مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

وما الدنيا إلا "أتوبيس" كبير!

مجلة أتوبيس التجربة الأولى والتي حظيت بنجاح وتميز
مجلة أتوبيس التجربة الأولى والتي حظيت بنجاح وتميز
  بوصفي محبًّا للكتابات الصحفية الساخرة، تابعت عن قرب تجربتين صحفيتين ساخرتين، شابتين في عمرهما.. أصدرتهما مجموعتان من طلاب السنة النهائية في قسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة بمصر في عامي 2001 و2002، وذلك كمشروعين للتخرج، حيث طلبت إدارة الكلية من كل مجموعة من الطلاب تنفيذ مجلة من الألف إلى الياء.. من التحرير إلى الطباعة.. ليطبقوا فيها ما درسوه في الكلية على مدار أربعة أعوام.

فاختار معظم الطلاب إعداد مجلات سياسية وشبابية وفنية، باستثناء مجموعتين اختارتا المجال الساخر؛ ليكون مشروعًا للتخرج. التجربة الأولى كان اسمها "أتوبيس" وصدرت عام 2001 والأخرى "تخاريف" وصدرت عام 2002، وقد نالت كلتا المجلتين المركز الأول بعد منافسة شديدة من باقي المجلات!

سألتهم: "ولماذا اخترتم المجال الساخر؟"، ردوا قائلين: "لقد كانت التجربة تستحق المجازفة؛ فالكتابة الساخرة تمثل المحطة التي تستريح فيها النفس من عناء الحياة ومتاعبها، وتزداد أهمية هذا النوع من الكتابة في مجتمعنا العربي الذي أثقلته الأحزان الهموم، وتأتي المجازفة من أن الكتابة الساخرة شبه مرفوضة من جانب البعض؛ لأنهم يرونها تسطيحًا للفكر وتضييعًا للوقت، كما أن هذا النوع من الكتابة ليس به منطقة وسط؛ فإما أن ينال إعجاب القارئ بشدة، وإما أن يستسخفها بشدة"، ثم أضاف محمد مصطفى رئيس تحرير "أتوبيس" وصاحب الفكرة: "ولا تنسَ أن جمهور القراء لدينا يعشق الفكاهة، ألم يقولوا على الشعب المصري "إنه ابن نكتة"؟!

محررو "أتوبيس" يشكون من "هتلر"!!

إذا تحدثنا عن مجلة "أتوبيس" -التي أعدها 8 طلاب- فيفضل أن نبدأ من النهاية؛ أي من الغلاف الخلفي للمجلة؛ حيث نشر الطلاب على طول صفحة الغلاف 4 قصائد ساخرة جريئة جدًّا للشاعر المغضوب عليه في الوطن العربي "أحمد مطر"، وإذا قلبنا في الصفحات الأخيرة من العدد فسنجد أن الطلاب استحدثوا فنًّا صحفيًّا جديدًا على الصحافة العربية باسم "الورشة"، وهو قائم على فكرة الكشف عن ملابسات وكواليس العمل أثناء إعداد المجلة، وهو مستوحى من فكرة the making of” “ السينمائية، يمكن أن نلاحظ مما كتب فيه مدى الجهد الذي بذله هؤلاء الطلاب لإخراج هذا العمل. كما يمكننا ملاحظة جوٍّ من الديمقراطية ساد أثناء العمل، حتى إن المحررين كتبوا يشتكون من المعاملة التي عاملهم بها رئيس التحرير الذي وصفوه بـ"هتلر"! 

وفي نفس الصفحة نشروا بابًا أسموه "مع الركاب"، قاموا فيه بنقل نبض الشارع المصري من داخل وسائل المواصلات العامة التي تُعتبر مؤشرا رئيسيا للرأي العام في مصر، وليس أدلّ على ذلك من تلك المرأة الأميّة البسيطة التي كانت تخاطب سيدة مثلها قائلة: "بيقولوا إن إسرائيل عندها أسلحة (نبوية).. فردت الأخرى قائلة: "يا نهار أسود.. ربنا ياخدهم"!

جارِ الراكب!

أما إذا رجعنا للبداية فسنجد عنوان المجلة وشعارها متسقيْن مع مضمون المجلة؛ فالمجلة اسمها "أتوبيس"، شعارها "وما الدنيا إلا أتوبيس كبير"، وهو تحريف لمقولة فنان المسرح يوسف وهبي الشهيرة "وما الدنيا إلا مسرح كبير"، ويتسق هذا الشعار مع المجلة ومضمونها؛ لأن الأتوبيس في مصر -كما كتب رئيس تحرير المجلة في الافتتاحية- هو المكان الوحيد الذي تدور في جنباته أحاديث كثيرة في مجالات شتى: سياسية واقتصادية واجتماعية تتميز بالاختصار الشديد؛ لأن تلك الأحاديث تدور بين أناس غرباء يلتقون لثوانٍ معدودة، وقد لا يرون بعضهم مرة أخرى.

ويلاحظ قارئ المجلة أن كل شيء فيها له اسم مشتق من المصطلحات المستخدمة في الأتوبيس؛ فرئيس التحرير سمى نفسه بـ"سائق الأتوبيس"، أما مدير التحرير فكان اسمه "الكمساري" (محصل تذاكر الركاب)، والمحررون سموا أنفسهم "الورشة"، وقسم السياسة "في الممنوع"، والاقتصاد "تذاكر.. تذاكر" والثقافة "فجالة.. أزبكية" (مكانان اشتهرا ببيع الكتب، وهما محطتان يقف عندهما الأتوبيس)، أما قسم المجتمع فكان اسمه "زحمة"، والرياضة "فرملة"!

فسادونيا

ولعل أجمل موضوعات المجلة وأكثرها ثراء وإبداعًا.. فهو موضوع "دولة فسادونيا"؛ حيث قام محررو المجلة باستطلاع آراء مثقفي مصر حول معالم دولة "فسادونيا" التي وصفها الكاتب بأنها المعادل العكسي للدولة الفاضلة؛ حيث أكد في مقدمة الموضوع أنه بينما يبحث الفلاسفة والمصلحون عن المدينة الفاضلة، وصلت بعض المجتمعات إلى المدينة الفاسدة  وليست الفاضلة.

أما أكثر موضوعات المجلة جرأة؛ فكان عن سياسات العرب الانهزامية التي تدعو تارة للانسحاب من جامعة الدول العربية، وللدخول في اتحادات غير عربية تارة أخرى؛ حيث حللوا فيه بجرأة شديدة وبسخرية لاذعة أسباب دعوة أحد الزعماء العرب لإسرائيل للدخول في جامعة الدول العربية. كما نشرت المجلة موضوعًا متخيلا ساخرًا عن أحداث قمة عربية جرت أحداثها عام 2050م وقد انتهت بإذاعة الحكام العرب لبيان أذيع من قبل؛ لأنه لا أحد من المواطنين العرب سيلاحظ ذلك!  

مثقف X مثقف  

تخاريف انتقدت الأوضاع السياسية والثقافية بشكل ساخر 

وعن واقع المثقفين المصريين والعرب نشرت "أتوبيس" تحقيقًا هو الأكثر سخرية في المجلة، استعرضوا فيه أشهر الخلافات الفكرية بين المثقفين في تاريخ الفكر العربي منذ العصر الجاهلي وحتى الآن، وكان عنوانه "مثقف X مثقف = خناقة"، والمقصود من العنوان -كما يظهر من الموضوع- هو أن خلافات المثقفين في الرأي غالبًا ما تنقلب لمعركة كلامية أو معركة بالأيدي، مثلما حدث حينما تشاجر الشاعر "أمل دنقل" مع زميل مهنته "نجيب سرور" على أحد المقاهي، وأشبع كل منهما الآخر ضربًا مبرحًا، وهو أمر ليس جديداً على شعراء العرب كما يؤكد المحرر؛ فقد أطاح الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم" برأس خصمه "عمرو بن هند" بعد اشتداد الخلاف بينهما.. والغريب -كما يقول الكاتب- أن المثقفين دائماً ما يرفعون شعار: "الخلاف لا يفسد للود قضية"!

للسنة الثانية.. تخاريف!

وبعد سنة كاملة من فوز "أتوبيس" تأكد للطلاب أهمية الصحافة الساخرة ومكانتها؛ فاختار 11 طالبًا نفس المجال ليكون مشروعًا للتخرج، وأطلقوا على مجلتهم "تخاريف"، وقد كتبوا على الغلاف: "مجلة تخاريف.. شعارنا: ليس على الصحفي حرج". وفي الداخل نجد سعر المجلة محددا بطريقة طريفة، وذلك تبعًا للصورة الذهنية التي يعرف بها مكان التوزيع؛ فمثلا السعر في القاهرة: "طلب عرض حال دمغة"، وفي الإسكندرية: "½ كيلو سمك"، وفي الفيوم "بطة"، أما المنوفية التي عُرِف أهلها -ظلما- بالبخل فالسعر داخلها "مجانا + هدية"!

وفي افتتاحية العدد كتب رئيس تحرير المجلة يقول: "عزيزي القارئ المتهم بالجهل أحيانًا وبالتواطؤ دائمًا، والمقهور في كل الأحيان.. لا تتعجب حينما تجد بين يديك مجلتنا تخاريف في ظل هذه الأوضاع المتأزمة، خاصة وقد أخرج الظلم لنا لسانه في كل مكان فلم نجد حلا سوى أن نقبل التعامل معه بنفس الأسلوب لنرى من سيكون الأطول لسانًا"!

وعند تصفح المجلة من الداخل ستجد السخرية أكثر جرأة، تحاول مصارعة تيار من الكسل الفكري اجتاح المجتمع العربي بأَسره؛ فقد خصصت المجلة ملفًّا عن العرب، أسموه "أمجاد يا عرب أمجاد" استطلعوا في أحد موضوعاته رأي مثقفي مصر حول سؤال طريف: ماذا تفعل لو كنت رئيسًا للولايات المتحدة العربية؟!

السيكايكو!

وفي الموضوع التالي -وفي نفس الملف- والذي كان عنوانه "السيكايكو"، سألوا فيه عددًا من شباب الجامعة: ما هو "السيكايكو" الذي نجح العرب في الاتفاق عليه؟ وبالطبع لم يكن هناك شيء بهذا الاسم، وكان المقصود هو أن العرب لا يتفقون على شيء أبدًا، ولا حتى على توافه الأمور.. أما أجمل موضوعات الملف؛ فكان عنوانه "توت توت.. آخرهم بيروت"، قاموا فيه بتحليل بيانات القمم العربية الثلاث الأخيرة، فوجدوا أن كلمة "إدانة" تكررت 5 مرات، و"استياء" مرتين، و"نطالب إسرائيل بـ...." 9 مرات، و"تحية لصمود الشعب الفلسطيني" ثلاث مرات. وينتهي الموضوع بالإعلان عن عقد اجتماع طارئ لمجلس وزراء الدول العربية.. إلا أن المحرر أضاف: "على من يعرف أي وزير أن يبلغه بأن الاجتماع الطارئ سيكون بعد أسبوعين"!!

وللتحقق من حقيقة الغضب الشعبي من الممارسات الصهيونية في فلسطين العربية، قام محررو المجلة بإعداد ما يطلق عليه في الصحافة المصرية بـ"المغامرة" التي تعتمد على إخفاء الصحفي لشخصيته للتحقق من ظاهرة ما (كمخبر الشرطة)، واعتمدت المغامرة  -شديدة الجراءة- التي قام بها فريق "تخاريف" على ارتداء محرر المجلة طاقية اليهود (القلنسوة)، وقام بانتحال صفة صحفي من جريدة "معاريف" الإسرائيلية، وتجوَّل في جامعة القاهرة، وأخذ يتحدث مع الطلاب عن "الإرهاب" و"العنف" الفلسطيني ضد "الأبرياء" اليهود؛ الأمر الذي أثار غضب الطلاب لأقصى درجة، وكانت النتيجة: إنقاذ قوات الشرطة للمحرر من أيدي الطلاب، بعد أن كادوا يفتكون به فتكًا! 

حرية ما قبل التخرج

نستطيع أن نجمل بعد استعراضنا لأهم موضوعات المجلتين الفائزتين بجائزة أفضل مشروع تخرج لعامي 2001 و2002 في قسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة عدة ملاحظات، منها خلوّ المجلتين تمامًا من الصور غير اللائقة، كما أنهما قد تمتعتا بهامش كبير من الحرية؛ وهو ما يرجع لعدة أسباب، منها أن محرري المجلتين تخلصوا من الرقابة الذاتية التي فرضها بعض الصحفيين المتمرسين على أنفسهم بدون مبرر. كما أن الصحف الساخرة التي تصدر في السوق الصحفية قد لا تنشر موادَّ بهذه الجرأة؛ لأنها تتعامل مع الواقع، وفقًا لنظريتي "المصالح" و"الشد والجذب".

 عامل آخر ساهم في هذه الجرأة، وهو هامش الحرية الكبير الذي أتاحته إدارة الكلية للطلاب؛ فلم يكن هناك مقص لرقيب، ولا حذر على الخوض في أي قضية، ويثبت هذا الأمر أن مجلة سياسية أصدرها 9 طلاب نافست "أتوبيس" بضراوة قامت بعمل تحقيق جريء جدًّا عن: "مصر ما بعد مبارك" (أحد أكبر الموضوعات المسكوت عنها في مصر)؛ الأمر الذي سمح للطلاب باستغلال هامش الحرية هذا في نشر موضوعات جريئة؛ لأنهم يعلمون أنه قد لا تتاح لهم مثل هذه الحرية مرة أخرى بعد التخرج! 

مصاعب عديدة!

وقد عانى فريقَا المجلتين من عدة مصاعب، كانت تكفي لتثبيط همم القائمين عليهما؛ فقد كان على صاحب الفكرة أولاً إقناع إدارة الكلية بالسخرية مجالاً لعمل مشروع التخرج، وبعدها إقناع فريقه بالفكرة، وهي المهمة الأشد صعوبة؛ حيث إن فشل المشروع قد يكلف الطالب 10 درجات كاملة في السنة النهائية من الكلية، ولذا اتجه أغلب الطلاب للمجالات الصحفية التي رأوها أسهل وأضمن لجمع الدرجات، مثل المجالات الشبابية والفنية والاجتماعية النسائية. وبالطبع يدين فريق "تخاريف" لفريق "أتوبيس" بالفضل؛ لأنهم مهدوا لهم الطريق داخل الإدارة، وبين صفوف الطلاب، عندما فازت "أتوبيس" بالمركز الأول في العام السابق على "تخاريف"؛ حيث تكالب طلاب السنة التالية 2002 على هذا المجال؛ ليسيروا على الطريق الذي سار عليه "أتوبيس 2001"!

وبعد عملية الإقناع كان على الطلاب إعداد المجلة تحريريًّا وإخراجيًّا بأنفسهم دون مساعدة من أحد، خلال 3 أشهر فقط أثناء الدراسة التي كان التركيز فيها يحتاج وحده ضعف هذه المدة. أما الصعوبة الكبرى فقد كانت اقتصادية؛ حيث تعين على كل فريق أن يتحمل تكلفة تحرير وإخراج وطباعة المجلة دون تدخل من الكلية؛ فكان على الطلاب الاعتماد على مصروف "بابا وماما" لإخراج العمل إلى النور!  

سعادة لا توصف

وبالطبع تعجز الكلمات عن وصف لحظة إعلان إدارة الكلية فوز المجلتين بالمركز الأول.. فكم كانت سعادة فريق "أتوبيس"، حينما سمعوا النقاد يثنون على المجلة، ويطالبون الصحف الساخرة بأن تحذو حذو "أتوبيس" في مناقشة القضايا بسخرية غير مثيرة، ويطالبون الصحف القومية بضرورة ضم هؤلاء الصحفيين إلى صفوفها.. ورغم أن المجلتين قد تحدثتا عن الوضع العربي الراهن بصورة قد تثير إحباط الكثيرين؛ فإنه بنظرة تفاؤلية للأمور نستطيع القول: إن وجود جيل جديد يحلل ويعترف بأخطاء أمته، ويحاول تصحيحها، يجعلنا نتفاءل بأن الغد سيكون -بإذن الله- أكثر إشراقًا من اليوم!


صحفي مصري