نحو قراءة منهجية للتراث الصـوفي الإسلامي
الفكر الصوفي والتنبيه إلى غلطات بعض الصوفية
ويمكن أن يقال: إن هذا اللون من النقد – المسمى بالنقد الذاتي - هو مظهر مظاهر الحب للصفو والحرص على أن يتفادى نفور المجتمع منه، بل الحرص على أن يثبت موقعه في مجتمع عرف تيارات للفكر عديدة، بعضها فقهي، وبعضها كلامي، وما إلى ذلك، قد يقال هذا –وهو حق في مجمله- لأن الذين كتبوا في غلطات الصوفية، هم الذين مدحوا التصوف وأهله بأحسن صفات المدح والتقدير، لكنك مع ذلك لا بد أن تشهد لهؤلاء المادحين الراصدين للأغلاط بنقطة وعي منهجي حيث لم يمنعهم الحب من بيان وجه الخطأ لدى المخطئ، بل وإرجاع أسبابه الخطأ إلى جهل بالشرع، ونقص في العلم.
ولعل السراج الطوسي (ت 278 هـ) أبرز من كتب في هذا الباب حيث أفرد مساحة غير قليلة من كتابه (اللمع) وقد بين الأسس التي ينبني عليها طريق القوم، والذي لا يبني فهمه وعمله عليها ويدعي أنه من الصوفية فهو غالط مخدوع، والأسس ثلاثة:
أولها: اجتناب جميع المحارم، كبيرها وصغيرها.
ثانيها: أداء جميع الفرائض، عسيرها ويسيرها.
والثالث: ترك الدنيا على أهل الدنيا قليلها وكثيرها إلا ما لا بد منه للمؤمن منها.
ثم يقول: فكل من وعى حالاً من أحوال أهل الخصوص، أو توهم أنه سلك منازل أهل الصفوة، ولم يبن أساسه على هذه الثلاثة فإنه إلى الغط أقرب منه إلى الإصابة في جميع ما يشير إليه أو يدعيه أو يترسم برسمه، والعالم مقر، والجاهل مدع".
ويفصل الشيخ القول في طبقات الغالطين جاعلهم ثلاثة: طبقة غلطت في الأصول لجهلهم بالأصول الشرعية، وطبقة غلطت في الفروع (يعني الآداب والأخلاق، والمقامات والأحوال) وهذا لقلة علمهم بالأصول. وطبقة ثالثة أخطأت هفوة وزلة إذا تنبهت إلى الخطأ عادت إلى طريق الصواب وسدوا الخلل ولموا الشعث، وفي تفصيل الشيخ لهذه الطبقات يتعرض لأصحاب النظريات أو بذورها على الأقل تلك التي يظهر فيها الأثر الأجنبي، فيفندها ويبين وجه الخطأ وسببه الحقيقي، كل ذلك بنقد موضوعي، وأدلة مقنعة.
ولم يكن الطوسي هو فارس هذا الميدان وحده، وإن كان واضع أساس هذا المنهج النقدي إذ بعده جاء أبو عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) فكتب رسالة مفردة في غلطات الصوفية كان جل ما فيها –باستثناء الفصل الذي رد فيه على القائلين بالحلول- صدى لما ذكره السراج، وتتابعت الكتابات، فكان ما ذكره القشيري في رسالته (ت 465 هـ) وما ذكره الهجويري (ت 465 هـ تقريبًا) في كشف المحجوب، وما ذكره الغزالي (ت 505 هـ) في كثير من كتبه، بل وسرت هذا الروح الناقدة إلى عصرنا فوجدنا بعض المحققين من مشايخ الطرق يؤكدون حرصهم على التزام الكتاب والسنة ويذكرون أن من يخالف هذا فتبرأ منه الصوفية كما يبرأ منه كل مسلم.
أقول: بمنهجهم ينبغي أن نقرأ تراثهم لنحكم عليه ونفيد منه، مفرقين بين حالاتهم تلك التي يعذر فيها صاحبها، وتلك التي يحكم فيها الكتاب والسنة كما يحكمان في حياة كل مسلم، وبمنهجهم نمتدح الحق ونذم الباطل في ضوء المقاييس الشرعية المعلومة.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
خاتمة
لقد ازداد يقيني – بعد محاولتي هذه- أن تراثنا بعامة يحتاج إلى جهد في ناحيتين اثنتين:
الأولى: ناحية تكشيفه وفهرسته بشكل عام حتى يتسنى لنا معرفة ما فيه وبخاصة أن كثيرًا من علمائنا كانوا يكتبون بطريقة شمولية، فيتعرضون لمباحث داخل كتبهم لمناسبة ما، قد لا يدل عليها أو يسيء بها عنوان الكتاب ذاته.
الثانية: ناحية قراءته قراءة منهجية تبتعد عن الحكم السابق مدحًا نتيجة مذهبية أو انبهارا أو ملاحظة وقدحًا نتيجة لسبب أو لآخر من الأسباب غير الموضوعية، وتقصد إلى التعرف الحق على مكنون هذا التراث مقدرة أننا وأصحابه أبناء حضارة واحدة، بيننا قواسم مشتركة، ومن الممكن أن يكون بيننا بعض الاختلاف الدائر في ساحة الاجتهاد، والمستند إلى ظروف العصر ومستجدات الحياة وهو ما يسمح به سمت وخصائص التفكير الحر في الإسلام.
وعلينا ونحن نقرأ تراثنا أن نقدر الفرق بين نص استمد قداسته من الوحي والعصمة، وفكر يجوز عليه الصواب والخطأ لأنه جهد بشري محكوم بقوانين الحياة البشرية في قابليتها للتغير والتعديل والاستدراك.
والتراث الصوفي باعتباره جزءًا من تراث حضارتنا يتحتم فيه هذا وأكثر لأنه إلى جانب ما ذكرنا قد ظلم التصوف، وأصيبت كثير من الأحكام المتعلقة به بالتعميم أو الغموض، الأمر الذي يحبذ القراءة المنهجية كي نصل إلى تحديد ووضوح، فلا نلقي بالأحكام جزافًا، ولا نتهم لأدنى ملابسة.
وأشير هنا فقط إلى الحلاج (309هـ) وما قيل حول مقتله، والرأي فيه بعامة بين التطرف –في الأعم الأغلب- والاعتزال لدى قلة من الباحثين والعلماء.
وقد ترجح كفة الاعتدال وإنصاف الرجل إذا درست المسألة دراسة موضوعية هادئة في ضوء ما قد يكون غير مشهور عند الباحثين من نصوص تنسب إليه، فمثلاً ينسب السلمي إليه عبارة هي "ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به" ويعلق شيخنا التفتازاني بقوله: وهذا قد يعني عنده أن الإنسان الذي خلقه الله على صورته هو موضع التجلي الإلهي، فهو متصل به غير منفصل عنه بهذا المعنى، ولكن تجلي الله للعبد، أو ظهوره فيه من حيث صورته فيه ليس يعني اتصالاً بالبشرية حقيقيًا، والحلاج هنا يشعرنا صراحة بالفرق بين العبد والرب، فليس قوله بالحلول إذن حقيقيًا".
والسلمي ذاته في رسالته التي ألفها في غلطات الصوفية يذكر –وهو بصدد الحديث عن الرد على القائلين بالحلول- نصوصًا لشيوخ ينفون القول بالحلول، ويذكر للحلاج قولاً في نفي الحلول "الحق تعالى أوجد الهياكل على رسم العلل، منوطة بالآفات، فانية في الحقيقة، وإنما الأرواح فيها إلى أجل معدود، وقهرها بالموت، وربطها في وقت إتمامها بالعجز، وصفاته –تعالى- بائنة عن هذه الأوصاف من كل الوجوه، فكيف يجوز أن يظهر الحق فيما أوجده بهذا النقص والعلة؟ وثبت أن الحق –سبحانه وتعالى- ألزم في كتابه وصف العبودية للخلق أجمع، فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقال: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) فكيف يجوز أن يحل فيما ألزمه وصف النقص؟ وهو العبودية فيكون مستعبدًا معبودًا".
قلت وصحيح أن الهجويري قد ذكر أن هناك شخصين باسم الحلاج: أحدهما الحسين بن منصور الحلاج بغدادي ملحد، والآخر الحسين بن منصور الحلاج، فارسي، لم يطعن العلماء في دينه، أقول مع وجود تفسير أو مخرج كهذا فإن الأمر لا يزال غامضًا، وربما كشفت الغموض قراءة جديدة لكل ما يتصل بالحلاج في ضوء التحقيق العلمي للنصوص والروايات.
وأشير كذلك إلى ما قد يترتب على القراءة العجلى أو سرعة الاتهام من تناقض عجيب ربما يكون في الاتجاه الواحد أو بين الشيخ والتلاميذ، فقد نقل أحد الباحثين عبارات للجنيد، وقال معلقًا: إنه كان يقول بالاتحاد"، كما ورد عن الجنيد عبارات قد تشير إلى أنه كان يقول بالاتحاد، فيروي عنه قوله: فقدت يومًا قلبي، فقلت يا إلهي رد علي قلبي، فسمعت مناديًا يقول: يا جنيد نحن سلبناك القلب لكي تكون معنا، أتريد أن تبقى مع غيرنا؟ هنيئًا لذلك الشخص الذي نال الحضور ولو ساعة واحدة طيلة عمره.
التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به.
من يقول "الله" دون أن يراه فهو كذاب.
وتكلم في المعرفة فقال "من زعم معرفة الوجود جهل عند حصول العلم، فقالوا أضف أنت. فقال: إنه هو العارف والمعروف.
ما دمت تقول الله، وتقول عبد، فهذا شرك لأن العارف والمعروف واحد، كما قالوا ليس في الحقيقة إلا هو، هاهنا الله فأين العبد، أي أن الكل هو الله".
ولن أتعرض لهذا الحكم (أعني قول الجنيد بالاتحاد) ولا للنصوص التي اعتمد عليها هذا الباحث بالمناقشة أو التفنيد، ولكني فقط أذكر أن هذا الباحث ناقض شيخ الإسلام ابن تيمية في حكمه هذا، حيث ذكر ابن تيمية أن ابن عربي الذي يقول بالاتحاد لم يعجبه رأي الجنيد في التوحيد "فإن الجنيد – قدس الله روحه- كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد، فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق".
وهنا نقول يغلب على الظن أن حكم شيخ الإسلام أوثق لأن عباراته صريحة في أن الجنيد لا يقول بالاتحاد، وأما العبارات التي نقلها الباحث سالفًا فهي غير صريحة في الحكم بالقول بالاتحاد، إذ بالروايات توهين لعدم ذكر السند، كما أنه يمكن تأويلها دون كبير عناء.
والذي يعنيني هنا أن أؤكد أن دلالة هذه الإشارة إلى جانب دلالة الإشارة السابقة تؤكدان ما أنا متيقن منه من الحاجة العلمية والاجتماعية إلى قراءة التراث الصوفي بمنهج جديد أشرنا في هذا البحث إلى أبرز ملامحه.
طالع بقية محاور الدراسة:




















