مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

المدونون..عقلاء الإنترنت!!

ياسر علام / 01-01-2007

جون بارجر- مؤسس التدوين على الإنترنت
جون بارجر- مؤسس التدوين على الإنترنت
مما لا شك فيه أن ظاهرة التدوين تفتح آفاقا رحبة للتأمل واللعب، آفاقا رحبة وممتدة رحابة التدوين ذاته، التدوين ذلك المتنامي وغير المتناهي.

فالتدوين ليس هو ذلك الفعل المنفلت بامتياز من عقال المؤسسة الأمنية فحسب، بل إنه الفضاء المنفلت من أسر كافة المؤسسات الثقافية والسياسية والاجتماعية المألوفة؛ لا ليكون بذلك مجرد إفلات هروبي، بل يتجاوز هذا الأفق، فيكون انفلات مواجهة لتلك المؤسسات، وليكون معولا ضاربا في عمق تحصينها الإستراتيجي ذاته -بقدر لم يسبق لنا مصادفته في تاريخنا الحديث برمته- وهو إذ يفعل لا يرفض فحسب الإجابة على تساؤلاتها -أعني المؤسسات المألوفة- يرفض تساؤلاتها الاستنكارية بشأن حقيقة وجدوى وجوده، بقدر ما يهبها هو في المقابل ورقة أسئلة من طرفه تكون هي الملزمة بالإجابة عليها وفي كل ثانية.

مدونة الإنسان

بعض المدونات صارت تنافس المواقع الإخبارية! 

يرجع البعض فكرة التدوين إلى عام 1997 عندما بدأ "جون بارجر" مبرمج الكمبيوتر الشهير، بوضع تعليقات وتجديدها يوميا على موقعه الإلكتروني. وكانت بمثابة جريدة يومية يحررها فرد واحد. ولتكون بذلك تنويعة جديدة على "روبنسون كروزو" -رائعة "دانييل ديفو"؛ والتي تعرض لمكوث روبنسون الناجي من غرق سفينة، وحياته بمفرده على جزيرة، بما يولد ذلك في نفسه معزولا وسط البراري، من تأمل للمشروع الحضاري الإنساني برمته وقذاك-.

وإن كان التأويل الأكثر شهرة للرواية ربط بينها وبين غربة إنسان تلك اللحظة وجفاف مورد التواصل الجمعي في لحظة انبثاق الثورة الصناعية على وجه التحديد. فإن بعض صناع الخيال العلمي وجدوا مقاربة طازجة لذلك بحالنا الراهن.

وجدوها في الإنسان الجالس على لوحة مفاتيحه في جزيرة معزولة عن العالم، ليتأمل العالم، ويحاكمه، بل ويحكمه -ولو بعد حين وفقا لشطحاتهم-. ومن منا لا يذكر شخصية المخرج في الفيلم الأمريكي "ترومان شو" والتي لعبها الرائع "إد هاريس"، حيث صنع كونا كاملا لترو مان/جيم كاري ومنذ لحظة مولده، وجلس ليدير هذا العالم من خلف شاشة كمبيوتره.. يهمنا في هذا المقام، ما كشفه الفيلم من بعد. لقد كشف عن عزلة ذلك المخرج الداخلية العميقة، والتي أراد أن يجنبها لإنسان ما، ليكون هو فاقد الشيء الذي أراد أن يعطيه!.

وبعيدًا عن هذا الاستغراق نركز فقط على صورة الإنسان المعزول عن الآخرين وسط جزيرته المجازية الخاصة أمام شاشه كمبيوتره، المعزول لكنه ليس أي معزول، إنه المعزول المتحكم، وهي صورة ألمح إليها مفكرون معاصرون كثيرون ما بين محذر ومروج.

على أي حال إذا تحققت هذه النبوءة بفعل التدوين؛ فـ"جون بارجر" حين عن له أن ينشر يوميا آراءه حول الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، خطا خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وأطلق على ممارسته وقتها أسم هو (ويب لوج)، دمجت لتصبح (ويبلوج)، ثم بلوج، ثم ترجمت إلى العربية بمدونة، والفعل تدوين، والفاعل مدون.

المعزول.. المتحكم

المدونات العربية.. الهموم واحدة 

دعونا ننطلق من صورة هذا المعزول/ المتحكم والتي تمثل أيقونة فعل التدوين. فننقر عليها بالمؤشر ليتوافد إلى الذهن ما يلي: المدون بكونه معزولا/ متحكما ألا يشبه معزولا/ متحكما آخر، يطلق عليه في فضاء التحليل النفسي (اللاوعي)؟!.

نعم. إنه هذا الكامن الرابض تحت السطح، ويقذف إليه بما يستعصي على المجتمع تقبله، فيضيفه إلى الحمم البركانية الموجودة أصلاً، ثم يتحين هو اللحظة المناسبة في غيبة الرقيب الواعي في حالات معينة.. مثل؛ الحلم/ زلات اللسان/ السكر والتخدير/ الجنون، فيخرج من حممه ما عَن له إخراجه.

ودعنا نربط بين فعل التدوين وتلك الممارسات لنكتشف الكثير ولنأخذ مثال المقاربة بالحلم.. الحلم.. ثمة تضاد فعال بين قيمتين في الحلم، هما قيمتا الإخفاء والإفشاء. فالحالم يريد بالحلم أن يقول شيء ما. ويريد لاوعيه أن ينقل رسالة قد تكون تحذيرية أو تنويهية أو أي ما كانت طبيعتها له، غير أن هذا الرسالة لا يمكن ذكرها ببساطة.

إن اللاوعي يستخدم آليات معينة في عرض رسالته تلك، الغرض من استخدام تلك الآليات إخفاء هذه الرسالة على نحو ما، فهو يشوه ويبدل ويغير ويحذف ويضيف، يفعل كل ذلك حذرا منه ورغبة في طمس معالم هذه الرسالة. بالرغم من أنه هو مطلقها. وهو أمر يعرفه من يمارسون تأويل الأحلام. فبالرغم من أن الحالم يفشي لك حلمه بإرادته، فإن لاوعيه يخفي الكثير، فهو يستبدل في الحلم زمانا بزمان، ومكانا بمكان، وشخصا بشخص، وحقيقة بحقيقة مثل صلة قرابة بصلة... إلخ.. ولسان حاله يقول: (أريد أن أكشف لك نفسي، بشرط أن أخفيها حتى عنك).

دعونا نسحب هذا السلوك على فعل التدوين، تتصارع ثنائية الإفشاء/ الإخفاء في سلوك المدونون.. ويعزو البعض الأمر لأسباب أمنية، غير أن هذا ليس إلا جزءا من الحقيقة في تقديرنا. فنفس الظاهرة موجودة بل وبكثافة في مجتمعات يخف فيها السعار الأمني.

ولنتعمق إذن قليلاً في الأمر

لسان حال المدون ينطلق من: (أنا لدي ما يقال.. لكن ليكن هذا الذي أقوله هو أنا بالنسبة لك، ماذا يهمك في شخصي، لديك من قناعاتي وفكري ورؤيتي ما أريد أن أمنحك إياه، ألا يكفيك ذلك؟! لماذا تريد أن تستلبني حقي في الخصوصية؟!) ولكن ما أقسى أن تجلس على المقهى فتسمع تعليقات الإعجاب أو الاستنكار على ما كتبته، فلا تشتبك مع ما حدث، ومن تحدث، بالرغم من رغبتك في ذلك، حرصا على سريتك. ومن قال إن الأكثر سرية هم الأكثر شهرة.. وبالرغم أنه وبإجراءات يسيرة يمكن أن يحيط مدون نفسه بسرية كاملة -لو أنه أراد- فإن القيمتين تصطرعان، ويحلق السؤال الوجودي: فما جدوى وجودي دون معرفة المخاطب بي؟! إنها حالة أشبه بالفنان الذي ينتقد الجماعة ولا يطربه إلا تصفيقها.

ثنائية التواصل والعزلة

الأمر نفسه ينسحب على زلات اللسان والتخدير والجنون فكما وجدنا صراع ثنائية الإخفاء والإفشاء، نجد ثنائيات تنبثق منها سواء في مسار العلاقة مع الأنا/ الذات أو مع المتلقي/ الآخر، منها ثنائية التواصل والعزلة، ثنائية الحميمية والقطيعة، ثنائية التغيير والقنوط، ويتردد صدى تلك الثنائيات تقنيا كذلك فلديك مثلاً؛ ثنائية الفصاحة والتلعثم، ولنا هنا وقفة.. ولأننا هنا ننطلق من المظهر الخارجي لننفذ قدر المستطاع لما هو تحت السطح.. نركز على ثنائية الفصاحة/ التلعثم والتي يمكن ملاحظتها بسهولة من قبل متصفحي المدونات..تكشف تلك الثنائية أول ما تكشف عن رغبة لدى المدون دائما في انتهاك أعراف الكتابة، صحة اللغة، بلاغة الخطاب.

