مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

منهجية تحليل التراث السياسي الإسلامي

الإطار الثابت في المنهجية الإسلامية

 26-08-2001

Image
تعد الجوانب الثابتة أو الأصيلة في المنهجية الإسلامية (القرآن والسنة) هي الأساس كما أسلفنا نقطة انطلاق العملية التنظيرية.

فالمصدر الأول: القرآن الكريم يضع الخطوط العامة الشاملة لمجالات الحياة ومنها السياسية.

أما المصدر الثاني: والذي يتمثل في ينبوع النبوة الحديث الصحيح فيأتي مبيناً ومفصلاً، ومكملاً للقرآن الكريم.. فهو ترجمة عملية للهدي من خلال سلوكيات إنسانية مضمنة في المواقف التاريخية بأبعادها المكانية والبشرية المحددة.

وعلى الرغم من أن (القرآن والسنة) هما المصدران الأصليان للتنظير السياسي الإسلامي، فإنه نتيجة لاختلاف طبيعة كل منها ما بين الإطلاق والتقييد، والإجمال والتفصيل.. إلخ؛ فإن التعامل منهجياً مع كل منهما يقتضي منهجاً وأدوات بحثية مختلفة بينهما. ويضاف إلى ذلك أن السنة ينبغي أن تفهم في الإطار القرآني الشامل، وبذلك تستوي علاقة النسبة والتناسب، وتستقيم ـ بالتالي ـ عناصر المنهجية وفق المحددات التالية:

(أ ‌) يفرض اختلاف السنة عن القرآن الكريم في درجة الثبوت والتواتر عدم وضعهما على مستوى واحد في التعامل المنهجي بأدواته المختلفة. فالسنة مصدر مستقل في حالة عدم وجود نص قرآني. وهي مكملة وشارحة حيث يوجد أخذاً في الاعتبار أن التفسير والفهم النبوي للنص هو الموقف السليم الذي يعبر عن الحقيقة في إطلاقها، وحيث إن السنة العملية والتقريرية هي نماذج ممارسة تحقق المثالية الواقعية وهي واجبة الإتباع في مقاصدها، وبشروطها باعتبارها البلورة الحقيقية للفهم القرآني.

(ب‌) يعد من مستلزمات الممارسة المنهجية الإسلامية الحقيقية في التنظير السياسي أن يتوافر للباحثين الحدود الدنيا من الأدوات العلمية التي تمكنهم من  التعامل السليم مع الخطاب المنزل  الأمر الذي يتمثل في:

أ - التمكن من قواعد العربية، باعتبارها الأداة الأساسية في فهم المنهجية الإسلامية والانطلاق منها في عملية التنظير السياسي، إذ لا يمكن فهم القرآن والسنة دون ذلك نظراً للعلاقة الوثيقة بينهما، يقول تعالى: "إنَّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" (يوسف: 2). ولنضرب مثلاً بعملية تحديد وبناء المفاهيم السياسية الإسلامية مثل مفهوم: السلطة السياسية، والدولة، والأمة، والمشاركة السياسية.. إلخ حيث تعد هذه خطوة تحديد الدلالة اللغوية – المركزية والمحيطية – للمفهوم من أولى خطوات بنائه، إضافة إلى تحديد سيرة المفهوم أو المصطلح مما لا مجال لتفصيله في هذا الموضع.

ب - الإحاطة قدر الإمكان بمفاتيح التعامل العلمي الأساسية للمصدرين، فمثلاً: مع القرآن الكريم هناك الجهود والمؤلفات حول كيفية التعامل المنهجي مع الآيات القرآنية ككتب علوم القرآن المختلفة. ومع الأحاديث النبوية هناك علوم الحديث. هذه الإحاطة تمكن الباحث من التعامل العلمي السليم مع هذا الجزء الثابت الذي يشكل النقطة المحورية في عملية التنظير السياسي دون الانزلاق – ولو جزئياً – إلي مزالق الاتجاهين التزييني أو الانتقائي، والَّذَين أشرنا لهما فيما سبق.

جـ -  يوجد اتجاهان أساسيان في التعامل المنهجي مع المصدرين (القرآن الكريم والسنة الشريفة): الأول هو الاتجاه التجزيئي وهو الشائع في الاستدلال، وهو لا يتلاءم مع عملية التنظير السياسي في إطار المنهجية الإسلامية، بل قد يكون شيوعه عاملا مهما ساهم في وجود التناولين التزييني والانتقائي في الدراسات السياسية اللذين سبق الإشارة إليهما.

أ - الاتجاه الأول التجزيئي:

يقوم في التعامل مع المصدرين علي أساس تناولهما جزئياً آية بآية، أو حديث بحديث للكشف عن المدلول ولأغراض الاستشهاد، ثم من خلال حصيلة التراكم العددي أو الكمي للمدلولات يتم استخراج الهدف أو الأهداف النهائية، مع الأخذ في الاعتبار بقية الآيات والأحاديث، واستصحاب أسباب النزول .... إلخ. وهذا الاتجاه في الاستدلال والتفسير لا يصلح كنقطة بداية في عملية التنظير السياسي – كما أسلفنا – لأنه دائري يبدأ بالقرآن أو الحديث الشريف وينتهي بهما، ويقدم لنا المدلولات التفصيلية لهما دون الكشف عن حقيقة وأوجه الارتباط وأشكال العلاقة والتأثير، أو الصورة الكلية للظاهرة السياسية أو القضية محل البحث.

ب- الاتجاه الثاني: الموضوعي أو المقاصدي:

يمكن القيام من خلاله بعملية التنظير السياسي انطلاقاً من المنهجية الإسلامية، وهو يبدأ من واقع المشكلة السياسية المعينة ويدرسها دراسة وافية مناقشاً ما قدمه التفكير السياسي العالمي من بدائل وحلول للتعامل معها، وما طرحته الممارسات السياسية بصددها من أسئلة ونقاط فراغ.. إلخ، ويعرض الباحث ذلك على الجزء الثابت في المنهجية؛ ليكشف عن رؤيتها لها: أي مقاصدها الكلية وليس الجزئية. وفي هذا الصدد يحاول اكتشاف أوجه الارتباط بين المدلولات التفصيلية لكي يصل إلى مركَّب نظري يحتل في إطاره كل واحد من تلك المدلولات التفصيلية وزنه النسبي، ومكانه الحقيقي، وهذا ما نسميه بلغة المنهجية "التنظير" السياسي، أو عملية بناء الإطار النظري.

فالباحث في هذا الصدد يبدأ من واقع القضية أو المشكلة السياسية وفق ما أسلفنا، ويعتبر الطائفة من الآيات بصدد موضوع معين بمثابة وحدة موضوعية يستخرج قسماتها العامة الأساسية أو مقصدها، ويستنبط من جملتها ما يفيد في تأصيل أبعاد الظاهرة أو المشكلة السياسية موضع النظر، وهذا الأمر هو الذي يسمح بنوع من التجريد والتنظير السياسي العام، وتساعد الآيات والأحاديث بوصفها تقدم قاعدة وأرضية للتحليل؛ تتمثل في مفاهيم ضابطة، ويساعد على ذلك مضمونها المحدد، وطبيعة الخطاب الموحى: الذي يتحدث عن نماذج وصفات وليس عن أشخاص أو وقائع أو أحداث تستنفد دلالتها، ولا يمكن تعديتها خارج إطار الزمان والمكان على وقائع، أو أحداث متجددة عبر منطق القياس، وهو أحد الآليات الأساسية لعملية التنظير السياسي، و يتم الرجوع  في هذا الصدد بمنطق الافتقار لتوظيفها في تأصيل القضايا، وليس "رجوع استظهار" لتأييد أو مباركة مقولات سابقة.

ولنضرب مثلاً بتأصيل الحقيقة البشرية للظاهرة السياسية من خلال تناول مفهوم الأمة، فالأمة في الجزء الثابت من المنهجية الإسلامية تعني لغةً: الدين والطريقة، فيُقال: فلان لا أمة له أي لا دين له، كما قد تعني كل جماعة بشرية، أو غير بشرية. فوفقا للقرآن الكريم جاءت لفظة "أمة" 49 مرة؛ منها 43 آية مكية، و6 آيات مدنية. كما وردت كلمة "أمم" 11 مرة؛ منها 10 آيات مكية وآية واحدة فقط مدنية، مع ملاحظة أن لفظ "الأمة" في الآيات المكية إنما يعود إلى الأمم الكافرة التي كذبت أنبياء الله ورسله وقد ورد ذكرها من باب العظة والاعتبار "وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوْا بِالْبَاطِل" (غافر: 5). وبشكل عام جاءت كلمة "أمة" في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، منها: الدين والمنهج "وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" (النحل: 93). ومنها الإمام والقائد "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا.." (النحل: 120). ومنها الزمن والوقت: "ولئن أخّرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة" (هود: 8)، "وقال الذي نجا منهما وادّكَرَ بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله" (يوسف: 45). ومنها العصبة أو المجموعة من الناس "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُوْنَ" (القصص: 23)، "وإذ قالت أمة منهم لمَ تعظون قوماً الله مهلكهم.." (الأعراف: 164)، "أَنْ تَكُوْنَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ" (النحل 92)، والنظام الذي يسير عليه جماعة من البشر "…إنَّا وجدنا آباءنا على أمة وإنَّا على آثارهم مهتدون" (الزخرف: 22)، والجماعة المتفقة على دين واحد "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" (المائدة: 48)، "ولكل أمة أجل" (الأعراف: 34).

 كما ميز القرآن  الكريم أمة المسلمين عن غيرها من الأمم في ثلاث آيات مدنية، هي: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوْا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" (البقرة: 143)، "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (آل عمران: 110)، "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (آل عمران: 104). وتشير الآيتين الأخيرتين إلى تحقق مفهوم الأمة وارتباطه بالقيام بالواجبات الشرعية التي تحدثت عنها والتي يبلورها ويتضمنها مفهوم الوظيفة العقيدية: الذي يعد محور وجود الأمة وجوهر تميزها، والوظيفة الأساسية للدولة الإسلامية. فالأمة – وفقاً للفهم المقاصدي لهذه الآيات – تتشكل بنائياً ووظيفياً من تكامل عناصر أربعة، وهي:

أ - جماعة يسودها الإيمان بالمقومات الأساسية للدين الإسلامية ومرجعيته التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية.

ب - تمتلك هذه الجماعة إدراكاً واحداً في كل ما له صلة بالمرجعية، وتخضع لما ينبثق عنها من نظام متكامل للسلوك الفردي والجماعي والذي تجسده الشريعة الإسلامية.

جـ – يلف جميع عناصر تلك الجماعة مبدأ الولاء والتضامن، بما يعنيه ذلك من سيادة قيم التراحم والتعاون والتعارف، يقول تعالى: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…" (الحجرات: 49)، "..وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم" (الأنفال: 63)، "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (المائدة: 2). 

د - تقوم هذه الجماعة بالوظيفة الحضارية كمنطلقٍ لتعاملها الخارجي ويكون محورها مفهوم الجهاد و"الدعوة"، بما يعنيه هذا الالتزام من تحقيق مفهوم الشهادة على العالمين ".. لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً" (البقرة: 143).

وهكذا فإن مفهوم الأمة - بهذه المقومات الأربعة – هو تجسيد لحقيقة العقيدة والمنهج والدعوة، ويظل الالتزام بها هو السبب الحقيقي لبقاء الأمة، والباعث لعملية التجديد فيها. وهكذا يمكن القول أن الأمة مفهوم وظيفي يتجسد في مستويين:

الأول: تطبيق الإسلام في الداخل أي داخل الأمة الإسلامية.

والثاني: تعميم الإسلام على المستوى العالمي، حيث تكون الأمة الإسلامية هي أمة الدعوة للإسلام.

هذا الفهم الوظيفي لجوهر مفهوم الأمة يجعله موضع تناقض منطقي مع المفهوم السياسي المعاصر للأمة القومية، والذي يعني الاشتراك في اللغة والعادات والتاريخ، وكذلك بالنسبة للموقع الجغرافي والجذور العرقية. فالقرآن يتعامل مع المفهوم بشكل وظيفي وقيمي، فالمسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بغض النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو تاريخه؛ حيث ينتمي للأمة الإسلامية كل من يقوم بالوظيفة العقيدية بغض النظر عن هذه الاعتبارات والتي وجدت فعلياً في الأمة؛ حيث إن الأمة مركبة من جماعات وأعراق ولغات وملل لا تشكل عناصر صراع وتفتيت، وإنما عناصر قوة وتضامن. ويصف دستور المدينة - العقد  التأسيسي للكيان السياسي الأول – النصارى واليهود بأنهم "أمة من الناس"،  ولكن الذي يجعلهم داخلين في العقد التأسيسي ليس مجرد واقعة التعاقد وإنما ما هو منوط بهم من واجبات في إطار قيام الأمة ككل بالوظيفة العقيدية أو المعنوية أو الحضارية ككل.

كما أن هذا التحديد يمكن أن يؤدي بالاتجاه المقاصدي في عملية التنظير السياسي إلي الكثير من النتائج العملية منها:

أ  ‌-  تقديم تأصيل إسلامي للظاهرة السياسية في جذورها، ولمفهوم السياسة ذاته عبر الرجوع بالظاهرة السياسية إلي بداياتها الأولى، وذلك بإطار موسع يبدأ بتفسير الوجود البشري من نقطة بداياته الأولى، ومن خلال ذلك يتم استنتاج وتأصيل ظواهر سياسية كمثل ظاهرة السلطة والدولة في الرؤية القرآنية.

ب ‌-  يتم الكشف عن العلاقات التوافقية أو السببية بين الظواهر السياسية المختلفة عبر مفهوم السنن الاجتماعية، وسنن الساحة التاريخية، فالاتجاه المقاصدي يكشف في هذا الإطار عن صياغات سببية مضطردة بين ظاهرة وأخرى، من قبيل الأسباب المباشرة في خلق وقائع معينة وظروفها المكانية والزمانية، ولكن تفحص تلك الأسباب يعني إمكانية التوصل إلى ترابط الأسباب بالنتائج الممكنة لاستخلاص قانون عام تخضع له كل الوقائع الجزئية.

3 -  تحليل العلاقات الارتباطية بين الظواهر والأحداث السياسية وفهمها استناداً إلى الاتجاه التوحيدي الذي يعني جانبين متكاملين:

الأول: ملاحظة اضطراد حكم الله وثباته في الوقائع المتماثلة إيجاباً وسلباً. فلولا اضطراد ربط الأسباب بالنتائج لفقدت فكرة الاعتبار المنهجي بالسابقين  قيمتها. فقيام الأمم وتطورها وصعودها واستبدالها ينظمه اتجاه عام، وتحكمه مجموعة من السنن، ووفقا لهذه الرؤية صاغ ابن خلدون بعض جوانب رؤيته ونظريته في العمران حول تطور الجماعات والحضارات وتدهورها.

الثاني: عرض نماذج محددة لعلاقات ارتباطية قياسية من خلال علاقات التوافق والسببية، مثل الارتباط بين "نقص الكيل والميزان" – غياب العدل – وبين ظواهر مثل: "شح الأرزاق"، وازدياد معدلات الفقر، ومستويات التخلف.

 وارتباط "شيوع المنكر" بـ "الهلاك"، و"الظلم" بـ "الفساد"، و"الترف"، بـ "الدمار". فهذه العلاقات الارتباطية التوافقية يرفعها بعض الباحثين إلى مستوى السببية أحياناً، ولكنها قد تأخذ صورة النماذج القياسية، وهي مستوى أكثر تركيباً كما سيأتي. ويمكن الاستعانة بأحد الأمثلة القرآنية في هذا الإطار، حيث يقول تعالى "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" (البقرة: 179)، ففي الآية حكم شرعي هو القصاص لكنها تتضمن علاقة ثابتة بين نظام القصاص والاستقرار الاجتماعي ومن ثم السياسي.

والواقع أن مثل هذه الصور والأشكال للعلاقات يمكن الاستفادة منها وتوظيفها - كما سنرى - في وضع قواعد وقوانين المؤسسات والممارسات للظواهر السياسية المختلفة.

تابع معنا محاور الدراسة: