الأفارقة والسلام.. هل يلتقيان؟ رؤية ثقافية
"السلام يحمل وعودا لا حصر لها".. هذا مثل شعبي شائع لدى قبائل "الولوف" التي تنتشر في السنغال وجامبيا، ويشيع بمعان أخرى في بلاد وقبائل أفريقية كثيرة، وهو -إلى حد كبير- يصلح مفتاحا للإجابة على السؤال الإشكالي: السلام والأفارقة.. هل يلتقيان؟.
أما إذا أردت الإجابة على السؤال فدع عنك رصد الحال السياسي في القارة البائسة، وابحث عنه في الموروث الثقافي الأفريقي الذي يؤكد عكس الشائع ويكشف عن وجود مفاهيم ومعان عميقة في دلالتها على مكانة ومركزية السلام في الثقافة الأفريقية، حتى صار أقرب إلى هاجس قومي للأفارقة، فهو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاجتماعية في المجتمعات الأفريقية، وله وضع مرموق وحيز بارز في وجدان الأفارقة على اختلاف لغاتهم ودياناتهم.
نشدان السلام هاجس قومي
يمثل العيش في سلام وفي واحة بحبوحة من الرخاء أملا يتطلع إليه الأفارقة، لا سيما أن قارتهم تعرضت لتقلبات واضطرابات لفترات طويلة؛ وهو ما جعل مفهوم السلام يترك بصماته على أدق تفاصيل في الحياة العامة.
في العرف الثقافي النيجيري عند قبائل "اليوروبا" نلاحظ أنه عندما يتقابل شخصان يحيي أحدهما الآخر بقوله:
هل أنت بخير؟
فيرد الآخر: لا شيء إلا السلام.
وهذا يوضح مدى اقتناعهم بأهمية دور الانسجام والاتفاق بين الأفراد مهما كانت نقطة البداية الفلسفية أو الدينية أو الأخلاقية.
والصلوات والأدعية التي يتلوها ويكررها الأفارقة بلغات محلية، هي الأخرى تؤكد نفس المعنى، وتؤكد الفكرة المتطلعة والمفعمة بالأمل في السلام والأمان.
وهذه كلمات أغنية تقليدية من "غينيا" تقول:
اجعل السلام يسود العالم
ولا تجعل الأبنية تسقط
اجعل الحيوانات تعيش في وئام
ولتقتلع كل كلمة سيئة
أو فكرة غير لائقة
وتلقي بها بعيدا في أعماق الغابة البكر.
وتقول كلمات النشيد الوطني في "نيجيريا":
يا ألله، يا خالق الكون
ألهم قادتنا الصواب في كل قرار يتخذونه
وساعد شبابنا في الاهتداء إلى الحقيقة
بكل الحب والأمانة
نعمل ونعيش لبناء أمة
يسودها السلام والعدالة.
وفي بعض الأعراف الثقافية في المجتمعات الأفريقية نجد أن "السلام" مرادف للتسامح، كما هو الحال في ثقافة قبائل "الهوسا" التي ترى أن مفهوم السلام واسع وشامل لكل ما هو خير.
وعلى هذا الأساس ساد مبدأ رفض الشك في الآخرين ورفض الأفكار المتحيزة في التعامل مع الجديد أو المجهول أو مع كل ما هو غير عادي.
التسامح.. شواهد وبراهين
وتذخر أدبيات التراث العلمي الأفريقي في هذا المجال بالعديد من الشواهد والبراهين التي تؤكد هذا التوجه لدى الشعوب الأفريقية، وقد أرجع باحثون وكتاب كثيرون سبب نجاح الرحالة الأجانب -الذين قدموا إلى القارة الأفريقية- إلى التفاعل الإيجابي الذي لقوه من شعوب المنطقة، والذي تجسد في الروح السمحة ورفض الشك في الآخرين والبعد عن الأفكار المتحيزة في التعامل مع الجديد، حيث يرون أنه لولا إيمانهم الراسخ بأن الالتحام في الجوهر الإنساني هو الذي يخلق روابط حقيقية، لولا ذلك ما كانوا يستطيعون أن يقدموا تلك الأعمال الأدبية في أسفار ومجلدات عن أفريقيا وشعوبها.
ويشير الكاتب الأفريقي والعالم الاجتماعي الكاميروني “أبياديرتيام" في كتابه "العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الأفريقية" إلى أن هذا التوجه هو موقف أفريقيا منذ قديم، بل منذ فجر التاريخ، وهو الذي جعلها تفتح أبوابها للعالم الخارجي. فمنذ حملة الملكة المصرية حتشبسوت على بلاد "بونت" في السنوات بين 1493 و1490 قبل الميلاد وحتى مرحلة القرن التاسع عشر توجد أدلة كثيرة على الروح الأفريقية للتسامح والكرم".
وبمعنى أكثر وضوحا، فإن تلك الأدبيات تقول: إنه لم يكن باستطاعة حبيب بن عبيدة والفزاري أن يجمعا ملاحظاتهما ويدونا يومياتهما عن مملكة غانا إلا بفضل المناخ السلمي السائد في المنطقة، كما أن ابن حوقل لم يصادف عقبة من الشعوب الأفريقية خلال زيارته للأراضي الواقعة جنوب الصحراء، وبهذا السلام والتفاعل الإيجابي استطاع البكري والإدريسي وياقوت بن سعيد والعمري فيما بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر أن يقدموا توصيفا دقيقا قيما للممالك الواقعة في الحزام السوداني من السنغال إلى النيل، كما أن تلك الروح السمحة لدى الأفارقة سهلت الكثير من الصعاب أمام ابن بطوطة في أن يزور مالي، واستطاع "ليو" أن يزور تمبكتو الأفريقية.
ولم تكن سمة التفاعل الإيجابي مع الرحالين العرب فحسب، بل كانت نفس الظاهرة سائدة متواصلة مع الرحالة الغربيين، ويوميات غوميزانيس زورارا عن غينيا، وكتابات ديوغو غوميز وديوارت باتشيكو بيريرا وغواو دي باروس عن رحلاتهم، كلها تشهد على سعة أفق الشعوب الأفريقية من ناحية، وتشهد على إنسانيتها من ناحية أخرى. ورغم بعض المغالطات والإجحاف الذي تحمله بعض الكتابات الغربية، فإن هناك زوارا غربيين آخرين من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر شهد يراع أقلامهم بالتسامح المتناهي لدى الشعوب الأفريقية، وهو التسامح الذي يتجاوز اللون واللغة والدين والعرق والأصل الاجتماعي.
مرتكزات السلام
ويؤكد المؤرخ الأفريقي الشهير وأحد دعاة إنقاذ الحضارة الأفريقية من السطو الغربي الشيخ أنتاديوب (من السنغال) أن فكر التسامح والتعايش السلمي يرتكز على البعد الإنساني في التراث الأفريقي بشكل عام، ويستشهد على ذلك بقضية انتخاب الملك في المجتمعات الأفريقية قديما قبل مجيء الاستعمار الأوربي للقارة الأفريقية، ومثّل بمنطقة كابور في السنغال؛ حيث يعد انتخاب الملك فيها عنصرا لا بد منه في تشكيل ما يسمى بـ"المجلس الحاكم"، وكانت كل الفئات الاجتماعية التي تتكون منها الأمة تمثل في تلك المؤسسة لضمان استقرار ووئام دائمين بين المواطنين، عن طريق ما يتيحه من فرص في تشجيع المشاركة والعلاقات الاجتماعية الودية في جو من التسامح والاحترام المتبادل.
ويرى الشيخ أنتاديوب أنه بالرغم من أن الشخص الذي يرأس المجلس الحاكم كان يتم اختياره من الفئة الأرستقراطية في الغالب، فإن بعض أعضاء المجلس وحكام المقاطعات المهمة الأخرى كان العرف التقليدي الاجتماعي يشترط أن يكونوا من صفوف الشعب، بينما كان رئيس المجلس (الملك) يقوم بأداء دور من يمثل خدم البيوت والمنازل.
وقد كانت هذه الروح مرتكزا أساسيا للواقع الاجتماعي في القارة الأفريقية، وسادت بها ما يمكن تسميته بـ"الديمقراطية التلقائية" في أجواء من الحرية والعدالة، حتى أتت تجارة العبيد والغزو الاستعماري وكل ما جلب من مضاعفات وتداعيات خطيرة وسلبية على شعوب القارة، كل ذلك خلق حالة مرضية من العنف، وأفسد العادات الاجتماعية وطرق الحياة العامة التي فقدت بها بعض القوميات أهم ملامح ومرتكزات الهوية القومية.
التسامح النموذجي مع الغريب
ولعل ما يفسر تلك النظرية أننا إذا نظرنا إلى الطريقة التي يعامل بها بعض الشعوب الأفريقية الأجانب والغرباء نجدها طريقة فريدة، تتسم بأنها في منتهى النموذجية؛ حيث يتم الترحيب بهم بكل معاني الترحيب، ومن ثم معاملتهم بطيبة وكرم، بغض النظر عن اللغة التي يتكلمون بها أو جنسياتهم أو سنهم أو ديانتهم؛ لأنهم أولا وأخيرا آدميون.
ونجد تطبيقات واقعية لهذا الفكر النموذجي لأبعاد ومعاني السلام والتسامح لدى قبائل "الولوف" بالسنغال، حيث نرى تصرفا قد يكون غريبا بعض الشيء؛ إذ قد يتنازل رب الأسرة عن بيته وفراشه أو فراش زوجاته وأولاده للأجنبي بدون أن يولي اهتماما بنفسه؛ حرصا منه على أن يعيش الغريب في سلام ووئام مع الأهالي ولينصهر في قالب المجتمع.
وتحتم المنظومة والأعراف التقليدية في بعض مجتمعات "اليساري" أنه ينبغي على رئيس القبيلة أن يسعى نحو ترغيب الضيف النزيل من البلدان والقبائل المجاورة على الارتباط بهم عن طريق المصاهرة، على أمل أن تكون نتيجة تلك العلاقة طفلا يدعم عملية التواصل والتفاهم ويقوي عرى المجتمع.
بهذا المنطلق وتلك المقاربة قطع الأفارقة على المستويين الفكري التنظيري والعملي التطبيقي أشواطا كبيرة في سبيل احتواء الاختلافات بين الشعوب، فبدلا من أن تكون الحواجز الموجودة حدودا فاصلة بين البشر اختزلوها للحد الذي تفقد فيه معانيها الحادة أو اعتبارها سببا للفرقة والتشتت حيث أصبحت غير ضارة؛ لأن البناء تم على دعائم وأسس السلام والتسامح والاحترام، والخامات المستخدمة فيه تتكون من آلية ثقافية شعبية؛ وهو ما جعل البناء شامخا وراسخا، واستحق الأفارقة بحق أن يوصفوا بأوائل من وحّد الشعوب وقرب المسافات بين الثقافات المختلفة، على خلاف ما عملته ولا تزال تعمله الثقافة الإمبريالية الغربية المعاصرة التي تستهدف قولبة الشعوب وعولمة الثقافات في قالب أمريكي بالقوة والقهر.





















