كيف بدا العرب في مناهج التعليم الإسرائيلية؟
هذا ليس كلامًا مرسلاً أو انطباعيًّا، بل هو نتائج دراسة علمية رصينة قام على إعدادها مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية عمّان بغرض "بحث التوجيه التربوي الصهيوني ومناهج التعليم بشكل عام في إسرائيل منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى قيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين"، وصدرت عن المركز في الأول من إبريل 2004.
وكانت النتيجة النهائية التي توصلت لها هي أن السياسة التربوية الإسرائيلية تقوم أساسًا على مرتكزات دينية خاصة تدعو إلى ربط الإنسان اليهودي بأرض فلسطين باعتبارها أرض الشعب المختار، ومن ثَم فلم يكن ارتباط اليهودي بالأرض الفلسطينية ماديًّا، بل من صميم العقيدة اليهودية، وهو ما تسبب بإخراج جيل متعصب يشعر بالفوقية على باقي الشعب ومتشبث بالأرض.
مراحل ثلاثة للتعليم اليهودي
وتميز الدراسة بين ثلاث مراحل مر بها التعليم اليهودي:
المرحلة الأولى: بدأت من 1881 – 1918، ويستند التعليم في هذه المرحلة بشكل مباشر على الأمور الدينية معتمدًا على التناخ والتلمود. وقد ظهر في هذه المرحلة العديد من الفلاسفة اليهود الذين طرحوا العديد من الآراء الفلسفية حول ماهية الدولة ونظم الحياة فيها، وكيف يجب على اليهود أن يؤسسوا دولة يهودية، ومن أشهرهم موشيه هس وليو بنسكر ورائد الصهيونية ومؤسسها ثيودور هرتزل. وعندما تأسست الحركة الصهيونية عام 1897 تبنت العديد من الآراء الفلسفية اليهودية المستندة إلى التوراة والتعاليم الدينية الأخرى بجمع يهود العالم حولها.
المرحلة الثانية: وهي التي بدأت من عام 1948 حتى قيام الدولة الصهيونية، حيث صدر قانون التعليم العام عام 1949، وفي عام 1953 صدر قانون إلزامية التعليم، وحاولت الدولة بناء مؤسسات تعليمية تقوم على أساس المبادئ الصهيونية لخلق مجتمع يهودي يدين بالولاء للصهيونية العلمانية، ويرتبط بشكل كبير بالأرض؛ لذا أنشئت المدارس العلمية والدينية لتخريج الطلاب المتشبعين بالأفكار الصهيونية. وكانت السلطات البريطانية قد مهدت كل السبل إبان فترة الانتداب (1926 - 1947) لصالح اليهود من أجل زيادة عدد المهاجرين، وتشديد قبضة اليهود على الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فلسطين؛ لذلك كان تعيين أول مندوب سامٍ بريطاني في فلسطين يهوديًّا هو هربرت صموئيل. وقامت التنظيمات الصهيونية بتشكيل العصابات العسكرية استعدادًا لمرحلة إنهاء الانتداب البريطاني وتحقيق وعد بلفور حسب صك الانتداب الأممي.
المرحلة الثالثة: بدأت هذه المرحلة من التعليم الإسرائيلي عندما تم توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، ومن ثَم اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، ويلاحظ أن المفاهيم الأساسية في العملية التربوية الصهيونية لم تتغير أبدًا، فوصف العرب بأنهم متخلفون وجبناء ومحتلون لأرض إسرائيل ما زال هو الوصف السائد مع التأكيد المستمر على أن الأردن هو جزء من أرض إسرائيل. وبقي وصف القادة العرب والمسلمين على ما هو دون تبديل، فهم يهينون الخلفاء، فخلفاء بني العباس في نظرهم كانوا يحبون الشرب وحفلات المجون، وهناك العديد من الأوصاف التي لم يتورع كتاب اليهود بأن يصفوا الخلفاء العرب والمسلمين بها حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يسلم منهم.
