منهجية تحليل التراث السياسي الإسلامي
مظاهر أزمة المنهجية الوضعية في دراسة الظواهر السياسية
1 - تحول المنهجية الوضعية في تحليل الظواهر السياسية إلي مذهبية ودعوى أيديولوجية، فقد قامت المنجهية الوضعية على أنها ترادف المعرفة العلمية؛ وهو ما يعني تجاوزها لحدود "المعرفية" ودخولها مجال "الفلسفية"، فقد أضحت دعوى أيديولوجية لاحقة في مواجهة أخرى سابقة، مستهدفة وضع "الإنسان" محل الإله، والعلم محل اللاهوت، ومن ثم فإن كل انتقادات العلم للاهوت عادت إلى العلم مرة أخرى، فالعلم أنكر على اللاهوت ادعاء امتلاكه الحقيقة وحده، ثم عاد وادعاها لنفسه، وإذا كان "اللاهوت" قد اختزل الحقيقة البشرية إلى بعدها القيمي فقد اختزلها العلم في معيارية وضعية، ومن ثم فإن الدراسات المنطلقة من المنهجية الوضعية لم تعد صياغة لأدوات معرفية هدفها اكتشاف الحقيقة عبر فحص الظواهر المختلفة، وتحديد مقوماتها الكلية، وإنما تحولت ـ بدرجة أو أخرى ـ إلى أدوات أيديولوجية تستهدف نفي أي تصورات أخرى لتلك الحقيقة وأية قراءات معرفية مغايرة لذات الظواهر السياسية، أو أساليب منهجية مخالفة، وبتطبيق ذات المنهجية في واقعنا قادت إلى نفس النتائج، وهكذا فإن من يمارسون تحليل الظواهر السياسية عبر هذه المنهجية حين يدعون احتكار "العلمية" و"الموضوعية و"الحياد العلمي"، وتقديم إطار علمي خال من القيم، هم يستبطنون الكليات الفلسفية الأوروبية، ويدرسون من خلالها ظواهر مجتمعاتنا، الأمر الذي يؤدي إلي تشويه تحليل هذه الظواهر السياسية البالغة الأهمية.
2 - اختزال فهم الظواهر السياسية وتحليلها في أبعادها المادية والحسية:
وفقا للمنهجية الوضعية يتم استبعاد كل ما لا يمكن ملاحظته حسياً، وإدراكه تجريبيا في الأحداث والظواهر السياسية، وبالتالي يتم إسقاط الجوانب الذاتية والقيمية في الظواهر السياسية رغم أهميتها البالغة تفسيريا بوجه عام؛ لأنها لا تخضع للقياس أو يتم اختزالها والتعبير عنها بمؤشرات أو مقومات مادية قابلة للإدراك الحسي والقياس الكمي، وتبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحا في المجتمعات العربية والإسلامية حيث يمثل الدين والجوانب القيمية أدوارا محورية في فهم معظم الظواهر والأحداث السياسية التي تشهدها هذه المجتمعات، وبالتالي يؤدي إسقاط هذه الأدوار أو تهميشها من منطلق أنه لا يمكن ملاحظتها أو قياسها علميا إلى قصور واضح في فهم هذه الظواهر وتحليلها، وتعد عملية تحليل طبيعة وأبعاد العلاقة بين الظاهرتين الدينية الإسلامية والسياسية كما أن تحديد مفهوم الأمة بالشكل الذي أسلفنا مثالا بارزا على هذا الأمر.
3 - النسبية الشاملة في فهم الظواهر السياسية وتحليلها:
تعتبر الظواهر السياسية – وفقا للمنهجية الوضعية – دائمة التغير، والتلون، والتشكل في صور مختلفة متطورة، وهي نسبية في فهمها وتحليلها، وهذا يعني أنه لا يوجد مثال سياسي مطلق تتجه الممارسة السياسية أو تهدف الوصول إليه، وبالتالي فقيم ومبادئ الحق والعدل والواجب نسبية لدى الممارسة السياسية التي هي فن الممكن الذي تحدده شبكة المصالح وموازين القوى المختلفة، وقد أدى تطبيق هذه المنهجية في فهم وتحليل الأحداث السياسية في مجتمعاتنا ذات البناء القيمي، والمثالية السياسية إلى إحداث نوع من الخلط بين قواعد الممارسة السياسية والنتائج التي أفضت عنها ولنضرب مثالا لمعالجة قضايا يتضح فيها هذا الجانب من المبادئ والقيم مثل قضية الهوية وقضية الصراع مع الكيان الصهيوني، وقد أدي ذلك إلى تعميق الانفصال بين واقع دراسة وتحليل الأحداث السياسية وأدوارها المفترضة في التخطيط للممارسة السياسية وتقويمها؛ وذلك لأن المنهجية الوضعية تسقط أبعاداً قيمية بالغة الأهمية في توجيه الممارسة السياسية.
4 - تضييق أو استبعاد إمكانية دراسة الظواهر وتحليل الأحداث السياسية من منطلق منهجيات تعبر عن الخصوصيات الحضارية ومنها المنهجية الإسلامية، حيث وصفت بأنها نقيض العلمية، والابتعاد عن "الموضوعية"، والافتقار إلى "العقلانية" و"العاطفية"؛ لأنه كما قلنا تحولت المنهجية الوضعية إلى دعوى أيديولوجية تستهدف نفي أية قراءات منهجية غيرها لدراسة الظواهر السياسية، وأصبحت هذه المنهجية الوضعية هي المحتكرة للمجال التحليلي لتلك الظواهر والأحداث السياسية، فوفقا لها لا يمكن القيام بدراسة علمية من منطلقات المنهجية الإسلامية لظواهر مثل الإحياء الإسلامي وغيرها من الأحداث التي يمر بها العالم العربي والإسلامي، ووصفت الكثير من الدراسات الجادة في هذا الصدد بأنها غير علمية أو عاطفية.
5 - شيوع ما يطلق عليه في الدراسات السياسية أزمة أو "فوضى" المفاهيم والمصطلحات السياسية الأساسية وغموضها وعدم تحديدها كالدولة، والسلطة السياسية، والأمة، والشرعية، فالمفهوم الواحد يذكر له عشرات إن لم يكن مئات التعريفات المتنوعة والمتناقضة، الأمر الذي أدي إلي خلق نوع من الضبابية والإيهام، وعدم إيصال المعنى المراد من وراء تحليل الظواهر والأحداث السياسية عبر سلسلة المفاهيم السياسية، وقد حاولت المنهجية الوضعية تقديم حلول لذلك من قبيل "التعريف الإجرائي"، و"المؤشرات" وبناء المقاييس السياسية ... إلخ، ولكنها ظلت بوجه عام مجرد محاولات لم تصل إلى حلول حقيقية للقضية؛ ومن ثم تعذر وجود لغة تفاهم مشتركة بين أهل الاختصاص الواحد، ولعل كل ما سبق مجرد قرائن على بعض المظاهر المعبرة عن أزمة المنهجية الوضعية في التنظير للأحداث والظواهر السياسية المختلفة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي تجعل صلاحيتها لتحليلها وتفسيرها موضع جدل علمي حقيقي، وهو الأمر الذي تقدم له المنهجية الإسلامية بدائل وخيارات من واقع التلاؤم والتكافؤ المنهجي بين طبيعة الظواهر السياسية ومنهجية دراستها كما سنرى.
تابع معنا محاور الدراسة:




















