مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

في ندوة بالإسكندرية.. البرغوثي يشتاق لوطنه العادي!!

منير عتيبة / 01-08-2002

Image
مصر - كان الحضور كثيفاً رغم أنها مجرد ندوة شعرية، والندوات الشعرية لا يحضرها عادة إلا الشعراء الذين يسمعون بعضهم البعض وقليل من جمهور عابر يجيء بالصدفة ولا يستمر حتى النهاية.. ربما لأنه فلسطيني، ربما لأنه يحمل اسم "البرغوثي"، ربما لأن الندوة أعلن عنها أكثر من مرة وكانت تتأجل في كل مرة.. ربما لكل ذلك، لكنني شخصياً ذهبت لأتعرف إلى الرجل الذي كتب "رأيت رام الله"، هذا الكتاب الرائع الذي استغرقني تماماً ورشحته لكل أصدقائي ومعارفي، فهو كما يصفه الدكتور علي الراعي "يصدر عن روح فريدة حقاً، فريدة في النظرة السمحة التي ينظر بها إلى الناس والأحداث، الكتاب ليس مجرد كتاب، إنه ذوب قلب وعصارة حياة قضاها الشاعر المرموق متنقلاً بين المهاجر والمنافي والمنابذ".. كان اللقاء الشعري بآتيليه الكتاب والفنانين بالإسكندرية مع الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، أدار اللقاء الدكتور محمد رفيق خليل رئيس مجلس إدارة الآتيليه الذي يبدو أنه كان يعلم أن الندوة لن تقتصر على الشعر، ويبدو أن مريد نفسه اعتاد ذلك..

تحولت الندوة إلى ما يشبه برلماناً تمارس فيه ديمقراطية حقيقية (وهذا أمر شديد الندرة لو تعلمون، بل أنتم تعلمون!!) وتحولت أيضاً إلى ما يشبه كتاب مريد "رأيت رام الله"، فالشعر يختلط بالسياسة بالتاريخ والجغرافيا والتعصب والتسامح والمثالية والواقعية والسخرية والألم..

انتهز مريد فرصة وجود هذا الحشد من مثقفي وشعراء وأدباء الإسكندرية ليلقي بعض قصائده (من الطريف أن بعض الحضور طلب من مريد إلقاء قصائد معينة هكذا: اقرأ القصيدة الموجودة بديوانك صفحة 238!!)، ويقول بعض آرائه في الأحداث الراهنة، وانتهز الحضور فرصة وجود مريد بينهم ليتحدثوا عن القضية المحورية، قضية فلسطين، وعن أوضاع الشعوب العربية أيضاً، فلم يكن هناك منصة وجمهور كالمعتاد، بل مائدة للحوار الثري..   

قدس حياتنا العادية!!

  حاول مريد في البداية أن يجنب الحضور منزلق الحديث عن القضية والقدس كرمز، وفرق بين الرمز وبين قدس الحياة اليومية: لا يعرف من القدس إلا قوة الرمز، قبة الصخرة تحديداً هي التي تراها العين فترى القدس، القدس الديانات، القدس السياسة.. القدس الصراع هي قدس العالم.. لكن العالم ليس معنياً بقدسنا، قدس الناس، قدس البيوت والشوارع المبلطة والأسواق الشعبية حيث التوابل والمخللات، قدس العتالين ومترجمي السياح الذين يعرفون من كل لغة ما يكفل لهم ثلاث وجبات معقولة في اليوم، خان الزيت وباعة التحف والصدف والكعك بالسمسم، المكتبة والطبيب والمحامي والمهندس وفساتين العرائس الغاليات المهور، قدس الجبنة البيضاء والزيت والزيتون والزعتر وسلال التين والقلائد والجلود وشارع صلاح الدين، قدس حبال الغسيل.. هي القدس التي نسير فيها غافلين عن "قداستها" لأننا فيها، لأنها نحن، نتجول فيها بطيئين أو مسرعين بصنادلنا أو بأحذيتنا البنية أو السوداء نساوم الباعة ونشتري ملابس العيد.. هذه القدس العادية، قدس أوقاتنا الصغيرة التي ننساها بسرعة لأننا لا نحتاج إلى تذكرها، ولأنها عادية كما أن الماء ماء والبرق برق، كلما ضاعت من أيدينا صعدت إلى الرمز، إلى السماء، كل الصراعات تفضل الرموز، القدس الآن هي قدس اللاهوت، العالم معني بـ "وضع" القدس، بفكرتها وأسطورتها، أما حياتنا وقدس حياتنا فلا تعنيه، إن قدس السماء ستحيا دائماً، أما حياتنا فيها فمهددة بالزوال.   

إنهم يختصرون القضية!!

ورأى مريد أن أخطر ما تعيشه القضية الفلسطينية الآن هو موقف "الرسميات العربية" جميعاً وبدون استثناء، وهو الموقف الذي يحاول أن يختصر القضية ويفقرها ويصغرها بتحويلها إلى صراع فلسطيني/إسرائيلي.. وهذا يعني أن مساحة الأمل تضيق أمام الفلسطينيين وأن الأكثر إيلاماً سيأتي.. فإذا حملت الرسميات العربية عصاها ورحلت من ساحة القضية وتركت المواجهة فقط بين أطفال فلسطين الذين لا يملكون إلا الاستشهاد وبين المستوطنين الإسرائيليين (وإسرائيل كلها مستوطنة كبرى) فسيقوم الشعب الفلسطيني بدوره التاريخي لكن موقفه سيكون ضعيفاً للغاية.. وأوجه التحية إلى الشعوب العربية التي أعطت للقضية حجمها الحقيقي كصراع عربي إسلامي مسيحي ضد إسرائيل، صراع قوميتنا وديننا وحضارتنا مع غزاة استيطانيين، فقدمت الدعم المعنوي وخرجت في عشرات المظاهرات في القرى والمدن وجمعت التبرعات وأرسلت المعونات وقاطعت البضائع الأمريكية، إنني أحيي العمل الجماهيري العربي وأنحني له إعجاباً لأنه لم يقصر إطلاقاً وما زال يقظاً ومستمراً.. فالجماهير العربية هي التي تعلم قادتها الوطنية لكن القيادات بطيئة التعلم!!   

لماذا على شارون أن يتوقف؟!!

ويواصل مريد: ماذا فعلت الرسميات العربية؟ لا شيء..!!.. لم يطرد سفير إسرائيل من عاصمة عربية، ولم يتوقف التطبيع الرسمي، ولم تقطع العلاقات مع إسرائيل، ولم يقدم الرسميون العرب أي خطوة عقابية لسلوك إسرائيل، بل وقفوا تباعاً ليقولوا: لن نحارب، لن نقطع النفط، لن نطرد السفراء، لن نلغي المعاهدات.. مما يخاف شارون إذن وأي عقاب سيخشاه؟ خصوصاً أن الغرب الاستعماري كله، وعلى رأسه أمريكا، يشد على يده مشجعاً ويمده بكل ألوان الدعم، ليقف المجرم الإسرائيلي وهو مطمئن أنه لن يعاقب في أي بقعة في العالم، فالجريمة تسرح الآن مطمئنة دون أن تجد من يرفع في وجهها عصا، تسرح كسلعوة ضالة في البيوت والشرفات وكنيسة المهد والأقصى وأشجار الزيتون المقتلعة.. في البداية قال بوش لشارون "اخرج في أقرب وقت"، ثم حدث احتلال وإعادة احتلال عشرات المرات ولم نسمع حتى هذا الإنشاء اللغوي الفارغ "اخرج في وقت ما"، بل يساعده ويعطيه المعونات.. على الفلسطينيين أن يستمروا في المقاومة، وعلى الشعب العربي أن يستمر في الوقوف خلف المقاومة، وعلى الرسميات العربية أن تغير أو تتغير!!   

الحرب الثانية ضد الإرهاب!!

وأكد مريد البرغوثي أن ما يحدث في فلسطين هو الإجابة على السؤال الحائر: من هي الدولة التالية لأفغانستان في حرب أمريكا ضد ما تسميه بالإرهاب؟ فالحرب الثانية تحدث بالفعل، إنها الحرب التي تخوضها أمريكا ضد الفلسطينيين، دون إعلان، لتأديبهم وكسر شوكتهم، وقد شعرت بها الشعوب لكن الرسميين العرب فقط لم يروها.. وقد فهم هذا العقلاء والشرفاء في كل أنحاء العالم، لقد زارنا في رام الله وفد من 9 كتاب عالميين منهم اثنان حاصلان على نوبل، قالوا لأهلنا في المخيمات ورام الله وبير زيت: أنتم القيمة الأخلاقية في هذا العالم، شرفاء العالم كله يتخذون عنوان شرفهم مؤازرة الشعب الفلسطيني..!!   

مراجعات للأداء الخائب!!

فتح مريد البرغوثي جراحاً كثيرة عندما تحدث بصراحة عن الغياب الكامل للديمقراطية في كل الفصائل الفلسطينية سواء في فتح أو المعارضة؛ فالقادة مخلدون لا يتبدلون، ولا يوجد تداول سلطة، كما هو الحال في كل البلاد العربية حكومات وأحزاب معارضة.. ورأى أن ذلك أحد أسباب الارتباك في الأداء الفلسطيني الرسمي. وأضاف سبباً آخر وهو اتفاقية أوسلو التي يرجع جزء كبير من الأداء الفلسطيني الخائب إلى رداءتها، فقد أغفلت الأرقام والإحصاءات والخرائط، وقام بها أناس لا يتمتعون بالكفاءة التي تؤهلهم للتفاوض في قضية مصيرية، حتى اللغة الإنجليزية التي تفاوضوا بها كانوا ضعافاً فيها، وخبراء القانون الدولي كانوا يسخرون منا لتوقيعنا عليها.. لقد كنا كفلسطينيين، بكل فصائلنا، حركة مقاومة وطنية وتحرر وطني، نقاتل بكل الطرق لنستعيد حقوقنا، لكن أوسلو سمتنا "سلطة" وصدقنا ذلك وتصرفنا على أساس أننا سلطة وحكومة، قدم عرفات نفسه للعالم كرئيس دولة حقيقية، فطالبه العالم بالتصرف كرئيس دولة حقيقية، لكن الحقيقة أننا لا نرى من السلطة إلا مظاهر السيادة الشخصية ولا توجد سلطة فلسطينية على أرض الواقع.. هذا الفرح المبكر غير المبرر بمظاهر السيادة هو الذي أوجد الارتباك، فلا توجد دولة حقيقية، ولذلك لا يستطيع عرفات أن يمارس سلطات حقيقية كرئيس دولة.. بل إنه رفض فكرة قيام قيادة للطوارئ تضم كل الفصائل لتكون تمثيلاً حقيقياً للشعب الفلسطيني.. فقد تم اصطياد حركة التحرر الوطني في شباك أوسلو لتكون سلطة.. ومع ذلك يجب أن لا نتصيد تصريحاً خاطئاً أو خائباً لهذا المسئول الفلسطيني أو ذاك لنخرج من الصراع ونفض أيدينا منه كما تفعل بعض الرسميات العربية.

ويبقى -يضيف مريد- أن الشعب الفلسطيني يموت بيد أعدائه وبيد من يغنون له في التليفزيون أحياناً.. إننا لا نطلب من الحكومات العربية أن تقاتل بدلاً منا.. لكننا ننبهها إلى أنها تعيش لحظة حقيقية وحاسمة وهى ترفض أن تراها، فما يحدث للشعب الفلسطيني على أرضه في مساحة خمسة آلاف كيلو متر مربع، لا يمس الفلسطينيين وحدهم، بل يمس ويؤثر في كل شعوب المنطقة، الفلسطينيون يشكلون التحدي الأخلاقي للعنجهية الأمريكية في هذه المنطقة من العالم، وإذا انهار حائطنا -بسبب أخطائنا أو أخطاء الرسميات العربية أو غير ذلك من الأسباب- فلن تعيش عاصمة عربية دقيقة واحدة مطمئنة لأن الجميع سيعيش في رعب سؤال: من عليه الدور..؟!! 

 التعقيبات .. خروج الرسميات العربية!!

تداخلت الآراء تعليقاً وتعقيباً وتعميقاً وتوازياً وتقاطعاً مع ما قاله مريد البرغوثي من آراء وما أنشده من قصائد، وفي الوقت نفسه كان بعض أعضاء "اللجنة الشعبية لمساندة الانتفاضة وكفاح الشعب الفلسطيني بالإسكندرية" يوزعون منشوراً يدعو إلى المقاطعة ويحدد قائمة المنتجات التي يجب مقاطعتها.. من الآراء التي قيلت:

الرسميات العربية خرجت من الصراع بالفعل منذ كامب ديفيد، وما تفعله الشعوب من مساندة للقضية ليس بموافقة الحكومات ولكن رغماً عنها.. ولا يمكن أن نطلب شيئاً من أمريكا ضد شارون ولصالحنا لأن ما يفعله شارون في فلسطين تفعله هي بالضبط في أفغانستان.. هناك عشرات صالحون للقيادة في الشارع الفلسطيني، ويجب أن يكون السؤال: هل تصلح هذه القيادة للشعب الفلسطيني في هذا الوقت أم لا؟!

مطلوب أن توجد في فلسطين ديمقراطية حقيقية، فمن الغريب أن تكون ثورة تحرر ولا تمارس الديمقراطية داخلياً.. وعلى فكرة من حسن حظكم أن الانتفاضة حدثت مع إسرائيل؛ لأنها لو كانت في دولة عربية لتم القضاء عليها في يوم واحد..!!!

أحد أعضاء حزب الخضر أنصار البيئة: امتنع عن التدخين وناصر قضية فلسطين! لنلاحظ أهمية الحرب الاقتصادية ولنركز عليها بجدية، إن معظم من ينادون بالمقاطعة يدخنون والسجائر غالباً أجنبية، بالإضافة إلى أنها مضرة بالبيئة..!!

يجب أن نعذر الحكومات في مواقفها لأن عليها ضغوطاً كثيرة، لكنها تسمح للشعوب بعمل ما لا يمكنها هي عمله مثل سماحها بل وتنظيمها للمظاهرات في الشارع العربي..!!

لو صدقنا أن الحكومات وراء المظاهرات لكان علينا أن نصدق أن حرب أكتوبر صناعة أمريكية.. ولكن المظاهرات صناعة شعبية، ورغم أنف الحكومات تمت، فلا يجب أن نبخس الشباب الذين تعرضوا للضرب والموت والسجن حقوقهم بتحويلهم لمجرد أداة في يد الحكومات التي تفتقد أصلاً لشرعية وجودها..!!

وليد عبد الرحمن قنصل فلسطين بالإسكندرية: ما يقال عن الفساد في السلطة الفلسطينية وعدم وصول المعونات إلى مستحقيها هو كذب وتشكيك مقصود به القضاء على حماسة الشعوب العربية ووقف دعمها للانتفاضة وللفلسطينيين، ونحن مع الإصلاح والديمقراطية وتعاقب الأجيال والقيادات، والرئيس عرفات جاء بانتخابات شعبية حرة نزيهة، والشعب الفلسطيني يعتز بقيادة أبو عمار، ونحن معه سواء كان في السلطة أو خارجها، وإن شاء الله نلتقي في القدس المحررة لنرفع أعلامنا على مساجدها وكنائسها.. لن نركع أبداً لن نركع/ ما دام لنا طفلٌ يرضع..!!

كل ما قيل جميل وتحليلات صائبة.. فأمريكا هي الدولة الراعية للإرهاب وليس السلام، وإسرائيل تحاول إبادة الشعب الفلسطيني، والحكومات مكتوفة الأيدي وغير شرعية إلى آخر هذا الكلام الذي ليس فيه جديد لأننا نقوله منذ عشرات السنوات، بالإضافة إلى أنه كلام.. لماذا جئنا إلى هذا اللقاء؟ ولماذا نجتمع؟ لنتكلم ونفضفض ونريح أنفسنا وكأننا أدينا واجبنا لننام في أسرتنا مرتاحي الضمير؟ هل انتهى الموضوع بمجرد أن قال كل منا بضع كلمات جميلة وصائبة؟ إنني أرى أن مشكلتنا هي غياب الجدية.. كلنا نلعب.. الحكومات تعلب دور الحكومات، والشعوب تلعب دور الشعوب، والطالب يلعب دور الطالب، والصناعة تلعب صناعة... إلخ.. نلعب، لكننا لا نعمل بجدية، لا أحد يقوم بواجبه، لذلك نلجأ إلى الأسهل ونطلب المستحيل، نعطى التحليلات ونقول بأننا سنهزم أمريكا وننتصر على إسرائيل، إنني أدعو إلى الممكن، لنبدأ بالممارسة الجدية للحياة، فليكن أستاذ الجامعة أستاذاً بالفعل، والطالب والصانع والسياسي، ليؤد كل منا عمله جيداً وبصدق وأمانة وعلى الوجه الأكمل، حتى السلوكيات البسيطة في التعامل اليومي يجب أن نمارسها بجدية.. إذا حدث ذلك يمكن أن نفعل شيئاً ولو على مدى طويل، وإذا ظللنا على حالنا، فلنتحدث كما نشاء، ولنحلل، ولنطلب المستحيل، ولننتظر الفناء القريب بضمير خال ومرتاح..!!!


أديب وروائي مصري.