أسس التعليم الصهيوني
وتؤكد الدراسة أن قانون التعليم الإسرائيلي وضع على أساس قيم الثقافة اليهودية، وتحصيل العلوم ومحبة الوطن والولاء لدولة إسرائيل والشعب اليهودي والتدرب على العمل الزراعي والحرفي وتحقيق مبادئ الريادة. ويلاحظ القارئ لكتب الأديان الإسرائيلية أن اليهودي ينظر إلى الأغيار وخاصة العرب نظرة استعلائية نحو جنس بشري بدائي متخلف حضاريًّا؛ لذا لا بد من تسخيره لتحقيق الرقي والتقدم له. والقيام بتهويد الأرض بوصفها أرضًا منحت له بموجب صك الرب لشعبه المختار.
لذا فقد حمل الأدب العبري في طياته الكثير من التحريض على الاحتلال والاستيطان والترحيل للعرب. ولقد انتقل الأدب العبري من أدب التجنيد والتحريض في ظل الانتداب ونشوء المنظمات الصهيونية وأدب الكارثة والبطولة في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى أدب الحروب منذ عام 1948، وحرب الأيام الستة، وحرب الغفران 1973، وكان من أبرز الأعمال الأدبية التي ظهرت في تلك الفترة مقص الصواريخ 612، وبداية الصيف لعام 1970، أما أدب الثمانينيات فقد عبّر عن ردود الفعل الإسرائيلية على الحروب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 1982. وقد خضعت نظرة الأدب العبري للشخصية العربية لحالات زمنية تربط بزعيم، أو بواقعة عسكرية أو موقف عدائي عنصري يتصف بالعرقية، ويرى الأدب العبري أن الشخصية العربية تتصف بالانفعال والعدوانية وحب القتال والحرب، وتعزو ذلك إلى الإسلام الذي يرفع المسلم وينادي برفعة المسلمين وتمييزهم.
كما لم تتغير صورة الإنسان العربي في أدبيات الأطفال اليهود منذ تأسيس الدولة، فالنظرة تجاه الإنسان العربي بقيت عدائية، ولم تحل محلها أية نظرة احترام أو محبة، وتدعو هذه الكتب إلى إعادة العرب إلى الصحراء وإحلال اليهود مكانهم؛ لأن هذه أراضي اليهود، وتصور العربي بأنه شجرة بلا جذور يمكن اقتلاعها في أي وقت ومتى تشاء، وصدرت العديد من القصص والكتب التي تؤكد على مثل هذه النظرة وتحاول مسح دماغ الأطفال ووضع صورة كريهة للعربي في عقل الطالب، ثم جاءت مرحلة اتفاقية السلام التي عمقت -على غير المنتظر- الحقد والكراهية في المجتمع الإسرائيلي ولم تسهم في اقتلاعه كما يشاع، فقد انتقل الأدب العبري الطفولي إلى مرحلة جديدة بعد توقيع اتفاقية السلام المصرية، فأخذ يصف العربي بأنه يمارس تجارة حسية تنتهي عند التهريب والجاسوسية وخطف الطائرات والعمالة للدول الأجنبية، ويتضح ذلك بشكل جلي لدى المؤلف يهوشوع بيير في قصته ورقة فوق الوادي.
وبعد اتفاقيات السلام العربية - الإسرائيلية أخذت تظهر كتب عديدة تدخل تحت إطار التثقيف التربوي والتاريخي للصهيوني، ومنها الكتب المتعلقة بالآثار والتوثيق، فالقارئ لهذه الكتب، يلاحظ أنه لا توجد بقعة في هذه المنطقة العربية في الشام ومصر والحجاز والعراق، إلا وكان لليهود فيها أثر، وأن كل الحضارات التي مرت على هذه المنطقة كان لليهود دور فاعل فيها، ومن الأمثلة على ذلك كتاب مواقع وآثار في الأردن الذي يبحث في المواقع والأماكن الأثرية في الأردن التي يعتبرها الكتاب جزءاً من أرض إسرائيل.
القدس في المناهج الصهيونية
وقد كان لمدينة القدس نصيب واهتمام خاص من قبل المؤلفين الصهاينة لما تمثله هذه المدينة من أهمية، بوصفها المدينة المقدسة، وأن فيها الهيكل المقدس؛ لذا فقد ارتكزت السياسة التربوية الصهيونية تجاه المدينة المقدسة على الأمور التالية:
1 - التنكر للوجود التاريخي الإسلامي في المدينة المقدسة، واعتبارها مدينة يهودية يقترن وجودها التاريخي بالمؤسسات والمعابد والهياكل اليهودية.
2 - اعتبار المساجد والكنائس أماكن أثرية أبدية يهودية تم بناؤها على أنقاض المعابد اليهودية.
3 - تمثل القدس رمز الاستعلاء اليهودي والتفوق؛ لأنها مجتمع الصفوة اليهودية من حلول الأنبياء.
4 - اعتبار الفتح العربي للقدس احتلالاً طال أمده وانتهى بقيام إسرائيل.
5 - يعتبر احتلال القدس من قبل اليهود نعمة على أهلها؛ لأنها شهدت في عهد الاحتلال سائر أنواع التقدم.
6 - اعتبار العرب والمسلمين في القدس مجرد طوائف وأقلية غير أصلية.
الكتب المقررة تكرّس هذه التوجهات وبدراسة مفصلة للعديد من الكتب التي تدرس للطلاب اليهود في المدارس العامة تتضح انعكاسات كل هذه التوجهات العدائية والدعوات، وتحمل سلسلة المجموعة الرائعة عن الأرض الطيبة التي صدرت عن وزارة المعارف عام 1986 وهي مخصصة للمدارس اليهودية الدينية مختارات من التوجيهات الدينية والشعر والقصة اليهودية، وقد ورد عنوان في هذه السلسلة تحت اسم "لمن تخص وتنتمي أرض إسرائيل" والتي يؤكد فيها المؤلف على أن أرض إسرائيل هي لليهود، ولكن جاءت شعوب أخرى كالإسماعيلية (العرب) واحتلوها لفترة طويلة كانت فيها هذه المنطقة خرابًا ودمارًا، وكان العرب قليلين جدًّا، ويؤكد الكتاب في هذه السلسلة على جمال الطبيعة، وأن هذه أرض السمن والعسل التي منحت من قبل الرب لـ"شعب الله المختار".
وكتاب الجولان والجليل بأقسامه، والكرمل وشمال البلاد حيث يعتبر المؤلف الجولان جزءاً من أرض إسرائيل ويبحث في مناطق وطرق الجولان وقطاع غزة، ويورد نماذج صور للقرى العربية في منطقة القدس إلى جانبها نماذج للمباني اليهودية من أجل الإيحاء للقارئ مدى التطور الذي حصل بسبب قدوم اليهود. وتحاول الكتب اليهودية التربوية دمج التاريخ بالجغرافيا من أجل ترسيخ المفاهيم الصهيونية وهو أفضل ما يقدم للناشئة، حيث تم حث الطلاب على القيام برحلات علمية لترسيخ مثل هذه المفاهيم.
ويحاول الكتاب التركيز على ما يسمى العداء للسامية، وأن اليهود قد تعرضوا لهذا الأمر من خلال معسكرات الإبادة التي نظمت لهم كما يدعون في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية، أو عندما أعلنت رومانيا تطبيق قوانين نورنمبرغ الألمانية العرقية ضد اليهود عند وصول الحزب المسيحي إلى الحكم.
الدول العربية في الكتب الصهيونية
ومن الكتب الأخرى التي وضعت للطلاب اليهود من أجل دراستها وترسيخ مفاهيم معينة لديهم كتاب تحولات جغرافية الشرق الأوسط لمؤلفه البروفيسور أرنون سوفير، ويلاحظ أن هذا الكتاب يتحدث عن الشرق العربي دون أن يأتي مطلقًا على ذكر العرب في المنطقة التي سكنوها إلا من خلال التقليل من شأن العرب ووصفهم بالمتغلغلين في مجالات الحياة، وهو يعمد إلى التنكر للوجود العربي حتى إن الخليج العربي يطلق عليه اسم الخليج الفارسي. ويصف الدول العربية المجاورة لفلسطين بالمتخلفة، فهو يصف الفلاح المصري بالمتخلف زراعيًّا، وأن التكنولوجيا لا يعرفها الفلاح المصري، ووضعه الصحي سيئ بسبب انتشار الأمراض، وهو لا يعرف حتى القراءة والكتابة، ويصف الزيادة السكانية في مصر بأنها مقلقة لإسرائيل.
أما عن التطورات التي تحصل في الخليج العربي فيرى أنها خطيرة، حيث يرى أن امتداد الطرق والتطور العلمي وواردات النفط الكبيرة يمكن أن تهيئ لقيام دولة قوية في الخليج، مع وجود أصولية إسلامية هناك؛ بسبب وجود الأماكن المقدسة لدى المسلمين في تلك المنطقة، ويرى أن شرق الأردن هو جزء من أرض إسرائيل وفيها أماكن خاصة باليهود مثل نبو وجلعاد. ولم يسلم بلد عربي من النقد والوصف بالتراجع والتخلف، وقد اعتمد الكتاب الصهاينة عند وصفهم للبلدان العربية على الحال التي كانت تعيشها هذه البلدان أثناء الاستعمار أو بعد نهاية الاستعمار بفترة قليلة دون مراعاة التطورات التي مرت بها هذه البلدان، وخاصة العراق ودول الخليج العربي.
تهويد الناشئة العرب
أما الأدبيات الموجهة نحو الطلاب العرب فإنها تعاني من تدني المستوى الفكري لغرس ذلك في نفوس الناشئة العرب في فلسطين 1948، وأن الناظر إلى ما ينتقى ويختار من المواد الأدبية التي تفرض على الطلاب العرب يلاحظ أن الصهيونية تنتقي بشكل حثيث كل فقرة أو لفظة لتهويد فكر الناشئة العرب بهدف سلخهم ما أمكن عن تراثهم ونتاج الأمة الفكري، ويلاحظ أن ما يُنتقى من الأدب العربي يفتقد إلى روح الانتماء الوطني والقومي والديني فهي عبارة عن مختارات من قصائد تجسد الفرقة والطائفية بين العرب والمسلمين، وتدعو إلى السلم تارة أو إلى استحباب الحرب تارة أخرى، ومن أمثلة ذلك سلسلة كتب تاريخ الأدب العربي لمؤلفه اليهودي مراد ميخائيل.
عندما يتحدث الكتاب اليهود عن المجتمع العربي تحت حكم الدولة العبرية، فإنهم يعمدون إلى تزوير العديد من الحقائق، كما يعتبرون الضفة والقطاع أراضي إسرائيلية تم احتلالها من قبل العرب، ويضيفون إلى ذلك تحميل المواطنين العرب مسئولية الهرب من هذه الأراضي عام 1948، وكان هذا الهروب بمحض إرادة العرب، وقد أدى هذا الأمر إلى تدني مستوى الفلسطينيين في نظر العرب الآخرين. هذه هي النتائج التي خرجت بها الدراسة العلمية التي أعدها وأصدرها مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية فاليهود هم شعب الله المختار حتى إذا كان هذا على حساب التاريخ وتزويره، بل وتأصيله ليس فقط في نفوس الطلاب اليهود، بل وفي نفوس العرب أيضًا!.





















