مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الأزمة الاقتصادية.. الداء والدواء

مها جلال الدين / 28-08-2001

Image

انطلقت كل نظريات وآراء الاقتصاديين من أن الأساس في الاقتصاد هو التوازن والاستقرار، وأن الاستثناء هو الأزمات، لكن الواقع العملي يتعارض مع ذلك؛ حيث لم يعد هناك دولة فى العالم اقتصادها مستقر تماما، حتى أصبحت القاعدة هي الأزمات والمشاكل الاقتصادية، وصار الاستثناء هو الاستقرار.

وتتمثل الأزمات الاقتصادية في انخفاض عائدات العملات الأجنبية في الاقتصاد، أو زيادة المدفوعات الخارجية إلى العالم الخارجي؛ نتيجة ارتفاع أسعار الواردات مثلا، وقد تحدث أزمات اقتصادية مؤقتة أو أزمات دائمة؛ حيث تختلف العوامل المؤدية لكلٍ منهما، وتعود هذه الأزمات الى تغير أسعار السلع، أو تغير أسعار الصرف، وكذلك للتغير في معدلات التضخم وأسعار الفائدة، وهكذا، فإن الأزمات قد تنشأ في أحد الاقتصادات، وتنتقل إلى الاقتصادات الأخرى.

وتنقسم الأزمات الاقتصادية إلى نوعين هما: أزمات أسواق السلع، وأزمات أسواق رأس المال.

أزمات السلع

هي أزمات تحدث في مجال تبادل السلع فى التجارة الدولية، ويحدث هذا النوع من خلال واحدة أو أكثر من الحالات التالية:

1- أزمات التصدير: تنبع هذه الأزمات عادة بسب "دورة الأعمال" BUSINESS CYCLE في الدول الصناعية؛ حيث يؤدي ارتفاع معدل النمو إلى زيادة الطلب على المواد الأولية (أي صادرات الدول النامية) وبالتالي ارتفاع أسعارها بالنسبة إلى أسعار السلع المصنعة.

وكذلك فإن الكساد في الدول الصناعية يؤدي لنقص الطلب وانخفاض الأسعار، كما تتأثر صادرات الدول النامية كذلك بأحداث خارج السيطرة، مثلما انخفضت أسعار السكر بشدة في الأسواق العالمية لتوافر بدائل التحلية أو لوجود تكتلات منتجي السكر مرتفع التكلفة، وهذه العوامل أدت لحدوث أزمات للدول النامية المصدرة للسكر.

2- أزمات الاستيراد: إن الدول النامية تُعتبر مصدِّرا للمواد الأولية، وفى نفس الوقت تقوم باستيراد سلع أخرى، وهكذا فإن أية زيادة في أسعار واردات هذه الدول تؤدي لحدوث أزمات للدول المستوردة؛ مثلا الطفرة في أسعار البترول عام 1973 كانت بمثابة أزمة شديدة للدول النامية المستوردة للبترول؛ حيث ارتفعت مدفوعات هذه الدول لاستيراد البترول بدرجة كبيرة.

3- أزمة سعر الصرف: إن تحركات أسعار الصرف بين عملات الدول الصناعية لها آثار مهمة على أسعار صادرات وواردات الدول النامية؛ فعند ارتفاع أسعار الدولار مقابل العملات الأوروبية تنخفض أسعار الاستيراد والتصدير في الدول النامية عند حسابها بالدولار، وترتفع عند حسابها بالعملات الأوروبية؛ وبالتالي فإن تغير سعر الصرف ينعكس على تكاليف الصادرات والواردات، ويؤثر على مجمل الاقتصاد.

4- معدل التبادل التجاري: بالنسبة لأية دولة فإن هذا المعدل يساوي متوسط سعر صادرات الدولة بالنسبة إلى متوسط سعر وارداتهـــا، وهو يعكس عائد الدولة من التجارة الخارجية، وبالتالي فإن انخفاض هذا المعدل فى ظل ثبات كمية الصادرات والواردات يعني ارتفاع متوسط سعر الواردات بنسبة أكبر من الارتفاع فى متوسط سعر الصادرات، وهذا يعني أن الدولة يجب أن تُحجِّم وارداتها، أو تزيد كمية صادراتها؛ لتحصل على نفس العائد الذى كانت تحصل عليه من صادراتها قبل ذلك.

أزمات رأس المال

العوامل الأساسية في أزمات أسواق رأس المال هي تكلفة الاقتراض التي يحددها سعر الفائدة، ومعدلات التضخم والعوائق في أسواق الاقتراض الدولي؛ ولذلك فإن حدوث أي اختلال في هذه العوامل يكون مدخلا لحدوث أزمة في سوق المال.

1- أزمة أسعار الفائدة:

تحصل الدول النامية على قروضها من أسواق المال الدولية بعملات الدول الصناعية (بالدولار في أغلب الحالات)، وتصبح تكلفة الدين هي سعر الفائدة بالدولار؛ حيث تؤدي زيادة أسعار الفائدة بالدولار إلى زيادة تكلفة الدين بالنسبة للدول المقترضة، وهذا يتوقف على ما إذا كان سعر الفائدة على القرض ثابتًا أو متغيرًا؛ حيث إن الحصول على القروض بسعر فائدة ثابتة يعني أن أية تذبذبات في أسعار فائدة القرض لن يتحملها المقترض، أما سعر الفائدة المتغير فيعني أن تغيرات سعر الفائدة يتحملها المقترض.

2- أزمة معدل التضخم:

تقدير حجم الدين الخارجي لا يعتمد على قيمته النقدية، ولكن على الصادرات الإضافية أو الواردات التي يجب الاستغناء عنها من أجل توفير العملة الأجنبية اللازمة لسداد الدين، وزيادة معدل التضحم العالمي تقلل من القيمة الحقيقية لديون الدولة؛ وبالتالي فإن حساب التكلفة الفعلية للدين يتطلب أن يتم خصم معدل التضخم من معدل الفائدة على الدين، وفي حالة ارتفاع معدل التضخم بصورة ملحوظة قد يؤدي ذلك إلى فقدان الدولة للقوة الشرائية لديونها لدى الغير، وهو ما يكون بداية أزمة.

3- أزمة القيود على الاقتراض:

إن وضع قيود على الاقتراض بعد أزمة الديون العالمية؛ قد أدى إلى تفاقم الأزمات فى بعض الدول؛ حيث فقد المقرضون الثقة في قدرة الدول المدينة على الوفاء بالتزاماتها، وتعثر سداد العديد من القروض قصيرة الأجل، وأصبحت هذه القيود على الاقتراض مصدرًا جديدًا للأزمات بالنسبة لدول المدينة التي أصبح عليها سداد مدفوعات الدين من العائدات الجارية؛ سواء بزيادة الصادرات أم خفض الواردات.

مواجهة الأزمات

تتطلب مواجهة الأزمات الخارجية أن تتبنى الدولة السياسات الاقتصادية لمواجهة مشاكل موازين المدفوعات، وكذلك مواجهة التداعيات المحلية مثل ضروة خفض الصادرات وأثر ذلك على الدخل والعمالة فى قطاعات التصدير، كما يجب مواجهة التدهور في الموازنة العامة للدولة، ولكن مواجهة هذه الأزمات وتحديد السياسات المطلوبة يضع على الحكومة عبء الاختيار بين العديد من البدائل التالية:

1- التمويل أو التكيف في مواجهة الأزمة: يجب على حكومة الدولة المقترضة الاختيار بين التمويل أو التكيف عند حدوث أية أزمة خارجية؛ حيث التمويل يعني الاقتراض من أجل مواجهة الأزمة؛ سواء انخفاض عوائد الصادرات أم زيادة في أسعار الواردات أم زيادة مدفوعات الدين-، أما التكيف فهو يشمل العمل على مواجهة الأزمة عن طريق محاولة زيادة الصادرات أو خفض الاستيراد.

والاختيار بين البديليْن يتوقف على مدى استمرارية الأزمة؛ حيث الاتجاه لتمويل عجز ميزان المدفوعات الناتج عن أية صدمة خارجية يكون فعالا فى حالة الأزمات المؤقتة، أما الصدمات التى تتسم بالاستمرارية فيجب أن يتم التعامل معها عن طريق التكيف والإصلاح الذي يتطلب زمنًا وجهدًا أطول، وهكذا فإنه عادة ما تلجأ الدولة إلى التمويل كمرحلة انتقالية قبل بدء سياسة التكيف والإصلاح.

وبالنسبة للتمويل فإنه لا بد من توافر مصادر تمويل مثل احتياطات العملات الأجنبية لدى الدولة، أو الاقتراض من مصادر خارجية رسمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، أو مصادر غير رسمية مثل البنوك التجارية، وتفضل الدول المصادر غير الرسمية رغم أن قروضها تتصف بالأجل القصير وسعر الفائدة المتغير، في حين تتصف قروض الجهات الرسمية بالأجـل الطـويل وسعر الفائدة الثابت، ويعود ذلك إلى الشروط التي تضعها الجهات الرسمية لتقوم الدولة المقترضة بتنفيذها كما أنها تتدخل في السياسة الاقتصادية للدولة المقترضة.

2- خفض الإنفاق أو تحويله:

هنا يجب على الدولة الاختيار بين اللجوء إلى خفض الإنفاق عن طريق خفض الطلب العام والخاص، وبين تحويل الإنفاق؛ أي محاولة تغيير الطلب المحلي والخارجي من الطلب على السلع الأجنبية إلى الطلب على السلع المحلية.

الاختيار بين خفض الإنفاق أو تحويله اختيار شاقٌّ بسبب الآثار المصاحبة لتنفيذ أي من السياستين؛ حيث إن الاعتماد على سياسة خفض الإنفاق فقط يؤدي إلى حالة من الركود، فى حين أن تحويل الإنفاق يؤدي إلى التضخم، وهكذا يصبح الحل الامثل هو محاولة المزج بين السياستين لتحقيق الهدف بأقل قدر من التكاليف.

3- تخفيض قيمة العملة أو السياسة التجارية:

يتسم خفض قيمة العملة المحلية بأنه بديل بسيط فى تطبيقه؛ حيث يتم تغيير السعر الذي يقوم البنك المركزي باستخدامه لتحويل العملات الأجنبية إلى المحلية، ويؤدي هذا التغيير فى السعر إلى زيادة الصادرات المحلية وخفض الواردات بشرط توافر المرونة فى الجهاز الإنتاجي للدولة، إلا أن هذه السياسة تؤدي لرفع الأسعار محليا وتغذية التضخم، أما السياسات التجارية فتشمل حصص الواردات والرقابة على النقد الأجنبي ودعم الصادرات؛ حيث تؤدي هذه السياسات إلى خفض الاستيراد عن طريق حكومي مباشر، ولكن هذه السياسات لها تعقيدات إدارية كثيرة، كما تؤدي إلى عدم توافر الواردات محليا بما يؤدى لزيادة أسعارها.

وهكذا، فإنه بعد حدوث أية صدمات أو أزمات خارجية تتعرض الاقتصادات للعديد من المشكلات حتى بالرغم من اتباع السياسات المناسبة، وبالتالي لا يمكن القطع بصحة وواقعية كل ما يراه الاقتصاديون، وتراه نظرياتهم؛ لأن الواقع يوضح أن الأزمات الاقتصادية أصبحت مرض العصر فى معظم دول العالم، وانتشار هذه الأزمات يتزايد مع تزايد التحرير الاقتصادي واندماج الاقتصاد العالمي، وفي ظِلِّ العولمة لن تكون هناك دولة بعيدة عن التأثر بهذه الأزمات الاقتصادية سواء كانت الأزمة في داخلها أم انتقلت إليها من الخارج.