نحو قراءة منهجية للتراث الصـوفي الإسلامي
ضرورة تحديد المصطلحات المتصلة بالتصوف الإسلامي
فما دامت القراءة للحكم والاستنباط والتوظيف تستهدف عدم الوقوع في أخطاء التعميم أو التسرع في الأحكام فإن من الضروري حينئذ أن يهتم قارئ التراث الصوفي الإسلامي بالتحديد الدقيق للمصطلح المراد نقده والإفادة منه، وهذا يشمل الألفاظ التي استخدمها الصوفية وحددوا مرادهم منها بما يتفق مع أصول دينهم، لكن التعميم والأخذ بالفهم الشائع لأدنى ملابسة أدى بأصحابه إلى خطأ في الحكم، فضلا عن عدم تقدير دقيق وعدم إفادة من هذا التراث.
كما يشمل التحديد المراد الأوصاف التي عُرفت بها مراحل التصوف الإسلامي واتجاهاته متمثلة في مراحله التاريخية، وخصائص كل مرحلة، وظاهرة على رجال كل مرحلة كذلك، وقد أدى الخلط في هذا الباب إلى نتائج تعوزها الدقة المنهجية في كثير من الأحيان، ولنأخذ بعض الأمثلة في كلا الجانبين: الألفاظ – الأوصاف.
أ - ففي باب الألفاظ نذكر مثلا: الزهد – التوكل – الاتحاد –الفناء:
هذه ألفاظ دار حولها حديث طويل من حيث دلالتها وصلة هذه الدلالة بالفهم للإسلام، وبخاصة أن البعض ربط بين كلمات الصوفية في الزهد ودعوات بعضهم – مثل شقيق البلخي مثلاً – للقعود عن الكسب، كما ربط البعض بين التوكل والدعوى ذاتها، حتى إن ابن الجوزي اتهمهم بعدم الفهم ومجافاة ما يحب أن يكون، حيث تنكبوا الطريق الشرعي للحياة، فالتوكل عمل قلبي وثقة بالله لا تركٌ للعمل، ولا تعطيل للجوارح، ويستشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم تاجر حتى كُفِي العمل من الفيء.
وإن كنا نجد نيكلسون يقرر أن الصوفية بعد شقيق البلخي كانوا لا يرون الكسب منافيًا للتوكل.
أقول: لو رجعنا إلى أقوال الصوفية في الزهد وفي الكسب وفي التوكل وحددنا دلالة هذه الألفاظ عندهم وعرفنا موقفهم من العمل، ورفضهم لأصحاب دعوى القعود عن الكسب، لو رجعنا إلى أقوالهم لتحدد لنا رأيهم بدقة في هذه المفاهيم، ولكان لنا أن نحكم على مدى قرب منهجهم أو بعده عن دعوة الإسلام، ولتجنبنا الخلط الذي وقع فيه البعض حين فهم الزهد بمعنى خاص من بعض عبارات القوم، ثم عممه على الجميع، بل قرر أن الإسلام لا يفسح المجال لهذا الزهد.
ولست أريد هنا أن أفصّل القول في هذه المسألة، وحسبي أن أشير إلى عبارتين إحداهما للمحاسبي والأخرى لأبي طالب المكي، وهما نموذجان لكثير من القول يماثلهما عند الصوفية، ولهما دلالتهما في مسألة الزهد ومسألة التوكل.
يقول الحارث المحاسبي: "ولرب مكنز للأموال بغير الإكثار مشغول، ليس بذاكر دنياه، لأن الآخرة غلبت على مناه، تذكّره للدنيا تذكر من أراد فيها البلاغ، وحبه لها حب من لا يغيره تقلّب الأحوال، قلبه لغيرها ذاكر، وهو على ما أعطاه الله منها شاكر، إن أعطي منها لم يمنعه حلول النعمة عن أداء شركها، وأن مُنع لم يمنعه نزول البلية عن النظر إلى مواضع الخير، ولرب مقلّ قد ظهر الزهد على ظاهرة وبدنه وقلبه مشغولٌ بالرغبة؛ فقد استقلّ كل ما صار إليه من الدنيا وإن كان في العدد كثيرًا، ويستكثر ما بيد غيره وإن كان في العدد قليلاً".
