مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

تحديات الهندسة الوراثية للعالم العربى والإسلامى

 01-04-2000

إن مواجهة الهندسة الوراثية تتطلب مزيجًا من الواقعية والرؤية والخيال لاقتناص الفرص السانحة وترويض المخاطر الكامنة، وذلك من خلال فهم قوانين تقنية الهندسة الوراثية وتطويعها لتحقيق مصالحنا. وهو الأمر الذي يواجهه العالم العربي والإسلامي بأسئلة عسيرة تحتاج إلى قدح زناد العقول وبذل الجهود للحوار والمناقشة، قبل أن نتحول إلى متفرجين ومستهلكين، وقبل أن تنهب ثرواتنا الجينية ونفقد الميزة النسبية لمنتجاتنا العربية.

الهندسة الوراثية : إلى أين نحن سائرون؟

شهدت حضارة الإنسان وتطوره التقني فى العصر الحديث قفزات وطفرات وثورات علمية أحدثت تغييراً وتطوراً جوهرياً فى الحياة البشرية، فالأحداث العلمية تتوالى بسرعة مذهلة، وآثارها لا يكاد يدركها خيال؛ فمن ثورة التركيب الذرى، إلى ثورة الإعلام، إلى ثورة الاتصالات، إلى ثورة الفضاء، إلى ثورة الإلكترونات، إلى ثورة المعلومات، إلى ثورة الذكاء الاصطناعي، ثم إلى ثورة الهندسة الوراثية. فأن ننزعج قليلاً خير لنا من أن نظل أسرى تراث من الأفكار القديمة دون أن ندرك حجم ما يواجهنا من تحديات وحقيقته، ولكي نكون منصفين مع أنفسنا فلا بد أن نعرف أننا نعيش في مرحلة تحدٍ علمي تقني. إنها حقبة من الزمن تزيد فيها إنجازات العقد الواحد من التطورات والتحولات والاختراعات العلمية التقنية الكبرى على إنجازات ألوف السنين التي عاصرتها الإنسانية. هذه الإنجازات يمكن أن تنتج مفارقات كبيرة تمتد لأجيال عديدة في المجتمعات التي لا تملك أسباب العلم.

الهندسة الوراثية والعالم العربي

لقد امتدت تطبيقات الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية إلى جميع أوجه حياتنا اليومية؛ مما يصعب معه أن تقوم دولة بمفردها بإعداد خطة تنمية اقتصادية للاستفادة من هذه الثورة الصناعية لزيادة معدلات إنتاجها القومي وبناء كفاءات بشرية واستمرارها. ولما كانت دول الوطن العربي بما تملك من مقومات وأسس مشتركة ومبادئ وقيم دينية وأخلاقية تفرض عليها الحفاظ على شكل من أشكال التقارب والتعاون فيما بينهم لتحقيق التكامل العربي المنشود وخصوصاً ما ينعكس على مستقبلها الاقتصادي والحضاري ووجودها بوصفها كياناً مؤثراً في خريطة العالم المستقبلية فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: أين هو العالم العربي من هذا كله؟

لقد قامت بعض الدول العربية مثل مصر والسعودية والكويت والأردن وتونس والمغرب بإعداد خطط (إستراتيجيات) قومية للهندسة الوراثية والتقنية الحيوية بما يوافق ظروفها المحلية. كما قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1989م بتنظيم عقد المؤتمر الأول لآفاق التقنية الحيوية المتقدمة في العالم العربي بالاشتراك مع عدد من المؤسسات والجهات العلمية العربية. وفى عام 1991م تم إقرار دراسة عن وضع الهندسة الوراثية في العالم العربي.

لكن بعد أن فاتنا عصر الذرة والحاسوب والفضاء فإن العالم العربي مطالب بتكثيف الجهود لكي نلحق بركب الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية، ولكي لا نظل جزءاً منعزلاً تقنياً عن العالم وعن بعضنا. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق تحديد أسس الاستفادة المثلى عربياً من هذه التقنية، وتحديد منطلقاتنا ومبادئنا وأهدافنا وآلياتنا من أجل الاستخدام الأمثل للطاقات البشرية والإمكانات المادية والتقنية المتاحة.

ويمكن أن يتم ذلك باتباع الخطوات الآتية:

* جمع المعلومات والبيانات عن الخبرات المكتسبة والممارسات المتبعة عالمياً في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية وتوثيقها، وتشخيص فجوات المعرفة والإدراك، والسعي إلى بناء قاعدة علمية "عربية" لنقل المعرفة العلمية البيتكنولوجية وتوطينها، مع عدم إهمال عمليات تطوير التقنيات المحلية واستخداماتها.

* اعتماد الميزانيات والتعجيل في تطبيق جميع الإجراءات والتدابير الفاعلة المؤثرة.

* إصدار القوانين والأنظمة والتشريعات اللازمة.

* إنشاء المركز العربي للهندسة الوراثية والتقنية الحيوية.

