"داء.. اسمه: فلسطين"
تذوقتها عبر زيتها وزعترها وزيتونها وجبنتها وكنافتها، وشممتها من صابونها وميراميتها، ورأيتها في التلفاز والصحف والمجلات والكتب والصور، وسمعتها من خلال الإذاعة والأشرطة والتسجيلات، فكانت دومًا معي منذ نشأت، وكنت دومًا معها حتى وأنا بعيدٌ عنها آلاف الأميال.
ولعل هذا الارتباط بفلسطين قد كوَّن داخلي داءً أو مرضًا اسمه "متلازمة فلسطين Palestine syndrome"، فكلما ذُكرتْ فلسطين أمامي خلقتْ داخلي جوًّا مختلفًا، وكلما غابت عن الذكر أوجدتْ في حناياي شوقًا وحنينًا وغيظًا وحنقًا.
ومع كل حدثٍ جللٍ يصيب الأمة يتوارى "مرضي" خلف ستار، وتتصدر مواطن وموضوعاتٌ أخرى نشرات الأخبار، وكاميرات التغطية والانتشار، وتبقى فلسطين أسيرة هذا التجاهل حتى ينقشع المصاب، وينتهي الحدث، فتعود لتتصدر كل الأحداث من جديد.
|
|
وفي كل الأحوال، كان هذا التجاهل الإعلامي الفرصة السانحة لآلة البطش الإسرائيلية كي تزيد من سطوتها وعنفها وتجبرها؛ إذ لا عينٌ ترى، ولا أذنٌ تسمع، رغم أنها لم تكن يومًا تأبه لقولٍ أو اعتراضٍ إلا نزرًا يسيرًا، لكنها فرصةٌ جاءت على طبقٍ من ذهب.. فلِم لا ينتهزونها؟؟
لقد شُغِل الرأي العام في كل مكانٍ هذه الأيام بأحداث العدوان الأمريكيِّ الغاشم على العراق، فمَن يعرف ماذا يحدث في فلسطين الآن؟
من سمع بالحصار المفروض على نابلس؟ من عرف بشلل الحياة في الخليل؟ ومن درى بالتوغل الإسرائيلي في رفح؟ ومن سمع برصاصات الغدر وقنابل الجبن التي توجَّه هنا وهناك في قليقيلية وسلفيت وخان يونس وعدنة وغيرها من المدن؟
كلما تصاعدت الأحداث في العراق تصاعد تشديد الخناق على أهلنا في فلسطين، وأجهزة الإعلام لا حس ولا خبر، صمُّ بكمٌ عُمْيٌ!
تريدون نبأ ذلك؟؟ هاكم بعض التفاصيل:
اليوم الأول: الخميس 20 مارس: الضفة الغربية وغزة: تشديد حالة الإغلاق المحكم المفروض من يوم الإثنين 17 مارس- قلقيلية: اعتقال قائد في "القسام"- نابلس: اعتقال 7- بيت لحم: تدمير منزل في قرية الدوحة القريبة من بيت لحم.
اليوم الثاني: الجمعة 21 مارس: قلقيلية: القبض على قيادي في حماس- الخليل: استمرار منع التجول وشلل الحياة- البيرة: الحكم على مدرِّسة.
اليوم الثالث: السبت 22 مارس: طولكرم والخليل: حصار طولكرم- قلقيلية: مواجهات وإصابات- غزة: توغل وتدمير لممتلكات فلسطينيين وتدمير مركز لقوات الأمن الفلسطيني في رفح.
اليوم الرابع: الأحد 23 مارس: جنين: اجتياح واعتقال مسئول بكتائب شهداء الأقصى واستشهاد طفل وفتى- بيت لحم: عزل - خان يونس: قصف وعشرات الجرحى.
اليوم الخامس: الإثنين 24 مارس: جنين: شهيد طفل وإصابة آخر- رفح: توغل وإصابات.
اليوم السادس: الثلاثاء 25 مارس: جنين: شهيدان طفل وفتى واستمرار حظر التجول من 3 أيام- بيت لحم: 6 شهداء منهم طفلة وناشطان من حماس- رام الله: مداهمات واعتقالات واسعة، ومحكمة إسرائيلية تصدر أحكامًا بالسجن المؤبد على 3 من فتح.
اليوم السابع: الأربعاء 26 مارس: غزة: توغل بالدبابات وإصابة 3 رجال وامرأة برصاص الاحتلال- جنين: اجتياح مقر لمنظمات إنسانية، واعتقال مسئول بحركة الجهاد الإسلامي- بيت حانون: اجتياح و15 شهيدًا.
اليوم الثامن: الخميس 27 مارس: غزة: مروحية تطلق نيرانًا فتقتل ضابطين فلسطينيين وهدم مسجد في خان يونس وإصابة 4 بينهم امرأة- طولكرم: اجتياح واستشهاد شاب وإصابة آخرين.
اليوم التاسع: الجمعة 28 مارس: خان يونس: توغل ونسف منزل وإصابة 6- القدس: منع من هم دون الأربعين من الصلاة في المسجد الأقصى- بيت لحم: حصار مشدد- بيت ساحور: إقامة الحواجز ومنع المواطنين من الحركة.
اليوم العاشر: السبت 29 مارس: نابلس: إطلاق نار واستشهاد شاب عمره 17 عامًا- رفح: فتح نيران الأسلحة الرشاشة بشكل عشوائي باتجاه منازل المواطنين؛ وهو ما أدى إلى إصابة العديد منهم.
اليوم الحادي عشر: الأحد 30 مارس: نابلس: استشهاد فتى وإصابة آخرين- رفح: إصابة ثلاثة- الخليل: هدم منزلين وحظيرة أغنام.
هذا غيضٌ من فيض الأحداث، وغيرها كثيرٌ لم أذكره، ووسائل الإعلام لا تلقي ضوءًا كافيًا على الأحداث، الأخبار الوحيدة التي أوردتها سائل الإعلام في هذه الأثناء عن فلسطين هي أخبار اعتراض الفلسطينيين على العدوان الأمريكي البريطاني على العراق، عبر التظاهرات والمسيرات التي شارك فيها الآلاف، واستمرت بشكلٍ يوميٍّ قبل بداية العدوان الأمريكي حتى اليوم، وهذا هو الأمر الأعجب في أهلنا هناك، فهم متفاعلون مع قضايانا وكأن لا شيء عندهم! إيجابيون مع أحداث أمتهم وكأنهم يعيشون رغد العيش!! يألمون لألمنا، يعترضون على ما يصيبنا، يملئون الدنيا غضبًا وثورةً حين يمسُّ أحدٌ طرفنا، يكونون هم معنا بدل أن نكون نحن معهم!! أليسوا قومًا يستحقون أن نمرض بهم؟
هناك اكتشافٌ اسمه "فلسطين" يا قوم.. هناك اكتشافٌ اسمه فلسطين يا إعلام.. اكتشافٌ قديمٌ، بقضيته ومكانته وظروفه وأحداثه وحاجته، وبرجولته وبطولته وفدائه وبذله، وقد علمتنا الأيام أن عودته لنا عودةٌ لعزتنا وأمجادنا ومفاخرنا، فهلا كان له من الاهتمام جانبٌ، وهلا أبقيناه في دائرة الضوء، إذ يكفي أهله ما عانوه طوال هذه السنين الطوال؟
أعلم أنني أسير عكس التيار، وأدرك أن هناك من سيقول لي إن كل بلاد المسلمين واحدة، وأنا معه، لكن ماذا أفعل؟ ألم أقل إنه داءٌ أصبتُ به منذ صغري؟؟ داءٌ أسأل الله تعالى ألا أبرأ منه ما حييت!!




