ويقول المكي: "ولا يضر التصرف والكسب لمن صح توكله، ولا يقدح في مقامه من حاله، قال الله تعالى: "وجعلنا النهار معاشا" و "وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلّ ما أكل العبد من كسب يده، وكل بيع مبرور".
فمن أدرك دلالة الزهد والتوكل عند الصوفية كان له أن يقرهم على فهمهم الذي هو صدى لما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، وكان له كذلك أن يناقش البعض في قضية التوكل بين العامة والخاصة. وهذا طريق الحكم الحق والتوظيف الجيد للتراث. أما من لم يعنّي نفسه بالتحقيق في مراد القوم فقد سهل عليه أن يكيل لهم الاتهامات لموقفهم من الزهد والعمل والمال ونحو هذا، وحسب أنه بذلك قدّم للبشرية خيرًا.
وبالمقياس ذاته نقول: إن الصوفية في كلامهم عن الحب الإلهي، وهو نزع نصوص قرآنية وحديثية، عبروا عن أشواقهم بلغة جعلت البعض ينفر، ويتهمهم منذ فترة مبكرة -أي قبل التصوف الفلسفي– أنهم يقولون بالاتحاد، مع أن حقيقة ما دعوا إليه وما تغنوا به هو صدى للحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي".
وقد فطن ابن تيمية إلى الفرق بين هذا الاتحاد، والاتحاد الذي قال به البعض في مرحلة تفلسف التصوف "وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضي المأمور به، والمبغض المكروه المنهي عنه، وقد يقال له اتحاد نوعي وصفي، وليس ذلك اتحاد الذاتين فإن ذلك محال ممتنع، والقائل به كافر، وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم.. وأما الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فهذا تعطيل للصانع وجحود له، وهو جامع لكل شرّ".
وأما الفناء وهو عند الصوفية لازم المحبة حين تشتد وتسيطر، فإن هذا اللفظ كمّ جرّ المتعجلين في الحكم إلى تشنيع على كل الصوفية، وتنديد باللفظ في كل دلالاته، وهذا ولا شك يتناقض مع الدقة والمنهج.
ولكن تفحص أقوال الصوفية أدى بعالم محافظ كابن تيمية أن يقرر "الفناء الذي يوجد في كلام الصوفية يُفسّر بثلاثة أمور: أحدها: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته، وما يتبع ذلك، فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص.
الأمر الثاني: فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، فذاك فناء عن الإرادة، وهذا فناء عن الشهادة، ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه".
ويرى ابن تيمية أن هذا النوع فيه نقص، وأن شهود الحقائق أكمل، لكنه يقرّ أن البعض قد تغلبه المحبة فيسكر ويسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان، فيقول أقوالاً ظاهرها يخالف الشرع، ويرى أن الحكم عليه يكون ببحث سبب السكر فإن كان السبب حلالاً كالمحبة وشدة الذكر لم يؤاخذ بما قال، ونُبّه إلى عدم اتباع طريقته أو أقواله.
وهذان النوعان عند ابن تيمية مقبولان وعن النوع الثاني يقول: "وعامة ما نجده في كتب أصحاب الصوفية مثل شيخ الإسلام (يقصد الهروي الأنصاري) أن من قبله من الفناء هو هذا.. وفي الجملة فهذا الفناء صحيح".
لكن هذا لم يمنع ابن تيمية من أن ينكر النوع الثالث وهو الفناء عن وجود السوى الذي يرى أن الله هو الوجود، وأنه لا وجود سواه، وأنه عن الموجودات؛ لأنه يخالف الشرع، وما به قال المحققون من مشايخ الصوفية.
ب - وفي باب أوصاف التصوف تذكر أن هناك التصوف السني، والتصوف الفلسفي:
وهذا التحديد مهمّ لأننا إذا كنا نقرأ التصوف السني فنحن نقيمه ونفيد منه في ضوء خصائصه التي استخلصها من نصوصه المحققون من العلماء، وننظر إلى رجاله في ضوء ارتباطهم بالمصادر الإسلامية، وعدم تأثرهم بالفلسفة والأثر الأجنبي بعامة، وإذا وجد لدى بعضهم بعض الأثر الأجنبي كالحلاج عند البعض، والبسطامي عند البعض.
فإن هذا لا يمثل ظاهرة في التصوف السني وبخاصة في مراحله الأولى (القرنين الثالث والرابع الهجريين) الأمر الذي جعل البعض يعتذر عن الحلاج، ويوضح أن الحلول عنده لم يكن حقيقيًا وأنه كان مجازيًا، ومستندًا في ذلك إلى عبارة نقلها السلمي عنه (ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به) "وهذا قد يعني عنده أن الإنسان الذي خلقه الله على صورته هو موضع التجلي، فهو متصل بالله غير منفصل عنه بهذا المعنى، ولكن تجلي الله للعبد أو ظهوره من حيث صورته فيه ليس يعني اتصالاً بالبشرية حقيقيًا".
وقد فسرت أقوال الحلاج والبسطامي تفسيرًا نفسيًا من حيث غلبة الوجد، وفرط المحبة الأمر الذي أشار إليه ابن تيمية في حديثه عن الفناء كما سبق أن أشرنا.
... أما إذا كنا نقرأ في التصوف الفلسفي حيث النظريات التي يصعب تأويلها أو الاعتذار عنها لتتفق مع الإسلام فإن الأمر يختلف تمامًا، فنحن هنا لا نقرأ تصوفًا جل اهتمامه بالأخلاق والتربية "السابق"، بل نقرأ فكرًا روحيًا أُشْرِب مضامين الفلسفة، وهنا سنلتقي بالنظريات التي هي موضع الرفض لدى مجموع العلماء والدارسين مثل الاتحاد ووحدة الوجود؛ الأمر الذي جعل من الصعب أن تسمي هذا النوع تصوفًا خالصًا أو فلسفة خالصة، وعلينا أن ندرك –ونحن نقرأ هذا النوع من التصوف- أنه وإن اشترك مع التصوف في اسمه وبعض خصائصه "إلا أن أولئك المتفلسفة زادوا على المتصوفة السنيين بأمور: أولها: أنهم أصحاب نظريات أو مواقف من الوجود، بسطوها في كتبهم أو أشعارهم، ولا يمكن أن توصف عبارتهم فيها بأنها من قبيل الشَطَح الذي لا يسأل عنه أصحابه، وثانيها: أنهم أسرفوا في الرمزية إسرافًا إلى حد بدا معه كلامهم غير مفهوم للغير، وثالثها: اعتدادهم الشديد بعلومهم وأنفسهم وهو اعتداد إن لم يلازمهم كلهم، فقد لازم أكثرهم على الأقل".
والذين لم يفرقوا بين أنواع التصوف وقعوا في خلط شديد، فهم يرفضون الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وهي من التصوف الفلسفي من جهة، وموضوع نقد مؤرخي التصوف وشيوخه من جهة أخرى، لكنهم يسحبون ما يرفضونه من التصوف الفلسفي على كل التصوف ولا يفرقون بين رجال وشيوخ هذه المرحلة أو تلك.
أما الذين فرقوا بين تصوف استمد مصدره من الكتاب والسنة وإن صاحبته بعض الاجتهادات وظروف التاريخ، وتصوف غلبت عليه الفلسفة ونظريات تفسير الوجود، فهؤلاء فرقوا بين المشايخ وفق ما عُلم عنهم من ضبط والتزام، فكان قبول ابن تيمية لحديث الجنيد عن التوحيد، ورفضه تأويل ابن عربي في الموضوع ذاته.
وكانت كثرة نقول الشيخ عن الجيلاني واستشهاده بأقواله في مواضع مختلفة من كتبه، وكان كذلك توضيحه لموقف شيوخ الصوفية الأوائل من قضايا العقيدة، والسماع ونحو ذلك بما ينصف المحسن، ويحذر من غيره.
وليس معنى التحديد أننا نقبل نوعًا ما جملة، أو نرفض نوعًا آخر من التصوف جملة، فهذا مرتبط بالدراسة وتحليل النصوص، لكننا نعني بالتحديد أنه يساعدنا أن نعلم ماذا نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ويبعدنا عن المدح أو القدح دون أسباب أو أدلة كافية لأي منهما.
ولا شك أن الوعي بالمراحل التاريخية التي مر بها التصوف الإسلامي له أثره في طبيعة التقويم والحكم، وفي كيفية الاستفادة من إيجابيات مرحلة ما، أو تجنب سلبيات مرحلة ما، فالتصوف الإسلامي في مرحلة تحديد المصطلح وثباته علمًا بين العلوم وثيق الصلة بمصادر العلم والحياة الإسلامية، يختلف عنه في مرحلة كونها أصبح طرقًا ومؤسسات اجتماعية، على أن الاختلاف لا يعني انبتات الصلة بين مرحلة وأخرى، ولكن يعني أن كل مرحلة لها خصائصها وتوجهاتها وتراثها الذي يبرز هذه السمات، والتي تمكننا من التقييم والإفادة.
والشيء نفسه نجده حين نقرأ التصوف الإسلامي في طرقه المعاصرة في ظروف استعمار بعض البلاد، وتدني مستوى التعليم والفهم الإسلاميين وهو ما يحبذ ضرورة العناية بالناحية الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى.
قلت: القراءة وفق هذه التحديدات وأمثالها تفسر كثيرًا من المسائل التي دار حديث حولها، فقد يتضح أن الخلاف لفظي بين المادحين للتصوف والقادحين فيه لأن المادحين يمدحون نوعًا ومرحلة من التصوف، والقادحين يقدحون في نوع آخر غير النوع والمرحلة السابقة، وبخاصة إذا عرفنا أن النوع الذي ذمّه القادحون ذمّه الصوفية أنفسهم وسجل هذا مؤرخوهم كما فعل القشيري في رسالته، وكما فعل الهروي الأنصاري في منازل السائرين. وكما فعل الغزالي في المقصد الأسنى، وإن كان هذا لم يمنع الغزالي من الاعتذار عن بعض أقوال الصوفية التي يمكن توجيها من خلال الظروف النفسية للحالة التي كانوا هم عليها، من حالات الوجد كما فعل في مشكاة الأنوار.
كذلك يفسر لنا هذا الوعي ثقة العلماء المحافظين في بعض شيوخ الصوفية ويسمونهم بالمحققين كما فعل ابن تيمية وابن القيم مع الجيلاني وقبله الجنيد والسقطي ومن على شاكلتهم، في الوقت الذي يتعقب فيه أمثال الحلاج وابن عربي والتلمساني وغيرهم، وما ذاك إلا لأن الشيوخ الموثوق فيهم أبناء مرحلة وأصحاب ذكر يختلف عن غيرهم من أصحاب النظريات المتأثرة بالأثر الأجنبي أيًا كان مصدره.
كما يفيد هذا الوعي بالمراحل والسمات في محاولة إصلاح ما قد يكون من انحراف في بعض طرق التصوف المعاصر، وبخاصة إذا علمنا كثرة أتباعها من العامة والبسطاء ومدى تأثيرها فيهم، وذلك من خلال ما التزم به التصوف السني في مجالسه الأولى وطرقه المنظمة في القرن السادس الهجري وما بعده، وكيف حرص شيوخه على الالتزام بالشرع في فكرهم، وممارساتهم الروحية، وحركتهم الاجتماعية وحرصهم على تنقية صفوفهم من الأدعياء والمغالطين.
وبالطبع لا نستطيع أن نتلمس هذا الإصلاح في التصوف الفلسفي لأنه هو ذاته جزء من مشكلة البعد عن الحياة الإسلامية النقية، فضلاً عن أثره بشكل أو بآخر في بعض هذه الطرق الغالية في العصر الحديث، ونحن نريد أن ننهض بالجانب الروحي للإنسان المعاصر وفق منهاج الإسلام في تنمية هذا الجانب، كما كان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكما اجتهد محققو الصوفية في فهمه ومحاكاته.
طالع بقية محاور الدراسة:




















