مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

صراع بين حضارتين والسبب.. قشرة بصل! *

ترجمة - أسامة القفاش / 08-07-2003

مقام الشيخ قلندار شاه
منذ عدة قرون وقبل أن تمتلئ وسائل الإعلام بالحديث عما يسمى بـ "آثار العولمة" قص علينا الشيخ "قلندار شاه" تلك القصة في كتاب "أسرار الخلواتية": في أرمينيا الشرقية، كانت هناك قرية صغيرة نمت على امتداد طريقين متوازيين عرفا باسمي: الطريق الجنوبي والطريق الشمالي، في أحد الأيام كان ثمة مسافر قادم من مكان قصي يمشي على الطريق الجنوبي، ثم قرر أن يزور الطريق الآخر أيضا.

لاحظ الحرفيون المحليون أن عيني المسافر مغمورتان بالدموع، قال الجزار للنساج: "لابد أن شخصا قد توفي على الطريق الجنوبي.. انظر لهذا الغريب المسكين الذي قدم لتوه من هناك، إنه يبكي بشدة".

سمع تلك الملاحظة طفل، ولأنه يعرف أن الموت أمر محزن جدا أخذ في البكاء الهستيري، وسرعان ما سرت عدوى البكاء بين كل الأطفال في الشارع.

ولأن البكاء يؤذي فقد قرر المسافر أن يرحل على الفور. ومن ثم ألقى بالبصلة التي كان يقشرها ليأكلها والتي تسببت في امتلاء عينيه بالدموع واختفى!!

في نفس الوقت، ولأن الأمهات يقلقن عندما يرين أطفالهن وهم يبكون، أسرعن ليعرفن ماذا يحدث، واكتشفن أن الجزار والنساج وحرفيين آخرين مشغولون للغاية بسبب المأساة التي حدثت على الطريق الجنوبي. وعندئذ بدأت الأقاويل تتطاير وأخذت الإشاعات تنتشر، ولأن القرية يسكنها قلة من الناس فسرعان ما عرف جميع السكان أن شيئا مرعبا قد حدث. وأخذ البالغون في التململ والقلق فلا بد أن المأساة مرعبة، والأفضل ألا يسألوا عن أي شيء كي لا يُصدموا بما هو أسوأ.

سأل رجل أعمى يعيش على الطريق الجنوبي ولم يفهم ماذا يحدث: "لماذا كل هذا الحزن في المكان الذي كان دائما مرحا سعيدا؟"، رد أحد السكان: "حدثت مأساة على الطريق الشمالي". وأكمل: "الأطفال يبكون، والرجال مكتئبون، والأمهات يأمرن أطفالهن بالعودة للمنازل، والزائر الوحيد الذي وصل للبلدة تركها وعيناه مغمورتان بالدموع... ربما هناك طاعون في الطريق الآخر".

وسرعان ما انتشرت إشاعة: ثمة مرض مجهول قاتل ينتشر. وحيث إن النحيب قد بدأ مع زيارة الغريب للطريق الجنوبي فقد بدا جليا لسكان الطريق الشمالي أن الطاعون قد بدأ هناك. وقبل سدول الليل ترك سكان الطريقين منازلهم واتجهوا للجبال الشرقية".

الكون ترسمه صورتنا عنه

واليوم وبعد عدة قرون من مرور السائح بالقرية وهو يقشر البصل فما تزال تلك القرية مهجورة. وفي مكان ليس بعيدا عن موقع القرية الأصلي نمت قريتان جديدتان، سميتا الطريق الشرقي والطريق الغربي. ولا يزال سكان القريتين الجديدتين لا يكلم بعضهم البعض رغم أنهم كلهم أحفاد سكان القرية الأًصلية؛ لأن الخرافة والزمن قد وضعا حاجزا هائلا بينهما، والناس مقتنعة أنهم لو تواصلوا فإن عالمهم سيتعرض لخطر داهم.

ولاحظ الشيخ شرف الدين قلندار شاه حفيد الإمام أبي حنيفة النعمان "أن كل ما في العالم لا يعتمد على كنه الأشياء ولكن على موقفنا منها".

لو نظرنا لعالم اليوم نجد أن هذه القصة ما تزال ذات معنى. مع نهاية القرن العشرين لا بد أن سائح اليوم قد انفجر ضاحكا عندما مر بما يسمى الطريق الرئيسي في القرية الكونية: لقد انهارت الجدران وانخفضت نسب الفائدة واختفى الاقتصاد القديم وارتفعت أسعار الأسهم في البورصات وعادت القيم الفردية لحالتها التي كانت عليها في نهاية القرن التاسع عشر ووصلت الحكومات المحافظة للسلطة. كان كل شيء في انسجام تام وكل ما كان ينقصنا هو الشيء الوحيد الذي تحتاجه كل حضارة كي تعيش، ألا وهو: العدو.

كان من الصعب جدا أن يشتبك البشر في حروب جديدة، ومن ثم لم يعد العدو هو الإبادة البشرية في رواندا أو قتل الإخوة في يوغوسلافيا، إنما صار شرير نهاية القرن هو السيجارة.

نعم، صدق أو لا تصدق، كان ثمة وقت حيث التهديد الأكبر لعالمنا المعاصر هو أسطوانة ورقية محشوة بنبات مجفف، عند أحد نهايتي الأسطوانة ثمة طرف مشتعل وعند النهاية الأخرى مغفل!.

وفي نفس الوقت وقبل أي هجمات إرهابية، عَبَر سائح آخر القرية الكونية وهو يأكل البصل. عادت الحرب العادلة لأوروبا مسببة "الضرر الضروري" لبلجراد، وأخذت أسعار الأسهم في الانخفاض وأخذ المحللون الذين كانوا يشجعوننا على شراء الأسهم يحذروننا من الانخفاض القادم لا محالة.

وبدأ الناس في القلق فيما يخص صناديق المعاش وتقاعدهم وماذا عليهم أن يفعلوا، وعندما أطل الخطر الحقيقي بوجهه في 11 سبتمبر وجد الإنسانية على حافة الانهيار، وفي هذه اللحظة قرر سكان الطريق الجنوبي (المعروف أيضا باسم المسيحية اليهودية) الانفصال عن سكان الطريق الشمالي (المعروف باسم الإسلام)، وأنكرت كل الصحف هذا وقالت كل برامج التليفزيون إن شيئا لم يتغير.

وتقابل رجال الدين من الطريقين في المؤتمرات الدولية وعاملوا بعضهم البعض بتسامح واحترام، ولكن واقع الحياة شيء آخر: فلو كان جارنا مسيحيا أو يهوديا في الطريق الشمالي أو كان يذهب لمسجد أو تلبس زوجته الحجاب في الطريق الجنوبي فمن الأفضل أن نراقب هذا الجار مراقبة لصيقة والأفضل ألا نصادقه فقد يحدث شيء رهيب في أي لحظة.

هل سيكون من الممكن أن تتصالح القريتان يوما ما قبل أن تؤدي الهستيريا إلى عواقب أشد وخامة؟ أعتقد أن هذا ممكن. علينا أن نتخلى عن التحليلات السياسية والتنبؤات الاقتصادية والدراسات الاجتماعية وأن نجد الإجابة على السؤال الأساسي: من أنا؟ ولماذا أتصرف بهذه الطريقة؟

حياتنا.. سباق دراجات

وأفضل طريقة لرؤية هذا هو أن ننظر لحياتنا على أنها سباق دراجات. في البداية عندما كنا شبابا انطلقنا جميعا معا، وتشاركنا في الصداقة والحماس، ولكن مع الزمن وتطور السباق حلت تحديات حقيقية محل السعادة الأولية: التعب، والملل، والشكوك بمصدر قدراتنا الذاتية.

ولاحظنا أن بضعة أصدقاء قد استسلموا في قلوبهم بأنهم ما زالوا يتسابقون، فقط لأنه ليس بوسعهم التوقف في المنتصف، وعدد هؤلاء يتزايد باستمرار وهم "يبدلون" بأقدامهم بجانب سيارة الدعم الفني التي نعرفها أيضا باسم الروتين، يتكلمون فيما بينهم ويؤدون التزاماتهم ولا يلتفتون لجمال الطريق والتحديات الحقيقية التي تواجههم.

وحتما سنتركهم خلفنا، ومن ثم سنواجه الوحدة والالتواءات المدهشة في الطريق والمشاكل الميكانيكية التي تحدث في دراجاتنا. وسنمر عبر غابات مظلمة حيث يمكن أن يحدث أي شيء لأن تلك الغابات مسكونة بالغيلان التي نتخيلها.

وفي إحدى المراحل، وبعد عدة سقطات دون وجود من يساندنا سنبدأ في التساؤل: هل حقا الأمر يساوي المجهود؟!..

الحاجة إلى قوى خفية

نعم، إنه يساوي كل المجهود، إنه مجرد ضرورة ألا نستسلم. يقول الأب آلان جونر: إنه من أجل أن نتجاوز العقبات ونساهم في تحسين حالة العالم فنحن نحتاج لأربع قوى خفية: "الحب والموت والقوة والزمن".