المركز العربي للهندسة الوراثية والبيوتكنولوجيا في عام 1945م وجدت الدول الأوروبية نفسها متخلفة عن ركب العلم الأمريكي في مجال بحوث الجسيمات الأولية، ولم يكن باستطاعة أي منها منفردة أن تنهض بهذا العبء بسبب تكاليفه المالية الباهظة. وقد تعاونت الدول الأعضاء "لإنشاء المركز الأوروبي للبحوث النووية" المعروف باسم سيرن Cern، ليصبح أهم صرح علمي في مجال الجسيمات الأولية. وكذلك بعد هزيمة اليابان بسلاح غامض ومهلك لا قدرة لها على مقاومته قال حكيم ياباني: "لقد هُزِمنا بسلاح صنع في المعمل، وعلينا أن نبدأ من جديد في المعامل".

وبعد أن تلقى العالم العربي الكثير من الهزائم والنكسات بأدوات تقنية تمت صناعتها في المعامل، وتحول إلى مستهلك أو متفرج على هذه الأدوات التقنية، فقد حان الوقت لأن يكون للعالم العربي نصيباً - ولو ضئيلاً - في استثمار تقنية الهندسة الوراثية والمشاركة في تشكيلها وتطبيقها؛ حتى لا يزداد اتساع الفجوة الحضارية الضخمة التي تباعد بيننا وبين الدول الصناعية الكبرى، ولا سيما أن العالم العربي يمتلك أسس هذه التقنية، وهى الموارد الوراثية. ويمكن أن يحدث ذلك بإقامة المركز العربي للهندسة الوراثية والبيوتكنولوجيا. ويمكن لهذا المركز أن يقوم بالأنشطة العلمية الآتية:

* تنفيذ البحوث الأساسية والتطبيقية في مجالات تقنية الطب البشرى الجيني، وتقنية الطب الشرعي الجيني، وتقنية الهندسة البروتينية الصيدلية، وتقنية المعالجة الحيوية، والتقنية الحيوية البيئية، وتقنية الاستنساخ الحيوي النباتي والحيواني، وتقنية إنتاج الكائنات المعدلة وراثياً، والتقنية الحيوية البحرية.

* حماية الموارد الوراثية واستغلالها عن طريق إنشاء "بنك الجينات".

* وضع خطط للإعلام والتعليم البيتكنولوجي وتنفيذها.

* وضع الإطار القانوني لحماية الملكية الفكرية البيوتكنولوجية.

* وضع خرائط استثمارية بيوتكنولوجية للاستخدام في الإنتاج الصناعي والزراعي، مع ترجمة تلك الخرائط إلى مشروعات إنتاجية محدداً بها مختلف مؤشرات الجدوى الاقتصادية.

الهندسة الوراثية والعالم الإسلامي

غزت الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية كل مجالات البحث العلمي، مما يلقي على عاتق العلماء والباحثين مسئولية جسيمة. ويواجه هؤلاء الباحثين للمرة الأولى سؤالان عسيران: إلى أي مدى يجب أن يستمروا في أبحاثهم؟ وكيف يمكن تطبيق نتائج هذه الأبحاث؟

إنه لا يوجد حدود للمعرفة فهي فخر وشرف للبشرية. فنحن المخلوقات الوحيدة القادرة على فهم بيئتها والتأثير فيها. ولا يجوز تحت أي ظرف وقف الأبحاث أو حتى تباطؤها بل يجب أن تستمر بشرط أن تحترم الدراسات القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية. كما يجب أن تستخدم النتائج لصالح البشرية، ولا تنحرف لخدمة مصالح بعض الأفراد أو المجتمعات المتطرفة؛ إذ أن الاستخدام غير الحكيم للتقنيات البيولوجية الجديدة يمكن أن يفرز نتائج مفزعة. إن الدلائل كافة تعلن صراحة أن البشرية تتجه الآن وبسرعة رهيبة إلى عالم مختلف غريب ومثير وبالغ الخطورة اسمه عالم الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية. لقد حدث جنوح بالهندسة الوراثية عن مسارها الصحيح من جانب أصحاب المذاهب والفلسفات التي تخلت عن الإيمان والسمو الروحي وبالغوا في تقديسها وتمجيدها؛ مما أدى إلى ظهور أصحاب "النزعة العلمية المتطرقة" الذين يردون كل شيء إلى العلم البشرى، ولا يسلمون إلا بمنهجه والحقائق التي يتوصل إليها؛ سواء أكانت نظرية أم عملية. كما ظهر أصحاب "النزعة التقنية المتطرفة" الذين يحسبون أنفسهم الأقدر على التحكم في هندسة المعرفة والأحق بإدراة المجتمع البشرى والسيطرة عليه. وإذا ما غرق العلم والتقنية في ذاتية الإنسان على هذا النحو -بعيداً عن القيم الإسلامية الهادية- فإنّ كلاً منهما سوف يخفق لا محالة في مهمته وينحرف بالناس عن جادة الطريق المستقيم. وليس هناك شك في أن تطبيقات الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية تفرض على العلماء المسلمين التزامات جديدة، وتثير مسائل أخلاقية صعبة. إن كل تقدم تقني له جوانبه الإيجابية والسلبية، وعلى المجتمع الإسلامي أن يجني منه الثمرات، بينما يبعد بقدر الإمكان عن المخاطر والانحرافات المحتملة حتى يميل الميزان إلى الميزات.