ففي إحدى المدونات تجد تعبيرات تخص الكلمات ذاتها وتتلعثم وهي تعرضها مثل "مجرد كلمات جديدة أود ألا تكون كمن سبقوها حمقاء" أو "وبالنسبة لحكمة الأسبوع الماضي ففي عز الكلام، سكت الكلام، وأتريني ماسك الهواء بإديا" أو "لم يبق في اللغة هامش للاحتفاء بما نحب فكل ما سيكون كان".. وعشرات النصوص القصيرة من هذا القبيل.

المتأمل يكتشف أن التلعثم البادي ليس عن قصور أو عجز، بل هو موقف من هذه الأشياء المحصنة عموما وعلى رأسها اللغة والخطابة والكتابة الحصينة عموما، والحصينة بشكل خاص في ثقافتنا.. إنه موقف -حسب تعبير سيروقهم في تقديري- موقف من (الكلام الكبير).

أعود فأؤكد أنها ليست عن عجز أو قلة حيلة، أو فقر تحليل، فتحت قشرة الاستسهال الظاهري، يجد المدقق كتلة متماسكة حيوية حاشدة، وبلاغة جديدة وطازجة تستبدل بالكلمة الصورة، وبالتعالمية التفاعلية، وبالتحقيق التعليق، وبالحكمة القفشة.

وهي وسط ذلك لا تدّعي أبدا امتلاك المعنى بقدر ما تشاكسك كمتصفح للمشاركة في استكشاف هذا المعنى بل وتكوينه على نحو ما.

وبديهي أن هذا الملمح الجدلي يتفاوت من مدون لآخر؛ فأرباب القلم من المدونين من الكتاب والصحفيين نلاحظ أنهم ما زالوا يجيبون ويمتلكون المعرفة/ الحكمة، أكثر منهم يلتمسون الطريق إليها ويسألون بإيقاع وحساسية عصر التدوين؛ ففعل التدوين بالنسبة لهم لا يعدو أن يكون (تحديثا) لا (برنامجا جديدا) حسب التعبيرات الكمبيوترية.

وهل هو من البلد الذي يدّعي مواطنيته؟ وهل نيته سليمة فعلا، أم أنه يبث دعاية سوداء ضد أفراد أو دولة بعينها أو دول؟".

ومع شرعية هذا القلق وحكمته لم نجد له أي صدى أو فاعلية لدى المدونين؛ لأنهم وببساطة سيقولون: وبناء عليه؟!، ولذا؟!، وعليه؟!، ما المطلوب على وجه التحديد؟!، أين عقلاء النت ليفتونا في هذا الأمر؟!..

المدون.. الفنان

إن مفهوم الوصاية النسبية التي يمتلكها صاحب الكلمة على الجمهور تخفت تماما في هذا الوسيط، وعلى المتلقي تقع المسئولية الكاملة وللمرة الأولى، إن حيثيات ومؤهلات المدون ليست موضع مسألة، إنه ليس الشيخ الذي يفيض على المريد بمعارفه، ولا هو المعلم الذي يمنح الدارس من فيض علمه؛ إنه أشبه بالفنان.

المدون أشبه بالفنان الذي يطرح ما لديه على متلقيه بصيغة غير متعالية، لكنه ليس أي فنان بل فنان الحضور الحيوي الذي يتلقى الرد المباشر على ما يقدمه؛ هو فنان المسرح صاحب الحضور الحي والمرسل المتلقي بالحضور الحقيقي لمتلقيه. من هذا التماثل يأخذ التدوين دفعة أولى، فإذا ما أضفنا للمزايا المسرحية، ميزة تغيير الصورة السريع التي تمنحها السينما، لوجدنا دفعة ثانية تمنحها السينما للتدوين، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ميزة التحرر من محدودية المُعدة البشرية التي تعرف بالممثل الإنسان، في فضاء البنية المشهدية الكمبيوترية غير الاستحواذية لكانت فنون الـ3d بل والـvisual art عموما قد منحت التدوين دفعة ثالثة هائلة.. وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك دفعة إضافة المتلقي المحتملة للعمل، وإذا ما على كل ذلك في مراجل واقعنا الخصب المثير.. لكان لدينا إمكانيات هائلة لحقل فني فريد.. لا نتنبأ به فحسب بل ونراهن عليه بالفعل.


كاتب وناقد فني.