مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

المرأة في الرؤية الإسلامية.. واجبات لا حقوق

فكرة الحق في الإسلام مقارنة بالفكر الغربي

 01-07-2001

Image
التصور الإسلامي مبنيٌ في ظني على أساس التكوين الجماعي للمجتمع، وليس على أساس التكوين الفردي، وهو في الغالب الأعم ينظر للفرد في إطار وجوده الجماعي، ومن ثم على أساس التكوينات المؤسسية التي تنظم هذه الجماعات وتتحدث باسمها. ولأن هذا هو التصور فقد قام النسق الحقوقي للفرد في الإسلام مصاغًا في صورة واجبات؛ فحقوق الزوجة في الأسرة تحددها واجبات الزواج، وحق الولد في النفقة من أبيه يحددها واجب إنفاق الأب على ابنه، وحق الجار من واجب الجار الآخر إزاءه…

هذا الأسلوب في صياغة حق الفرد بأنه واجب على الغير إزاءه يتفق مع التكوين المؤسسي الذي يتكون بهذه الطريقة، طريقة بيان ما على أعضاء هذا التكوين من واجبات لغيرهم من الأفراد داخل الجماعة وللجماعة كلها. وهي صياغة توقظ في الفرد دائمًا مثيرات العطاء لا مثيرات الأخذ، كما يُعبَّر أحيانًا في النظرية القانونية الوضعية عن الحق بوصفه التزامًا.

إن الصياغة الليبرالية للفكرة الحقوقية في الغرب، تنظر إلى الفرد كما لو أنه مستقل عن الجماعة في تصوره الأصلي، أي أنه في البدء كان فردًا ثم دخل الجماعة متنازلاً عن بعض حقوقه لتحمي له الجماعة حقوقه الباقية، فظهرت فكرة الحق في تصور فردي. وهذا التصور غير صحيح؛ لأن الفرد لم يكن خارج جماعة قط منذ مولده وحتى وفاته، ولأن اندراجه مع الجماعة لا يفقده حقوقًا فردية له، بل يكسبه هذه الحقوق، والحق "علاقة"، ولا يمكن فهم حق الفرد دون آخرين تقوم معهم هذه العلاقة.

كما أن وضع الفكرة الحقوقية بهذا التصور الليبرالي، الذي يؤكد على الحق، إنما أقام الحق في مواجهة الغير، فصار حق الفرد ينتهي عندما يبدأ حق غيره، وحريته تقف عند بدء حرية غيره. وهكذا صار وجود الآخر يشكل قيدًا، وهو نوع من الانتقاص؛ لذلك يصعب فهم الفكرة الحقوقية الغربية بدون مفهوم الصراع.

وقد انسبغ ذلك على وضع المرأة في الغرب، فصيغت حقوقها في مواجهة الرجل على أن كسبها يتأتى من صراعها معه، حتى في العلاقة الزوجية. وغابت عن هذا التصور فكرة المساكنة بين الزوجين التي أوردها القرآن الكريم، وفكرة البناء المشترك للأسرة كمؤسسة اجتماعية تتولد الحقوق فيها عن التكاتف والتآزر لا الانتقاص من حق الآخر.

وهنا نلمح جزءًا هامًا لخلاف جوهري بين التصور الإسلامي والتصور الغربي. فالخطاب الإسلامي موجه في الأساس للجماعات، والإنسان وسط الجماعة لم يتنازل عن حق، بل ينشأ عنه ذلك الحق وتنشأ معه حريته في إطار الاجتماع، والواجب عليه هو حق الآخرين. وهذا الأمر ينطبق على رؤية حق المرأة في إطار علاقتها بالرجل. فتلك العلاقة الأخيرة ليست صراعية، فلا ينتقص حق طرف من حق الطرف الآخر، بقدر ما إن حق كل طرف لا يتأتى إلا من خلال العلاقة مع الطرف الآخر.

تابع معنا بقية محاور المقال: