منهجية تحليل التراث السياسي الإسلامي
معالم المنهجية الوضعية في التنظير السياسي
الأول: المادية والواقعية:
تتمثل الرؤية المادية لقضايا المنهجية في اعتماد الأسلوب الحسي والتجريبي كأساس لإكساب المعرفة السياسية الطابع العلمي، وكذلك اعتماد أدوات القياس الكمي والرقمي للظواهر والأحداث السياسية على أساس أنها الأدوات الموصلة للرؤية العلمية للظواهر السياسية، ومن ثَمَّ فإن كل ما يأبى الخضوع لذلك يُعتبر غير علمي، وهكذا يتم نفي تأثير الدين على المعرفة السياسية العلمية، ولا يوجد رابط حقيقي بين المنهجية العلمية لدراسة الظواهر السياسية والحقيقة الدينية المُنزَّلة.
الثاني: العقلانية والرشادة:
تعني الإيمان بمقدرة "العقل" المطلقة على فهم الظواهر السياسية وتوظيفها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة. وهذه الاستفادة هي معيار الرشادة السياسية. وفي نفس الوقت الذي تفترض فيه هذه المرجعية أن الدين لا يمكن أن يقود أو يوجه الإطار المعرفي "العلمي" في دراسة الظواهر السياسية ترى أن هذا الدور تقوم به التجربة الحسية والملاحظات الواقعية الفعلية.
وقد تم تطبيق ما اعُتبر تاريخياً من أهم أسباب تقدم العلوم الطبيعية - المنهجية الوضعية الاختبارية - في مجال دراسة الظواهر السياسية؛ لاكتشاف منطقها والقوانين التي تنظم تفاعلاتها وممارساتها، وفي إطارها اتجاهان يتم التنظير السياسي انطلاقاً منهما وهما:
الأول: يتخذ التنظير السياسي من البناء القيمي السائد أساساً ونقطة بداية، ويظهر في صورة المثالية السياسية أو الأيديولوجية السائدة لتحقيق التطور الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي للجماعة السياسية، والتي تحدد الأهداف التي سعت تلك الجماعة لتحقيقها في فترة تاريخية معينة. وهكذا يغدو التنظير السياسي من منطلق "مثاليات الجماعة" دافعاً -في نفس الوقت- إلى النظر في حيز التجربة المعاشة؛ أي الممارَسة الاجتماعية، والتاريخية والسياسية التي يمكن قياسها وملاحظتها، ونكون إزاء الانتقال من مستوى "التجريد والإطلاق" إلى مستوى "التجريب والتحديد"؛ فعلي سبيل المثال عكست عملية "التنظير السياسي" لدى فلاسفة اليونان الكبار نظام القيم السائدة في مجتمعهم والقيمة العليا التي كان هذا المجتمع يبحث عنها (الوحدة)، ونفس الأمر نجده لدى فلاسفة الرومان والعصور الوسطى وعصر النهضة دون الحديث عن فلاسفة القرن التاسع عشر، وهو ما لا مجال لتفصيله.
الثاني: ينطلق التنظير السياسي في هذا الاتجاه -السائد حالياً- من "الوقائع" والأحداث السياسية، لا من منظومة القيم السياسية؛ عبر استقراء واقع أجزائها ومكوناتها، مع إعطاء الأولوية لأبعاد التغيير على الثبات والاستمرار، ومن ثَمَّ يبحث في القوى الدافعة لها مؤصلاً لها عبر شبكة العلاقات الناشئة عنها في الواقع السياسي والتاريخي.
ويربط هذا الاتجاه في التنظير السياسي نظام القيم بالمصالح التي يحققها والقوى التي تحركه؛ بحيث تتلاشى قيمته خارجها، وتصبح الظواهر المختلفة المتغيرة هي الحقيقة تلبس جوانب فكرية وقيمية، ومن ثَمَّ يقوم هذا الاتجاه في التنظير السياسي على أساس "النسبية"، والشك في وجود المبدأ، والحقيقة المطلقة في ذاتها، ومن ثَمَّ تتردد مفاهيم شبكة المصالح وموازين القوى باعتبارها المنطلق في عملية التنظير السياسي. أما القيم المجردة والمبادئ المطلقة فتُعد ترجمة للقوى وانعكاساً للمصالح؛ أي أنها ليست أكثر من رايات أيديولوجية أو "قميص عثمان" الذي يتم رفعه فوق المصالح المتناقصة لأغراض التبرير.
