مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

مناوشات عقلية مع مشاهد ورقية!!

Image
قبل خمس عشرة سنة تقريبًا.. أهداني صديق لوحة فنية جميلة تصور شارعًا على جانبيه أشجار تمثل جذوعها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وكانت هذه اللوحة بتوقيع الدكتور سيد الخضري.. وهو على ما يبدو مصري الجنسية.

ولم يمضِ وقت طويل حتى رأيت ذات اللوحة تسوَّق وتروَّج على أنها صورة حقيقية لأحد الشوارع في ألمانيا؟!.. ولم تنسَ الجهة المروجة بالطبع أن تشطب اسم الفنان.. مضيفة في التعليق أن السلطات هناك في ألمانيا قد جرفت تلك الأشجار، بعدما رأت من قوة أثرها في تحويل الألمان إلى الإسلام؟! وقد لاحظت أن هذه الصورة قد روجت بهذا الشكل في عدد من الدول العربية منها الأردن.

شارع الشهادتين و…!!

* تناقل الناس عددًا من الصور، تتضمن لفظ الجلالة وكلمة التوحيد، مرسومة على قطعة لحم عند جزار، أو قطعة بطيخ أو بندورة (الطماطم).

* انتشر ملصق يحوي رسمًا للشهادتين وتحته شرح يقول بأن ذلك تخطيط للرئتين بواسطة الكمبيوتر؟!

* تناقل الفلسطينيون في بعض المناطق رسمًا يتضمن الشهادتين بدعوى أنها صورة عن نسيج العنكبوت على ورقة من سجن النقب.

* بفرح كبير تلقى عدد من الأشخاص وجود نتوءات على بيض دجاج على شكل لفظ الجلالة أو اسم الرسول "محمد" عليه الصلاة والسلام.

* نشرت إحدى الصحف منذ سنين صورة لزائدة لحمية على أذن طفل تشكل لفظ الجلالة.

* لاحظ البعض أن دماء بعض شهداء انتفاضة 1987م قد رسمت لفظ الجلالة.

الجامع بين كل ما سبق، فيما عدا الأخيرة، أنها شائعات من النوع المكتوب أو المرسوم الذي ينتشر عن طريق التصوير؛ حيث أتاح التقدم التكنولوجي مجالاً واسعًا للنشر والتوزيع ومزيدًا من المصداقية!.

وتعكس هذه الشائعات عددًا من الأمور:

* غياب العقلية النقدية عند جماهير أمتنا، واستعدادنا لقبول أي خبر ما دام يتناغم وينسجم مع ما هو محبوب وبخاصة ما يتعلق بالدين.. إلى الحد الذي يجعل بإمكان أي أفّاك مغرض أو مرتزق أن يروج لأي أكذوبة دون مقاومة أو مناقشة.

كان غريبًا أن يصدق الفلسطينيون قصة نسيج العنكبوت؛ إذ كيف نسجها على ورقة؟ وكيف نقلت الورقة بالنسيج دون أن يتأثر من السجن إلى الخارج؟ وكيف بالإمكان تصويرها على آلة التصوير؟ كل ذلك دون أن تتقطع خيوط العنكبوت؟

هل استطاع الأفاكون تمرير القصة؛ لأنها ترتبط بالسجناء الذين هم أبطال أعزاء لهم في القلوب مكانة سامية.. وكذلك لأنها دليل "وكرامة" تزيد إيمان المؤمنين؟

* وبنفس المنطق كيف يقبل المسلم خبرًا بدون "سند" معقول ومقبول.. إن المسلمين الأوائل لم يكونوا يقبلون حديثًا عن الرسول إلا من الأتقياء الضابطين.. نعم من الضابطين؛ أي أنه لا يكفي لقبول الحديث أن يكون الراوي تقيًّا، بل لا بد أن يكون من أهل الضبط والحفظ والفهم، وعدم الوهم، وكذلك دراسة المتن والنص، بالإضافة إلى السند، وبالتالي فقد كان عجيبًا أن تنتقل هذه الصور وعلى رأسها الرسم التخطيطي لرئتين بواسطة الكمبيوتر، دون السؤال عن الطبيب أو المركز الطبي أو الكتاب أو المجلة العلمية التي ورد ذلك فيها.

* لقد تناسى الكثيرون أن الإنسان وهو يقطع اللحم أو البطيخ أو البندورة.. فإنه يفعل ذلك بحركات متتالية لا تتيح له التمعن؛ لأنه على عجلة من أمره رغبة في البيع إن كان جزارًا، أو الأكل إن كان في البيت.. وذلك للأسف مخالف للأمر الإلهي "فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِه" بغرض النظر والتفكر في خلق الله عز وجل وعظمة نعمته..

* مرة أخرى، فإننا نعاني من سطحية في التفكير والإيمان، إننا نبحث عن لفظ الجلالة وكلمة التوحيد في قشرة بيض أو قطعة لحم، ونسيج عنكبوت ودم شهيد.. وننسى الأدلة العظمى في خلق البيض بطبقاته وتركيبه والتكاثر الناتج بسببه، وكذلك الأمر في الشجر كل الشجر والثمر كل الثمر، والحشرات، وأجهزة الإنسان جميعها سواء رسمت الرئتان شهادة أن لا إله إلا الله أم لم ترسمها..