ولا يمكن إنكار أنه على المدى الطويل ستكون الهندسة الوراثية لها مزايا هائلة. لقد أدرك العالم الغربي خطورة الأمر -فهم يشاهدون نتائج تطبيقات الهندسة الوراثية بشكل يومي - فسنت أكثر من 25 دولة أوروبية قوانين صارمة للسيطرة على كل كبيرة وصغيرة في مجال الهندسة الوراثية أسوة بما هو متبع حيال تجارب الانشطار النووي وتصنيع القنابل النووية وامتلاكها. أما العالم العربي والإسلامي فيرون أن إصدار الحكم أمر سابق لأوانه، ولم يفعلوا شيئاً جدياً وأرجأوا الموضوع إلى أن يصبح واقعاً فعلياً، وإلى أن يصاب الجميع بالصدمة لهول ما حدث، وما زال الموضوع في إطار التساؤلات.

إن أول آية نزلت على الرسول -صلى الله عليه وسلم- تدعو إلى القراءة التي هي المفتاح الأساسي لطلب العلم، وقد أخذ المسلمون الأوائل بهذا النهج، وتبحروا في العلوم والترجمة عن الدول التي سبقتهم في ميادين العلوم حتى استطاعوا أن يصنعوا حضارة مادية مرتبطة برباط شرعي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن للعالم الإسلامي أن يلحق بركب ثورة الهندسة الوراثية دون أن يؤثر ذلك في ثوابتنا؟ كيف يمكن الخروج من التخلف العلمي والتقني الذي يعانى منه المسلمون في القرن العشرين ومواجهة روح العصر بلغة إسلامية تستند في مضمونها إلى القرآن والسنة؟

وتعد الهندسة الوراثية علماً له أصوله وقواعده وأهدافه، وهو يبحث في قضايا دقيقة وحساسة لتعرف المزيد من الأسرار التي يتضمنها هذا الكون وما فيه ومن فيه، وكل يوم يخرج علينا هذا العلم بما هو جديد ومثير، مما يؤكد عظمة الخالق وقدرته في الكون، وعجز العلم الحديث بوسائله وعلمائه عن معرفة الأسرار التي أودعها الله في خلقه ومخلوقاته. ولكن هناك بعض التجاوزات العلمية والدينية والأخلاقية المحيطة ببعض تطبيقات الهندسة الوراثية، والتي أدت إلى إثارة ضجة كبيرة على مستوى العالم كله، واعتبره بعضهم تجاوزاً لحدود العقل والمشروعية وعبثاً بالحياة الإنسانية واعتداء على كرامة البشر.

معظم الدول الإسلامية تدخل في نطاق الدول النامية التي لا تزال بعيدة من مجال الهندسة الوراثية. فالهندسة الوراثية محتكرة في الدول الصناعية الكبرى ويمكن أن تكون سلاحاً مدمراً لو أساء البعض استخدامها. وهذا ما يدفع إلى المطالبة بضرورة دخول العالم الإسلامي إلى هذا المجال الحيوي المهم حتى لا يعتمد على علماء الغرب وحدهم في توظيف هذا العلم لخدمة قضايا تنموية في بلاد المسلمين؛ لأن الضوابط الأخلاقية في هذه الحالة غير مضمونة والانتماء غير متوافر.

فعلى سبيل المثال في الوقت الحالي لا نستطيع التمييز بين العامل الوراثي (الجين) المنقول من الخنزير لاستخدامها في صناعة الجبن والسجق والأدوية، والعوامل الوراثية الأخرى (الجينات) المستخدمة في الأصناف نفسها؛ الأمر الذي يفرض على العالم الإسلامي أن تكون لديه رؤية مستقبلية في مجال الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية ترتكز على الأسس الآتية:

* وضع منهجية إسلامية رشيدة للأخلاقيات، بحيث تلتزم تعاليم الإسلام، وتمثل مقاصده وقيمه وغاياته دون أن تعطل العقل أو تعوق حرية البحث والتفكير؛ لأن مادة البحث التي تتعرض لها الهندسة الوراثية هي كل الكائنات الحية التي خلقها الله سبحانه وتعالى، ولأن واجب البحث فيها فريضة إسلامية من أجل إعمار الحياة على الأرض وترقيتها.

* توضيح موقف الشريعة الإسلامية من مختلف قضايا الهندسة الوراثية لحماية المجتمعات المسلمة من أخطارها وما تجلبه من مفاسد وشرور، وإبراز البعد الإسلامي في خدمة الإنسان والمجتمع، ووقايته وتحصينه ضد اندفاعات الغرب المتهورة، التي تضر بالإنسان وفطرته السليمة وتتنافى مع تعاليم الإسلام.

تابع معنا بقية محاور الدراسة: