مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

مولد "سيدي" 11 سبتمبر!

الأمريكيون أبطال.. في لعب الأطفال!!

ماجد حبته / 11-09-2003

لعبة حرب أمريكية.. افتراضية!
خيال كتّاب السيناريو الأمريكيين، توقع كوارث أكثر بشاعة مما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر، واستطاع أن يرد عليها بعنف وأن يجهض كل ما يمس أمن أمريكا في مهده حتى ولو كان آتيا من كائنات فضائية، أو من منقلبين من الداخل مهما كانت خبراتهم، ومهما كان مستوى احترافهم وبراعتهم. لكن الفأس التي وقعت في الرأس الأمريكية، جاءت من حيث لم تتوقع هوليود، وإن كان هناك من توقعها بالضبط في رواية لم يلتفت إليها سينمائي واحد، ونقصد رواية "بناء على أوامر الرئيس" لـ توماس كلانسي، التي صدرت عام ‏1995‏ وتنبأت بنجاح إرهابيين في اختطاف طائرات مدنية من طراز بوينج ‏707‏ واستخدامها في عمليات تخريبية، بينها شن هجوم على مبنى البنتاجون!!

هكذا، عجز خيال كتاب هوليود عن اللحاق بالواقع، وعبثًا حاول "رامبو" أن يفعل شيئًا، فلم يستطع الخروج من الشاشة، لا أثناء الأحداث ولا حتى بعدها!!

هوليود باختصار غرقت في محيط من العجز، وربما اتخذت من جملة وردت في رواية "يوم الحرب" الصادرة عام ١٩٨٣ شعارًا لها، وهي الجملة التي تأتي على لسان أحد الناجين من تدمير نيويورك بقنبلة نووية، ويقول فيها: "لو تنبه الأمريكيون إلى ما كان يقدمه الأدباء والفنانون لمثل هذا الحادث لما وقعت هذه الكارثة".

اكتفت هوليود بالصمت، واكتفى كتابها وخبراؤها بتقديم خبراتهم للعسكريين، ليحمل خبراء لعب الأطفال على عاتقهم عبء امتصاص الصدمة خاصة ممن صدقوا كذبة هوليود الكبرى!!

أطفال ينقذون مركز التجارة!

خبراء لعب الأطفال سخروا كل جهدهم وخبرتهم، وأبدعوا في وضع الخطط التي يستطيع الأطفال (أو الكبار!) من خلالها أن يهزموا هؤلاء الذين دمروا مركز التجارة العالمي، وكادوا يفتكون بالبنتاجون، وأن يلقوا القبض على بن لادن!!

إنها لعبة سهلة للغاية، متاهات ومطبات هوائية، وصواريخ قادمة من أماكن يسهل توقعها، كل تلك الأهوال تمر بها الطائرة التي يستقلها بطل اللعبة الطيب حتى يصل إلى مكان ترك فيه الإرهابيون خريطة تحتوي على الطرق التي سيسلكونها للوصول إلى هدفهم.

ويحصل البطل السوبرمان على الخريطة التي توضح كل شيء، والتي من خلالها يستطيع اللاعب أن يصل إلى برجي مركز التجارة قبل أن تصل إليهما طائرات الأعداء، لتبدأ المعركة التي استعد لها بطل اللعبة بشراء الدروع والدانات والقنابل والصواريخ والذخيرة، من أماكن في الطريق حددتها الخريطة، وتحميها طائرات معادية، كلما أجهز اللاعب على واحد منها ازدادت قوته، وازدادت قوة نيرانه، وبعد أن يجهز على كل طائرات الحراسة، يستطيع الهبوط، للتعامل بمسدسه مع من يحرسون مخازن الذخيرة، والمسدس يحتوي على رصاصات بضعف عدد الحراس. وبعد مناورات تساعده فيها الخريطة التي تحدد أماكن اختباء الحراس، يستطيع البطل أن يصل إلى مخازن السلاح ليأخذ منها كل ما يريد!

بين الأسلحة، ما يجعل طائرة البطل مختفية عن أعين الإرهابيين وبينها ما يجعلها تصطدم بأي شيء دون أن تصاب بأذى، ومع البطل ما يمكنه من تحصين المباني بدروع لا تستطيع الطائرات أو الصواريخ اختراقها، وكل ذلك يجري استخدامه في المعركة التي لا تنتهي فقط بإنقاذ البرجين، بل وبنجاح البطل في ضرب خزانات الطائرات المدنية، وإجبارها على الهبوط الاضطراري، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من اللعبة، التي يتخفى فيها البطل ويقتحم الطائرات، واحدة تلو الأخرى فيقضي على مختطفيها، ويحرر المدنيين المختطفين بها، وهنا تنتهي اللعبة بحصول البطل على نيشان، على خلفية من موسيقى السلام الوطني الأمريكي!!

والجنود أيضا يلعبون!

هذه اللعبة نموذج لألعاب كثيرة انتشرت في الآونة الأخيرة بين الأطفال الأمريكيين، وقد يبدو ذلك منطقيا، أو رد فعل طبيعيا نصح به علماء نفس وخبراء سلوكيون حتى لا يخرج إلى الحياة أطفال معقدون نتيجة ما شاهدوه أو ما سمعوه عما لحق بالولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر. لكن غير الطبيعي، والذي يصلح كنكتة تضاف إلى النكات الأمريكية الشهيرة، هو استعانة الجيش الأمريكي، عبر معهد التكنولوجيا الإبداعية، بـ"بل جيتس" شخصيا، ليبتكر لهم ألعاب كمبيوتر تساعد في تدريب الجنود الأمريكيين!!

هذا ما حدث، وبالطبع نجح جيتس في المهمة الموكلة إليه، واستطاع -طبقا لما ورد في الموقع الرسمي لمايكروسوفت- ابتكار لعبة تضع الجنود في أجواء حرب افتراضية وتمكنهم من القتال كما لو كانوا في ميدان المعركة، وهي اللعبة التي عرضها معهد التكنولوجيا الإبداعية وثيق الصلة بالقوات المسلحة الأمريكية.

اللعبة التي ساهمت في ابتكارها جامعة سذرن كاليفورنيا وشركات سينمائية في هوليود، هي واحدة من الألعاب التي تعتمد على التكنولوجيا التفاعلية، حيث صممت من أجل تدريب الجنود الأمريكيين وقادة الفصائل على أهوال الحرب دون أن يغادروا قاعات الدرس، وقد بدأت تلك الألعاب في الظهور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقبيل ذهاب الجنود الأمريكيين إلى أفغانستان. وهناك سلسلة من عدة سيناريوهات تعرض على شاشة سينما عملاقة مزودة بإمكانات صوتية تحاكي أجواء حرب شرسة أو كوارث طبيعية وعمليات "حفظ سلام".

وعلى الموقع قال واضعو تصميمات اللعبة الجديدة بأنها أصبحت ضرورية الآن من أجل تدريب الجنود سريعا على الحرب.

مهم هنا أن نشير إلى أن معهد التكنولوجيا الإبداعية تأسس في لوس أنجلوس عام 1999 بمنحة قدرها 45 مليون دولار من الجيش كمشروع شراكة بين المؤسسات العلمية ومنتجي ألعاب الفيديو ومبدعي هوليود لتصميم "واقع افتراضي" متقدم وأنظمة محاكاة لتدريب القوات المسلحة.

وما تلك الألعاب أو برامج التدريب المتاحة الآن إلا ثمرة مباشرة لجلسات النقاش السرية بين كتاب ومخرجي هوليود، وبين العسكريين وخبراء الألعاب.

وقد استعان المعهد في أواخر سبتمبر 2001  بالعديد من كتاب الأفلام والمخرجين لوضع سيناريوهات لطبيعة الهجمات التي قد تتعرض لها الولايات المتحدة من أعداء محتملين.

وتعليقا على ذلك قال جيمس كوريس مدير المعهد: "ما لم أتوقعه عندما بدأنا الأمر هو كيف ستكون هذه الألعاب مواكبة تماما للتطورات في ضوء الهجمات".

أما عن اللعبة فقال وليام سوارتوت مدير التكنولوجيا في المعهد: "إن التدريب بهذه الطريقة أصبح مسألة ضرورية بعد 11 سبتمبر؛ لأننا احتجنا وقتها إلى تجهيز الجنود بسرعة، ولم يكن في استطاعتنا أن نهيئ لهم أجواء حرب كتلك التي سيجدونها في ميادين القتال".

وأضاف: "إن الجنود يتعاملون مع دول أجنبية، ويتعين عليهم أن يتعلموا بسرعة، وأن يتفهموا الاختلافات بين ثقافتهم والثقافة المحلية لتلك البلاد: ما هي المحرمات هناك؟ وما هي الأزمات التي قد يتعرضون لها، وهذه التدريبات لا يمكن إجراؤها على أرض الواقع، كما أنها ليست واردة في دليل التدريبات".

النصر على  الأعداء.. "الديجيتال"!

ونعود للعبة الجديدة، ففيها يعيش اللاعبون أجواء الحرب تمامًا بمساعدة مؤثرات إضاءة وصوت بالغي الدقة، ويتدرب الجنود على النقاش والتفاعل مع بشر مفترضين على شاشات عملاقة، وهؤلاء البشر يعرفون الإستراتيجية العسكرية ويظهرون مشاعرهم ويتعاملون مع نماذج من الأفكار المعقدة ويتخاطبون بطرق غير متوقعة في بعض الأحيان.

اللعبة يمكن تعديلها، لتقديم عدة مشكلات للاعب بحيث تمكنه من اختيار التعامل مع أي منها، ففي سيناريو البلقان -على سبيل المثال- يمكن للاعب الضغط على الفأرة لتعديل مستوى الاستعداد الدفاعي المطلوب إذا ما كان في مواجهة ملازم مستكين، بحيث تظهر مجموعة من الظروف المحتملة المختلفة. هذا بديل، أما إذا أراد المتدرب أن يغيره، فيمكنه أن يجعل الملازم يتخلى عن سلوك الاستكانة ليظهر كمتغطرس عدواني ويصيح وهو يكشر عن أنيابه: "إنهم ينطلقون باتجاهنا، وسائقنا لا يراهم".

وبضغطة على الماوس يقفز الجندي عبر شاشة ضخمة إلى مقعد في مركبة ثقيلة تزمجر في طرق وعرة غائمة بقرية في البلقان حيث وقعت حادثة، وفي عرض الطريق يرقد طفل صغير في حالة خطرة، وقد أخذ أهالي القرية الغاضبون يحملقون فيه عند تقاطع طرق، في حين تحوم مروحيات في المنطقة... وهكذا تعطي اللعبة المتدرب فرصة للتعامل مع الأهالي المحليين بما في ذلك والدة الطفل الافتراضي الجريح التي جثت على ركبتيها وأخذ جسدها يرتجف بصورة هستيرية.

وتنظر شخصية افتراضية تحاكي ملازما في الجيش الأمريكي وهو يحس بالذنب، ثم يبدأ النقاش بشأن كيفية التصرف إذا كنت لاعبا وتقول، باعتبارك الجندي الافتراضي: "سيدي يتعين علينا تأمين منطقة التجمع".

القبض على بن لادن!

ومرة أخرى مع ألعاب الأطفال التي تفنن خبراؤها ومصمموها في ابتكار طرق يتمكن بها البطل الأمريكي الخارق من تحقيق كل المستحيلات؛ ففي لعبة نجد مطاردة بن لادن تكتسب صيغة طرائفية، ونراه يحاول الاختباء في الرمال مرة وتحت بلاط الغرف مرة، بينما يقوم البطل الباحث عنه بتوقع أماكن اختفائه والأماكن التي يخبئ فيها أسلحته ليحصل على الأسلحة بالتدريج ويدمر بها الأماكن التي يتوقع اختباء بن لادن بها حتى تنهار كل السواتر ويبقى البطل وجهًا لوجه مع بن لادن الأعزل، وطبعًا يتمكن من أسره وحبسه في القفص ليحصل اللاعب على مكافأته. وهي عبارة عن موسيقى تقترب إلى حد بعيد من السلام المربع المعروف في الأفراح الشعبية المصرية.

التربية على الطريقة الأمريكية!

بهذا الشكل، تصبح الفترة التي يقضيها المجند في الجيش امتدادًا لحياته الطبيعية التي اعتاد فيها -كعادة غالبية الأطفال الأمريكيين- أن يجلس لساعات طويلة أمام شاشة الكمبيوتر ليقاتل بن لادن في لعبة، ويهزم صدام حسين في أخرى، وفي كل الأحوال يكون قد خلّص العالم من الأشرار الذين صورتهم له "الميديا" الأمريكية، ويكون مستعدًا للتصويت لصالح المشروعات الإستراتيجية الأمريكية التي تغرسها في أدمغة الأطفال صغارًا، وتستمر بدعمهم لها فيما بعد، وتمولها من الضرائب التي يدفعونها عندما يكبرون.


  صحفي مصري