إنه إيمان سطحي شكلي حرفي ذاك الذي لا يغوص في الأعماق، ولا يبحث عن القوانين.. إنه يكتفي من الأدلة بالرسم ومن الإيمان بمجرد "التلفظ".. لقد كانت "لا إله إلا الله" كلمة تحسب لها الفراعنة ألف حساب، قبل أن تفرغ من المضمون وتصبح نصًّا بلا روح.. كما أصبحت الكثير من الشعائر والأذكار وكذا قراءة القرآن الكريم.. حركات وأشكالاً وألفاظًا.. لا حياة فيها. لقد اختصرنا المعنى العظيم للشهادة وبذل الدم في سبيل الله، وقزَّمناه إلى كتابة اسم الله تعالى على التراب بالدم!!

احذر من البوكيمون

أما المشهد الآخر الذي يحمل نفس الدلالات فكنا قد حذرنا -نحن المعلمين- طلابنا قبل عطلة عيد الفطر الماضي من مغبة إحضار بطاقات البوكيمون إلى المدارس واللعب بها؛ لما رأيناه من انغماسهم فيها وانشغالهم بها عن الدراسة، وبدء اعتيادهم على القمار من خلالها.

ولما رجعنا بعد العيد؛ إذا بالطلبة يعرضون علينا منشورًا بعنوان "احذروا البوكيمون"  يتضمن جدولاً بأسماء البوكيمونات المشهورة، والمعاني العربية المقابلة لهذه الأسماء، بحسب زعم المنشور. وكان اللافت أن أغلب المعاني المزعومة للأسماء هي من نواقض الإيمان الإسلامي، وذات بُعد عدائي للمسلمين، من مثل: "لا إله في الكون، لا رسول في الحياة، لا إسلام في الحياة، لا مكان للإنسان في الدين، اعبدوا الشيطان والأرواح، لا حياة للمسلمين، اسمعوا الأغاني ودعوا نصائح المسلمين، كافر من له دين آخر غير دين المسيح". وبنفس المنطق النقدي الشرعي نحاول أن نناقش هذا المنشور.

* المنشور يخلو من اسم الجهة التي أصدرته، وهو بالتالي من "فاعل خير!!" يريد أن يجعل عمله خالصًا لله تعالى!! ألا يثير عدم إعلان المصدر عن اسمه الشك والريبة فيه وفي أغراضه؟

* إن البوكيمونات من أصل ياباني؛ فهلا أفصح لنا المصدر عن نفسه.. وأثبت لنا مقدرته وخبرته باللغة اليابانية.. وإذا كانت أسماء البوكيمونات –كما يظهرها المنشور- تكثر فيها كلمة "لا".. فلماذا لا نجد مقطعًا واحدًا يدل على "لا" يتكرر في كل هذه الأسماء؟!

* هل هذا المصدر "مسلم!!" من نوع ذاك الذي كان يضع الأحاديث المكذوبة خدمة للدين ويقول إنه يكذب "للرسول" ولا يكذب على الرسول!! أم إنه جهة معادية، قد تكون مرتبطة بالاحتلال، خاصة أنها تحاول إثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين من خلال اسم مزعوم لأحد البوكيمونات وهو "كافر من له دين آخر غير دين المسيح"؟ وكيف تكون البوكيمونات يابانية وثنية بوذية، ثم تروج للديانة المسيحية؟!

* إن البوكيمونات قد صُنعت في اليابان، وروجت في اليابان أولاً، ثم في دول أوروبا وأمريكا والعالم، ومنه العالم العربي والإسلامي، وبالتالي فالزعم بأن معاني أسماء البوكيمونات تستهدف الإسلام وعقيدته أمر مستبعد.

إن من الطبيعي أن تعبر البوكيمونات عن الثقافة اليابانية الوثنية المناقضة للإسلام، وكذلك فإن من المتوقع أن يقصد من هذه البوكيمونات الترويج لثقافة العولمة.. والسعي للربح الكبير والسريع. ولكن لا بد من التفريق بين التناقض مع الإسلام واستهداف الإسلام.

* لقد استغل مصدِّرو البيان حالة الفزع، وصيحات التحذير من البوكيمونات وآثارها وأخطارها النفسية والتربوية والاقتصادية والثقافية والدينية، ودخلوا باسم الحرص على الدين والأخلاق -فيما يبدو- لتمرير أغراضهم الخبيثة.. أو جهالاتهم الحمقاء.

* هل يريد مروجو المنشور –بالفعل- إثارة الشكوك، وزعزعة العقيدة الإسلامية؛ إذ من المتوقع ألا يفلح هذا المنشور، والنصائح والتحذيرات الكثيرة من البوكيمونات في صرف الأطفال عن متابعتها على شاشات التلفاز على الأقل، وبالتالي سيظل الصغار على تعلقهم بالبوكيمونات، ولكن مع معانٍ جديدة لأسمائها قصد مروجو المنشور إلى غرسها في أذهانهم؟

* قد يرى البعض أن من الأفضل عدم مواجهة مثل هذه المنشورات والصور لكونها "تدعم وتقوي الإيمان".. أو "تواجه ثقافة مناقضة لهذا الإيمان"، وهذا قول يخالف نهج الرسول –صلى الله عليه وسلم-، حين مات ابنه، وقال الناس: "كسفت الشمس لموت إبراهيم"، فقد كان بإمكانه على الأقل أن يسكت؛ باعتبار أن هذا الأمر مما يزيد من إيمان الصحابة بالرسول والدين، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- رفض ذلك، وأكد أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته.. إننا لسنا بحاجة إلى الكذب والأدلة الزائفة لخدمة ديننا والدفاع عنه؛ لأننا باختصار أصحاب الدين الوحيد الذي يملك أنصع الأدلة، وأقوى البراهين، وأعظم الآيات!!


كاتب فلسطيني