علينا أن نحب لأننا نحب رغم أن وحدتنا تجعلنا نظن العكس، علينا أن ندرك الموت من أجل فهم الحياة حقا، علينا أن نكافح لنكبر وننمو لكن بدون أن تخدعنا القوة التي نكسبها من خلال الكفاح لأن علينا أن ندرك أن تلك القوة بلا قيمة، وأخيرا علينا أن نقبل أن حياتنا موجودة في شبكة الزمن بكل إمكانياتها وفرصها وحدودها.

ومن ثم علينا أن نتصرف على أساس أن الزمن يقطعنا، وعلينا أن نثمن كل ثانية ونرتاح عند الضرورة لكن مع استمرار الاتجاه الذي اخترناه.

لا يمكن أن نعامل هذه القوى الأربع بوصفها مشاكل علينا أن نحلها؛ لأن هذه القوى خارج نطاق سيطرتنا، علينا أن نتقبلها وندعها تعلمنا ما يجب أن نتعلمه.

نحن نحيا في الكون الفسيح بحيث يرعبنا، ولكنه ضيق بما يكفي أن نظن أننا نتحكم في كل شيء. وبينما نبدل بأرجلنا نحو هدفنا المنشود علينا أن نتساءل: "ما الذي يفرق اليوم عن الأمس"؟ لا بد أن تشرق الشمس، لكن لو أمطرت السماء، فعلينا أن نتذكر أن هذا يعني أن الغيوم المظلمة ستنقشع سريعا. والغيوم تذهب لكن الشمس تظل دائما ولا تذهب أبدا. لا بد أن نتذكر هذا في لحظات الوحدة.

في هذه اللحظات علينا أن نتذكر وجود تلك القرية الأخرى وعندما تزداد وعثاء الطريق وصعوبته علينا ألا ننسى أن الناس هناك يعيشون نفس حياتنا، بصرف النظر عن عرقنا أو لوننا أو وضعنا الاجتماعي أو إيماننا أو ثقافتنا.

حكمة "ذو النون" المصري

لو نظرنا في هذا الدعاء الذي دعا به الصوفي المصري الشهير ذو النون لوجدنا أنه يلخص لنا الطريق الواجب على المرء اتباعه.

"ربي عندما أسمع أصوات الحيوانات وحفيف الشجر وخرير المياه وغناء الطيور ودمدمة الرياح وقصف الرعد أرى في كل ذلك دليل وحدانيتك، أعرف أنك الكبير والعليم والحكيم والحق".

"ربي أدعوك في محنتي، ربي اِرضَ عني، وأعطني السعادة التي يحسها الأب في ابنه، وذكرني بك دائما".

عندما نعود للحقائق البسيطة فينا نبعد أنفسنا عن الهستيريا الجماعية ونتدخل بشكل واقعي في العالم المحيط بنا.

في حياة كل فرد ثمة مأساة قد تكون تدمير مدينة أو موت طفل أو اتهاما باطلا أو مرضا عضالا يأتي بلا إنذار ويجلب معه الإعاقة.

أحيانا تورث المأساة عبر الأجيال مثلما الحال مع الطريق الشمالي والطريق الجنوبي. لكن في كل الأحول لدينا الحب والموت والقوة والزمن لتساعدنا هذه الأمور في الحفاظ على هدوئنا في لحظة مرور سائح عبر قريتنا، سواء أكان يضحك أم يبكي.

لو واجهتنا مشكلة حقيقية فلن تقنعنا الصحف بالعكس لو كان الأمر مجرد "تقشير بصل"، لن يستطيع منقذو الوطن أو دعاة الحضارة أن يذهبوا أو يرتكبوا الجرائم باسمنا.

من المهم جدا أن نتذكر كيف تعلمنا أن نقود دراجة، لقد كان هذا عبر حسابات ومصاعب عملية، لم يحدث هذا بمجرد جلوسنا أمام معلم يشرح لنا كيف تتحرك الدراجة، لم يكن هذا نتيجة لأن هناك من قال لنا إن دراجتنا أفضل من غيرها، ومن ثم فبوسعنا أن نقود بثقة، لم يحدث هذا نتيجة استماعنا لرأي شخص ما أو لأننا رأينا تلفزيون أكثر من غيرنا.

وإنما كان هذا لأننا تجرأنا على ركوب الدراجة و"التبديل" بأنفسنا، حاولنا ووقعنا، فحاولنا ثانية حتى تعلمنا يوما ما، وكأنها معجزة، وحافظنا على اتزاننا.

لا يمكن أن ننسى حتى لو مر علينا 20 عاما، كيف نفسر هذا؟ لا يمكن تفسير هذا، فقط نحن نعرف كيف نقود دراجة، وهذا هو المهم، فبوسعنا أن نزور بلدة أخرى، ونشق طريقا، ونترك الخوف، ونكتشف المشترك فيما بيننا!!


*العنوان من قلم التحرير والعنوان الأصلي (التاريخ وفن ركوب الدراجات)