ويلاحظ الباحث أن التنظير السياسي الوضعي للوقائع أو الظواهر السياسية يتحرك بين هذين الاتجاهين، وإن كان الثاني "التجريبي" هو الأكثر شيوعاً؛ فالسمة الأساسية للإطار المعرفي الوضعي المراوحة بين المثالية المنطلقة من القيمة في ذاتها والساعية للتجريد والإطلاق، وبين "المادية والتاريخية" النافية لأي وجود مستقل لعالم القيم، وتعتبره انعكاسا للبناء المادي والمصالح والقوى المتعارضة، وتسعى للتجريب والتحديد.
وتأتي الإشكالية الحقيقية في واقعنا العربي والإسلامي من أن التنظير السياسي للظواهر والأحداث وبناء المفاهيم والتصورات السياسية يُعتبر ترجمة لأحد الاتجاهين المنهجيين. ففي بعض الدراسات السياسية التنظيرية تمت دراسة الوقائع والظواهر السياسية عبر القيم المستخلصة من التطور التاريخي والاجتماعي والسياسي. فالقيم السياسية بهذا الصدد تُعد نتاج تفاعل مجتمعي لا موضع فيه للثابت الديني أو الخلقي، وبالتالي لا موضع للهوية أو الخصوصية الحضارية الذاتية، والذي تم اعتبارها -حين مارستها قطاعات مجتمعية أو حتى بعض الأنظمة السياسية- راية أيديولوجية مرفوعة للتبرير.
وقد أدى ذلك إلي نتيجتين متكاملتين؛ الأولى: محاولة إعادة إنتاج المنهجية النابعة من الخبرة الأوربية القائمة على تسويغ اللادينية في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية في واقعنا. الأمر الذي أدى إلى تقليص مجالات تطبيق الرؤية المنهجية العلمية الإسلامية في دراسة الظواهر السياسية المختلفة، وإيجاد محاولات مشوهة كما سنرى.
الثانية: تكريس الواقع القائم وتجميده بدعوى الحفاظ عليه، وتحولت "الموضوعية" و "الحياد العلمي" -في معظم الأحوال- إلى تأكيد النظام القيمي وبقائه، بغض النظر عن مدى جدواه أو صلاحيته.
ولنأخذ مثالاً على ذلك مفهوم الأمة في المنطقة، والذي تمت دراسته سياسياً كتعبير عن ظاهرة الأمة القومية. وقد ظهر اتجاهان أساسيان في التنظير لها يعكسان نفس الاتجاهين السابق الإشارة إليهما، وهما:
الأول: الاتجاه الموضوعي الواقعي، والذي يرى أنها ظاهرة طبيعية تتعلق بمجموعة من البشر ذوي لغة واحدة وثقافة واحدة وعادات وتقاليد واحدة، وينحدرون من أصل واحد، ويقطنون بقعة إقليمية محددة، وتحدوهم آمال واحدة ومصالح مشتركة، ويشعرون بالحاجة إلى أن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة.
الثاني: القيمي المعنوي أو الشعوري، وهو يرى أنها ظاهرة "سيكولوجية" لا تتعلق بمقومات خارجية عنها بقدر تعلقها بوعي الأفراد بتلك المقومات التي تجعلهم يشعرون بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة، وتدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية.
وكما أسلفنا، يظل الاتجاه الأول الموضوعي الواقعي الاتجاه السائد عند معظم المدارس الفكرية العربية القومية، وإن كانت الأهمية المعطاة لمعيار معين بالمقارنة بالمعايير الأخرى تختلف من مدرسة إلى أخري؛ فهناك من يرى أن المهم في تحديد مفهوم القومية هو عنصر الإقليم؛ فارتباط القومية بإقليم محدد هو الذي يمنحها شخصيتها. والبعض يرى أن الدولة هي المعيار الأهم؛ فوحدة الأمة وشخصيتها مستمدة من التنظيم السياسي؛ ولذلك فإن الدولة عندهم سابقة على القومية، وتكون سبباً لوجودها، والعكس غير صحيح. ولقد ساد هذا الاتجاه بين المفكرين الفرنسيين؛ الأمر الذي وجد صداه بين مدرسة وفريق من المفكرين القوميين العرب في بلاد الشام، وهذا على خلاف القوميين الألمان الذين ركزوا على عنصر اللغة والثقافة بوصفه أهم عناصر تحديد الأمة؛ حيث آمنوا أن لكل أمة طابعها الخاص المميز، وأن هذا الطابع مستمد أساسًا من اللغة المشتركة، وطالما أن اللغة هي أداة التعبير عن المشاعر والانفعالات والرموز والأساطير فإنها تصبح أداة العادات والتقاليد والتراث، ويصبح الاشتراك في لغة واحدة هو اشتراك في ثقافة واحدة، وأيضاً وجد هذا الاتجاه صداه في مدرسة عروبية من أبرز رموزها "ساطع الحصري" وغيره.
وتركز مدرسة أخرى من القوميين على معيار الهدف المشترك كمعيار أساسي لظهور الأمة، خاصة إذا كان موجهًا نحو جماعة خارجية؛ لأن القومية –في نظرهم- هي أساساً شكل من أشكال الاحتجاج والمقاومة، ويدعمون ذلك بالإشارة إلى أن الكثير من القوميات الحديثة تكونت أثناء حركة المقاومة للاستعمار القديم أو الجديد.
وهكذا جاء تحديد وتعريف ظاهرة أساسية -تشكل أساس الوجود الاجتماعي والسياسي للمنطقة (الأمة)- انعكاسا لواقع خبرة حضارية أخرى مختلفة؛ حيث بلور الفكر الغربي مدارسه القومية من واقع التجربة الأوربية؛ أي من الأحداث المتشابكة التي مرت بها أوروبا بعد ظهور الدول المركزية القوية عقب معاهدة "وستفاليا" التي تمَّ توقيعها في عام 1648، ونجاح ملوك "الحكم المطلق" في القضاء تدريجيًا على الروابط الأولية والإقطاعية، وعلى السلطة السياسية للكنيسة، وتوحيد مشاعر الولاء لفكرة قومية واحدة، ثم لجهة سياسية واحدة، وبالتالي فإن إعادة إنتاج هذه التجربة في واقعنا الذي لم يشهد مثل هذه التطورات، بل له خبرة حضارية تاريخية متميزة، وهو ما يؤدي إلى تشويه عملية فهم وتحليل الإطار المركب على قمته والمنفصل عنه في الوقت نفسه، هذا من ناحية، وقد ترتب عليه -من ناحية أخرى- إبعاد -أو تقليص- الإطار المحوري في تحديد مفهوم الأمة وتعريفه علي المستوى المعرفي، وهو الدين، وإذا كانت الخبرة الحضارية الغربية قد أبعدت الدين أو اللاهوت الخاص بها في تحديد كيانها الاجتماعي والسياسي، وبالتالي هويتها فإن القيام بتكرار المحاولة -أيًّا كانت الأسباب والمبررات- يؤدي عملياً إلى أن المفهوم أو التحديد الوضعي لظاهرة الأمة على هذا النحو سيجعل من المفهوم المصطنع الجديد مفهوماً عاجزاً عن تحليل الكثير من الظواهر والأحداث السياسية في الواقع المعاش، وبالتالي فإن الأدبيات والدراسات السياسية التي تم إنتاجها حول ظاهرة الأمة باسم القومية والمجتمع العربي على نسق مفهوم الأمة القومية الغربي في المضمون والمحتوى، وبالذات من زاوية العلاقة بالدين وبنموذج النهضة والإصلاح المنشود لم تستطع أن تفسر الكثير من الأحداث والاستجابات بالكفاءة المطلوبة من الناحية العلمية، كما سنرى بالنسبة لذات المفهوم في إطار المنهجية الإسلامية.
تابع معنا محاور الدراسة:




















