منهجية تحليل التراث السياسي الإسلامي
الإطار الاجتهادي المتغير في المنهجية الإسلامية
1 - سواء كُتبت من موقع المشاركة السياسية والتعامل مع السلطة (أدب النصيحة السياسية بوجه عام أو مرايا الأمراء).
2 - أو كانت في موقع معارضة السلطة السياسية والخروج عليها كالكتابات المتعلقة بولاة الأمور، وأحكام التغلب، وفقه الخروج.
والذي نركز عليه في هذه الدراسة ليس الجوانب المضمونية أو موضوعات هذه الاجتهادات السياسية، ولكن منهجية التعامل معها. ويمكن أن نميز في هذا الإطار الاجتهادي بين التراث السياسي الإسلامي والتعامل معه منهجياً، والتعامل مع قضايا الواقع السياسي بظواهره وأحداثه الفعلية على النحو التالي:
1 - التعامل المنهجي مع التراث السياسي الإسلامي:
دون دخول في جدل التعريفات حول تحديد ماهية التراث السياسي الإسلامي، فإنه يمثل الاجتهادات في التعامل مع قضايا الواقع السياسي المعين (الماضي) والذي جسدته كتابات الفقه السياسي، والفلسفة السياسية، والسير والمغازي، والخطب والوثائق السياسية.. إلخ، وقد تعاملت معظم الدراسات السياسية الإسلامية مع هذا التراث وفق منطلقين منهجيين:
الأول: محاولة ما يسمى إحياء التراث السياسي الإسلامي؛ وتتمثل في إعادة اجترار بعض الكتابات في الفقه السياسي من قبيل الأحكام والآداب السلطانية، وقوانين الوزارة … إلخ، ومحاولة اصطناع أوجه تشابه بينها وبين بعض الأنظمة السياسية المعاصرة أو الحديثة، والقول بأن هذه تحوي من باب التفاخر السياسي ما يضارع أرقى ما وصلت إليه النظم السياسية المعاصرة في قضايا محددة. وهذا الاتجاه ليس أكثر من إعادة نشر وطباعة بعض الدراسات التراثية ذات الطابع السياسي العام والتي تدخل في نطاق تاريخ الأفكار السياسية، وهي تحتوي على خلل منهجي؛ إذ تعبر عن سيادة عقلية التقليد والجمود؛ إذ لا يستطيع أحد أن يكرر في الواقع الحالي أو يقلد خبرة تطبيقية (ما عدا الخبرة النبوية وخبرة الخلافة الراشدة في دلالتهما العامة باعتبارهما تعبيراً عن سوابق تشريعية ملزمة) مهما كانت ما دامت تخضع لمحدودية الزمان والمكان.
الثاني: محاولة ما يسمى الجمع بين الأصالة والمعاصرة - ولو في أحد معانيها - والتي تقوم علي الانتقاء من التراث السياسي الإسلامي ما يوافق العصر ويستجيب لتحدياته وهي دعوة وسطية توفيقية شائعة، ولكن إشكاليتها في المنهجية وبالتحديد في المعيار الذي أساسه يتم الاختيار والانتقاء (العصر)؛ فما هو العصر تحديداً: هل هو فترة زمنية ومرحلة تاريخية نعيشها، أم أن العصر ليس الزمن فقط وإنما منظومة القيم السائدة فيه، والرؤى المعبرة عنه، والسائدة في هذه الفترة؟ وبالتالي التساؤل يكون حول طبيعة هذه المنظومة القيمية، ومدي تعبيرها عن الحضارة المهيمنة والسائدة؟ وماهية المنطق الذي يجعل العصر - وهو ليس عصرنا على الأقل معرفياً ومنهجياً - معياراً صالحاً يتم على أساسه تقييم التراث السياسي للخبرة التاريخية للأمة ككل، والانتقاء والاختيار منه. فالمعيار الذي يتم على أساسه الاختيار هو نفسه الموضوع الذي يتم اختياره، وبالتالي هو غير مستقل، ومن ثم تُثار التساؤلات الحقيقية حول مدى صحته وصلاحيته.
وإذا كان المنطلق الأول المتعلق بإحياء التراث السياسي الإسلامي محدود في جدواه وغير مقبول منهجياً، فإن المنطلق الثاني يحتاج إعادة تحديد لطبيعة المعيار الذي يتم علي أساسه الانتقاء والاختيار بحيث يكون معياراً منضبطاً ومستقلاً عن واقع الموضوع الذي يتم التعامل معه في نفس الوقت. والذي نراه أن هذا المعيار يجب تأسيسه من واقع التفاعل المنهجي بين جانبين:
الأول: الجزء الثابت من المنهجية الإسلامية وفق أصول التعامل المنهجي الذي أشرنا إليه.
والثاني: القضايا والأحداث السياسية الحقيقية التي يعيشها المجتمع المعين بحيث يتم تحديدها بطريقة علمية منضبطة.
وفق هذا المعيار التفاعلي يمكن قراءة التراث السياسي الإسلامي بأبجدية إسلامية عبر نظرة كلية يتم على أساسها استخراج مفاهيمه الأساسية، وجوهره الذي يمكن الإفادة منه في تأصيل قضية ما، أو التعامل مع موضوع أو مشكلة معينة، وفي هذا الإطار نضرب مثالاً بمصدرين من مصادر التراث السياسي الإسلامي.
(أ) الفقه السياسي الإسلامي: وهو من أهم مصادر ومكونات التراث السياسي الإسلامي، أياً كان موقع صاحبه ومنتجه أو طبيعة علاقته بالسلطة السياسية، فإنه يمكن دراسته وفق المعيار السابق عبر الأداة المقارنة والتي أطلق عليها في تاريخ التراث الفقهي الإسلامي "الأشباه والنظائر"، و"الفروق". وهي تتم على مستويين:
أ - مستوى المقارنة الداخلية: حيث يمكن أن نقارن بين مختلف القضايا التي تثيرها دراسة الظاهرة السياسية المعينة، وبالتالي نقارن بين مختلف التصورات الفقهية أو الذاتية المتعلقة بجوانبها داخل إطار الفقه الإسلامي بمدارسه ومذاهبه المتنوعة، لكي نصل إلي الموحدات والمفرقات بينها بصدد الظاهرة السياسية المحددة: كالدولة والأمة والسلطة السياسية.
ب - أما المستوي الثاني ، فهو مستوى المقارنة الخارجية: حيث يتم وضع كل ما سبق موضع المقارنة مع ما يقدمه الفقه السياسي العالمي بمدارسه المختلفة عبر نفس الأداة المقارنة وبيان نفس الموحدات والمفرقات بصدد ذات الظاهرة السياسية.
(2) الوثائق والخطب السياسية: تعد مصدراً بالغ الأهمية في التراث السياسي الإسلامي لم يتم الالتفات إليه كثيراً، وهو يشمل الكثير من المكونات مثل: الخطب، والرسائل الموجهة من الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده، وكذلك الاتفاقيات والمعاهدات.. إلخ. وهي مادة متنوعة الأهداف والأغراض، تبدأ من الدعوة للإسلام، مروراً بكيفية ممارسة الحكم، أو الجهاد، أو القضاء في المنازعات، أو التدبر / كيفية التخطيط السياسي لأحداث أو وقائع معينة.
والواقع أنه يمكن في هذا الصدد استخدام منهجية تحليل النص السياسي وذلك "لاكتشاف الإدراك القيادي لجوهر أية ظاهرة سياسية، وأبعادها، وكيفية ممارستها. وبالطبع، فإن الإدراك القيادي للرسول صلى الله عليه وسلم من طبيعة مختلفة إذ يعبر عن سوابق تشريعية حاكمة لما بعدها. فالتصرفات والأفعال السياسية التي قام بها بصفته القيادية هي من هذا القبيل، وتمكننا منهجية تحليل النص السياسي بهذا المعنى من رؤية الممارسة السياسية بكل مظاهرها الواقعية وتجلياتها الفكرية، فهي تبلور هذا الإدراك القيادي في تفاعله مع الوقائع والأحداث؛ فنكون أمام نماذج تاريخية للممارسة متعلقة بالدلالات النظامية والحركية، ويمكن أن نقيس مدى قربها أو بعدها عن النسق القياسي للظاهرة السياسية المعينة، والذي نقوم بتأسيسه من خلال الإطار الذي يتمتع بقدر من الثبات في المنهجية الإسلامية.
2 - التعامل المنهجي مع الوقائع أو الأحداث السياسية في الواقع المعاصر:
يعد هذا المستوي من أهم المستويات التي تتعامل معها المنهجية الإسلامية حيث يتم الجمع بين نوعين من الفقه: "فقه الحكم الشرعي"، و"فقه الواقع: أي فقه الجوانب الثابتة، وعملية تطبيقها على مستجدات الواقع وظواهره المختلفة وفق آليات معينة للقيام بعملية التنظير السياسي. وتقدم منهجية أصول الفقه عدة مداخل منهجية يمكن الاعتماد عليها وتطويرها لدراسة الواقع السياسي، ومنها:
أ - مدخل "المصلحة الشرعية" أو "الاستصلاح"، باعتبارها إطاراً ضابطاً لعملية الممارسة السياسية، حيث إن السياسة هي العمل بالمصلحة الدائرة في إطار الشرع والمحققة لمقاصده، وهي مدخل أكثر ضبطاً وتحديداً للممارسة السياسية من مفهوم "المصلحة القومية" أو " المصلحة الوطنية" أو النظام العام في الإطار المعرفي والمنهجية الوضعية.
