وخبر كل ما كان يحدث في شوارع الطبقات الفقيرة المعزولة في نيويورك من جريمة وصراع ومشاكل، كان معاقًا، ومن ثم استطاع الحصول على كشك جرائد وفقًا لبرنامج مساعدة المعاقين الذي كان ساريًا في ثلاثينيات القرن العشرين، كان الكشك في الشارع 72 بنيويورك، وكان خالي هذا يعيش بالقرب منه في شقة صغيرة، وأمضيت جانبًا طويلا من طفولتي هناك.

صار هذا الكشك مركز جذب ثقافي للمهاجرين القادمين من أوروبا، في هذه الأوقات هاجر إلى الولايات المتحدة ألمان كثيرون، وكان هناك مهاجرون من دول أخرى كذلك، وكما قلت لك لم يكن خالي هذا متعلمًا، فلم يتجاوز في تعليمه الصف الرابع، ولكنه ربما كان أكثر شخص مثقف قابلته في حياتي علّم نفسه.

وبدون الدخول في تفاصيل انتهى الحال إلى أن صار محللاً هاويًا للشؤون العامة في شقة صغيرة بشارع ريفر سايد بنيويورك، لكن الكشك كان شديد الحيوية ومركزا ثقافيا -أساتذة وخبراء في كل جوانب المعرفة كانوا يتناقشون طوال الليل- وكان العمل في الكشك ممتعًا للغاية.

تشومسكي والصهيونية.. المواقف المركبة

كان الكشك إذن كمقهى بدون قهوة تناقَش فيه الأفكار والشؤون العالمية؟

- نعم هذا صحيح، كان بمثابة بوتقة تعارف، لقد مرت عليّ أعوام طوال كنت أظن فيها أن ثمة جريدة اسمها "نيوزينميرا"، والسبب هو ما يلي: كان الناس يخرجون من المترو ويهرعون إلى الكشك، ويقولون: نيوزينميرا.. هذا هو ما كنت أسمعه.. كنت أعطيهم جريدتين: النيوز والميرور (الكلمة التي ذكرها تشكومسكي هي كلمة مركبة من كلمتي نيوز آند ميرور، والحادثة كلها تدل على فكرة أساسية يريد الوصول إليها؛ وهي أن الناس العاديين في أمريكا لا ينشغلون كثيرًا بالعالم، وأن إيقاع حياتهم سريع للغاية، وأن ما يشغلهم في معظم الأحيان بعد عملهم هو الرياضة وخاصة الرياضات الأمريكية) [المترجم]، كما عرفت فيما بعد، ولقد لاحظت أنهم كانوا يلتقطون نيوزينميرا، وأول شيء يفتحونه هو صفحات الرياضة.. تلك كانت صورة صبي في الثامنة من عمره للعالم، كان الكشك مليئا بالجرائد، ولكن كانت هناك أشياء أخرى.. تلك هي خلفية المناقشات التي كانت تدور حينئذ في هذا المكان.

من خلال هذا الخال وغيره وجدت نفسي متداخلا في أحداث الثلاثينيات وفي التيار الراديكالي فيها، وكان التأثير العبري المتعاطف مع الصهيونية كبيرًا في هذا الوقت، كانت تلك هي فلسطين.. الحياة المتوجهة نحو فلسطين لليهود الراديكاليين.

وكان هذا جانبا أساسيا من حياتي.. قد صرت فيما بعد مدرسًا للغة العبرية وقائدا شبابيا صهيونيا، وجمعت هذا مع النشاط الراديكالي في شتى المجالات، وفي الواقع كان هذا ما انتهى بي إلى اللغويات (في أكثر من كتاب له رفض تشومسكي إدانة الصهيونية باعتبارها عنصرية، وبالرغم من إدانته لمعظم أو كل القادة الصهاينة واقتباس عبارات لهم في كتاباته تؤكد أنهم كانوا عنصريين ويكرهون العرب ويحقدون عليهم، فإنه يرى أن تأثير الحركة الصهيونية على العديد من اليهود كان تأثيرًا إيجابيا، وأنها جعلت العديد منهم يتحولون لتأييد الاتجاهات الراديكالية، بل ونبذ معظمهم الفكرة الصهيونية مع رفض دولة إسرائيل وعدوانيتها؛ وهو الأمر الذي حدث مع تشومسكي ذاته -المهم هنا هو رؤية السياق التاريخي للموضوع وفهم أبعاد هذه القضية، فمن السهل القول بأن تشومسكي كان صهيونيًا، وهو ما لا ينكره الرجل.. ولكن في أي سياق؟- وهناك العديد من القيادات الصهيونية التي رفضت هذه الحركة بعد اكتشاف حقيقتها، مثل: دي هان الهولندي الذي قتله الصهاينة في فلسطين بعد أن صار من أشد المعادين للصهيونية) المترجم.

كان من أهم التأثيرات التكوينية في حياتك -كما أظن- قراءة جورج أورويل في تلك الفترة، ومن ثم الكساد العظيم والحرب الأهلية الأسبانية.. احكِ لنا قليلا عن هذا.

- لا.. العكس هو الصحيح، كتاب أورويل العظيم، وفي اعتقادي أعظم كتبه "تحية لقطا لوينا"، طبع على ما أذكر عام 1937 لكنه منع، طبعت 200 نسخة في إنجلترا والولايات المتحدة؛ أي منع حقًا وصدقًا، السبب أنه كان معاديا للشيوعية بشدة، ولم يكن هذا موضة ولا رائجًا في تلك الفترة، وتم منعه تمامًا أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لأنه لم يكن من الممكن نقد العم يوسف (المقصود الديكتاتور ستالين سكرتير عام الحزب الشيوعي السوفيتي في الفترة من 1924 حتى 1953 والمسؤول عن العديد من الجرائم والفظائع في حق الإنسانية) المترجم.

ولذا لم يطبع، وبعدئذ وصل الكتاب للجمهور -إذا لم تخني الذاكرة- عام 1947 أو 1948 تقريبًا، وقدم له ليونيل تريلنج بوصفه وثيقة من وثائق الحرب الباردة في هذا الوقت. وأعتقد أن أورويل كان سيكره هذا، إلا أنه كان قد مات (جورج أورويل مؤلف بريطاني شهير، من أشهر مؤلفاته "مزرعة الحيوانات" و"1984"، وهما روايتان ينتقد فيهما المجتمعات الشمولية والشيوعية، وكان اشتراكيًا تحرريًا) المترجم، في تلك الفترة قرأت "تحية لقطا لونيا" -أعني عام 1948-، ولكني كنت مهتمًا بالحرب الأهلية الأسبانية قبل ذلك بكثير.

لقد كتبت أول مقال لك وعمرك 10 أعوام عن الحرب الأهلية الأسبانية.. ماذا قلت عندئذ؟ وماذا تعتقد الآن في تأثير هذا الحادثة عليك؟  

- حسنًا أنت تعرف.. لقد كتبت هذه المقالة عندما كنت في العاشرة من عمري، وبالتأكيد لا أود أن أقرأها اليوم، أذكر جيدًا عن ماذا كتبت؛ لأني أذكر ما أثارني عندئذ، كان هذا بعد سقوط برشلونة مباشرة، لقد اجتاحت القوات الفاشية برشلونة، وكان هذا نهاية الحرب الأهلية الأسبانية تقريبًا، وكانت المقالة عن انتشار الفاشية في أوروبا، ولذا بدأتها بالكلام عن ميونيخ وبرشلونة وانتشار النازية والفاشية، وكان هذا مرعبًا جدًا.

دعني أضف كلمة قصيرة عن خلفيتي الشخصية، كنا الأسرة اليهودية في الحي الذي نسكنه في فلادلفيا، وكان غالبية سكان الحي من الكاثوليك الأيرلنديين والألمان.. كان حياً من أحياء الطبقة المتوسطة الفقيرة، وكان معاديًا لليهود بشدة ومؤيدًا للنازية للغاية، ومن المفهوم لماذا كان الأيرلنديون يؤيدون النازي.. لقد كانوا يكرهون البريطانيين، وليس مفاجئًا أن يكون الألمان معادين لليهود.. ما زلت أذكر حفلات البيرة التي كانت تقام بعد سقوط باريس، كان الإحساس بانتشار هذه السحابة السوداء عبر أوروبا خانقًا ومرعبًا، وأذكر جيدًا شعور أمي وإحساسها في هذا الوقت، كانت مرعوبة.

على أي الأحوال مع نهاية الثلاثينيات صرت شديد الاهتمام بالفوضوية الأسبانية والحرب الأهلية الأسبانية، وكان هذا مدار الحديث في تلك الأيام.. كان هذا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة، لكن أسبانيا كانت بمثابة أنبوب اختبار، وعندما صرت قادرًا على استقلال القطار بمفردي -أي في حوالي العاشرة أو الحادية عشرة- كنت أذهب لنيويورك لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وأقضيها مع أقاربي، وأتسكع حول المكتبات الفوضوية في ميدان يونيون والشارع الرابع، كانت مكتبات صغيرة ممتلئة بالمهاجرين الذين كانوا أشخاصًا مثيرين للغاية، وكنت أظنهم في التسعين لكنهم كانوا في الواقع في الأربعينيات أو نحوها، وكانوا مهتمين جدًا بالشباب، كانوا يريدون من الشباب أن يأتي إليهم ويولونهم اهتمامًا كبيرًا.. كان حديثي معهم تعليمًا حقيقيًا.

وهكذا كتبت ذلك المقال على هذه الخلفية قبل قراءة كتاب أورويل بزمن.

 اقرأ في الموضوع:


*أجرى الحوار هاري كريزلر في 22/3/2002 مع البروفيسور نعوم تشومسكي