ب - مدخل "الضرورة الشرعية" باعتبارها إطاراً ضابطاً لعملية الممارسة السياسية في الأوضاع والظروف الاستثنائية والطارئة، والتي تقدر بقدرها حتى لا تتحول إلي أوضاع مستقرة ودائمة.
جـ - مدخل القياس بمعنى مراعاة المصالح في السياسات المختلفة مع ربطها في أدائها، وشرعيتها بأصل معين له علة معتبرة شرعاً.
د - مدخل الذرائع المرتبط بإنجاز وتحقيق المقاصد، والذي يطلق عليه البعض "مدخل أصل اعتبار المال المترجم لعلاقة الذرائع بالمقاصد، والذي يفيد في تحديد الوسائل والمؤسسات والأدوات السياسية المنوط بها تحقيق الأهداف والقيم السياسية المختلفة.
وهناك الكثير من المداخل الأصولية المنهجية الأخرى التي يمكن تطويرها لكي تساعد في فهم الواقع السياسي، وتحليله بطريقة أكثر تحديداً وانضباطاً. وهكذا يتم التمييز بين المستويات الثلاثة: النصوص الشرعية، والتراث الفكري السياسي الإسلامي، والواقع والممارسة السياسية لأغراض الدراسة، إذ ثمة تداخل واقعي بينها، إلا أن النصوص الشرعية تظل المرجع الأساسي للتنظير السياسي في تقديمه لحلول لمشاكل الواقع في ضوء الاستئناس بخبرة التراث الفكري السياسي الإسلامي.
3 - مستويات التنظير السياسي للظواهر السياسية المختلفة في إطار المنهجية الإسلامية:
يمكن أن تتم عملية التنظير السياسي انطلاقاً من المنهجية الإسلامية لأية ظاهرة أو واقعة سياسية محددة على مستويات ثلاثة وهي:
المستوى الأول: التأصيل التجريدي الذي يحدد جوهر الظاهرة أو الواقعة السياسية موضع الدراسة، ويعين أبعادها وجوانبها الأساسية. وهذا المستوى يتم بناؤه من واقع الجزء الثابت في المنهجية الإسلامية - وفق ما أشرنا إليه سابقاً، فيكون التساؤل - على سبيل المثال - حول تأصيل الظواهر السياسية الأساسية مثل : الأمة، والدولة، والسلطة السياسية... إلخ، ويتخذ ذلك معياراً للنظر في التراث السياسي الإسلامي حول هذه الظواهر السياسية، وكيفية إدراكها.
المستوى الثاني: النظامي والمؤسسي: ويتمثل في التساؤل حول القيم والأشكال والأطر النظامية والمؤسسية السياسية المعينة، والتي هي بمثابة قنوات محددة تنتظم وتنساب من خلالها الأفعال والممارسات السياسية المتعلقة بذات الظاهرة، وتترجم هذه المؤسسات مجموعة من المبادئ المؤسسية، وبالتالي فالإطار والأشكال المؤسسية هي اجتهادات لتحقيق المبادئ المؤسسية بأعلى قدر ممكن من الكفاءة والفعالية.
ويعبر المستويان: القيمي العقيدي، والنظامي المؤسسي (وبالذات في جوانبه الثابتة المتعلقة بالمبادئ النظامية) عن العقيدة في نقائها، والمثالية في وضوحها وتجريدها.
المستوى الثالث: الأفعال والممارسات السياسية التي تتم في أرض الواقع: وهي في غالبها من المفترض أن تتم من خلال المؤسسات التي يقدمها المستوى الثاني بحيث تتناسب معه، وتحقق مقاصد المستوى الأول وأهدافه. وليس بالضرورة أن يحتوي التنظير السياسي إزاء أية ظاهرة سياسية في المنهجية الإسلامية الجمع بين المستويات الثلاثة؛ إذ قد يكون ذلك متعذراً إزاء الظواهر السياسية الكلية، ولكنه قد يكون ممكناً إزاء التنظير لظواهر أو وقائع سياسية محددة زماناً ومكاناً.
تابع معنا محاور الدراسة:




















