إطار عام لنظرية الفن الإسلامي
ماهية الفن وعلاقته بالدين والأخلاق
ما هـو الفـن؟
من أهم الإشكاليات التي تعترضنا في وضع إطار لنظرية عن الفن الإسلامي وضع تعريف للفن ذاته؛ فنقطة المنطلق للحديث عن الفن، والتي يقصد منها تعريفه، هي في ذاتها مثار خلاف المفكرين والفلاسفة على امتداد تاريخ الفكر البشري؛ نظرًا لارتباط حدث الإبداع بالإبستمولوجيا (رؤية الإنسان لعلاقته بالكون وما وراء الطبيعة) من ناحية، ولتشابه المنتج الفني مع أشكال تعبيرية أخرى كالفكر والسحر من ناحية أخرى (1).
ونظرًا لأن مصداقية أي تعريف تكمن في مدى قدرته على التحديد والتفسير؛ فإننا سنكتفي هنا بوضع تعريفنا للفن في تجاوز مؤقت عن الاشتباكات الناتجة عن تصادم تعريفنا مع التعريفات الأخرى.
وعلى هذا فالفن هو: المحاولات التعبيرية التي تستهدف تجسيد المشاعر الإنسانية.
فالحدث الفني يتعلق بالشعور وليس المنطق، وهذا هو الفارق البائن له عن الفكر، والغرض المستهدف هو تجسيد المشاعر، وهذا بدوره هو الفارق البائن له عن السياسية أو الصراخ أو السحر -على حد تعبير روبين جورج كولنجوود- (2).
والتجربة الفنية لا تنبعث من العدم؛ إذ تسبقها في الوجود تجربة نفسية أو تجربة حسية انفعالية. وفي حالة عقد مقارنة غير مشروعة بينها والصنعة تدعى هذه التجربة النفسية غالبًا ?ـ"مادة التجربة الفنية" (3). فالفن يرتبط أساسًا بالوجدان؛ يُوجد بوجوده ويُفقد بفقده. كما يرتبط بمحاولة تجسيد تلك المشاعر المرتبطة بالوجدان. ويتراوح الفن بين كونه فنًا رديئًا أو رائعًا بحسب مدى نجاح هذه المحاولة. وكلما تعمقت التجربة الإبداعية، وكان المبدع قادرًا على تجسيد وجدانه المستثار، وأدّى ذلك إلى استثارة وجدان الآخرين كلما كان الفن ناجحًا.
ولحظة الإبداع الفني هي إعادة تشكيل للواقع ذاته على الرغم من استقلال ذلك الواقع؛ لأن الوعي الإنساني ليس وعيًا كاملاً بالواقع. ولحظة الإبداع تمثل وعيًا معمقًا لجانب محدد أو جوانب معينة من ذلك الواقع دون غيرها، فيتم استيعاب الواقع من خلال الوعي المكثف الانتقائي بذلك الواقع؛ وبذلك يتم إعادة تشكيل الواقع نفسه من جديد، وهو نفس ما يحدث بدرجة أو بأخرى بالنسبة للمتلقي. ومن هنا تبرز حقيقة الفن المعرفية العظمى، من حيث إنه أحد منافذ الإنسان إلى الحقيقة من خلال تجسيد صورة الوجدان. فحقيقة الفن الأولى هي حقيقة كشفية؛ حيث تعبر به النفس عما تراه من حقيقة بصورة موجزة موحية مثيرة. وهو يتفوق في كل ذلك على الحقيقة العقلية، وإن كان يتخلف عنها قليلاً أو كثيرًا من حيث الدقة العلمية.
فاستثارة الوجدان تؤدي إلى تكثيف الضوء على بعض الجوانب المتوارية في النفس الإنسانية، بعيدًا عن الرؤية العقلية الآنية، وتفجير الحقائق الكامنة فيها، وبيان مدى تعلقها بهذا الجانب أو ذاك من نوازعها في تفاعلها المتعمق مع الواقع الخارجي؛ الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تقدير الثقل الحقيقي لتلك الجوانب، ومن ثمَّ إعادة تقدير الموازنات العقلية التي تُقدَّر الحقائق على أساسها.
بل يمكن القول بأن الوجدان المستثار كثيرًا ما يؤدي إلى رؤى كلية مذهلة للحقائق التي يجاهد العقل من أجل الوصول إلى بعض جزئياتها، والتجارب الإنسانية العميقة هي المُفجِّر الأكبر للاستثارات الوجدانية المثمرة، بخلاف النوازع الغرائزية واللاعقلانية المختلفة التي تؤدي استثارتها إلى النفس الإنسانية إلى الشطح والوهم والخيال الجامح.
وكلما تعمقت التجارب الإنسانية كلما كانت معينًا ضخمًا لتفجير الحقائق. والنفوس الإنسانية ذات التجارب الإنسانية العميقة من أهم منافذ الإنسانية لاكتشاف الحقائق. وإن صح هذا في عالم الوجدان فهو صحيح أيضًا في عالم المنطق؛ لأن الرجل العقلاني إذا خلت حياته من التجارب الإنسانية العميقة فلن تقوم أبحاثه إلا على معادلات منطقية مجردة، لن تؤدي إلا إلى كشف القليل من الحقائق. فالتجارب الإنسانية العميقة هي التي تمنح المفكر القدرة على النفاذ إلى الحقائق وكشف الأبعاد الخاصة لبعض الأفكار بما يميزها عن الأفكار الأخرى، ومدى أثرها على المصير الإنساني؛ وهو ما يقيم على أساسه موازناته الفكرية التي ينتج عنها إضافاته الخاصة.
العلاقة بين الدين والفن
الفن في ذاته نزوع إنساني نحو ما هو غير مادي، حتى وإن انطلقت بواعثه مما هو مادي، أو كما يقول رولاند بنفيل: "لقد انبثق الشعر كوعي مباشر بذلك السر الكبير الذي تتساءل عنه حياتنا، وقد سيطر عليها لغز كوني" (4)? أو كما يقول مايكل لايربس: "ولقد سيطر علي شعور غامض بالأمل في أن المعجزة الشعرية ستغير كل شيء، وأنني سأحيا في عالم الخلود، وهكذا أكون قد غزوت مصيري كإنسان بواسطة الكلمات" (5). ومن هنا كان لقاء الفن بالدين؛ لأن التمرد على ما هو مادي، والنزوع نحو ما هو روحي خالد هما تجاوز لطبيعة المادة، وتلاقٍ مع روحانية الدين، وفوق ذلك ديمومة برهانية على حقيقته.
ولكننا لا نستطيع تجاوز ذلك إلى حد المطابقة بين الفن والدين، أو الادعاء بوحدة مصدرهما، أو ما يذهب إليه جاك مارتيان في قوله: "الشعر هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة وبين مصدرهما… الله" (6)? أو كما يقول هنري برجسون: "الفن ابن الدين" (7)? أو كما يقول علي عزت بيجوفيتش: "الفن رسالة مقدسة" (8)? لأنه فضلاً عما تقوم عليه هذه النظرة من خلط؛ فإنه ينتج عنها نتائج شديدة التعقيد.
فالفن -على الرغم من كونه محاولة لاختراق ما هو مادي، ونزوع إلى روحانية الدين- إلا أنه نزوع مشوّش غير واع نحو ما هو حقيقي مطلق، ومن ثم فإن هناك مساحات كبيرة للتلاقي. ولكن لا يمكننا القول بأن هناك تطابقًا بينهما؛ لأنه لا يمكن الزعم بأن عمليات الخلق الفني المرتبطة بالانفعال الوجداني لا تستلهم إدراكها إلا مما هو حقيقي فقط، وإلا كانت مدركات الانفعال الوجداني مدموغة باليقينية، وهو أمر يناقضه ما يشوبها من وهم وشطط يستحيل جوازهما على الدين في قدسيته.
ومن أخطر نتائج تلك النظرة التي توحِّد بينهما هو الربط بينهما في الناتج الإبداعي كقول بيجوفيتش: "لا يوجد فن لا ديني" (9)? أو قول بوريس باسترناك: "إن الرجل الشرير لا يمكن أن يكون شاعرًا عظيمًا" (10). فحتى إذا اتفقنا مع من يذهبون إلى أن الإلحاد (بمعنى الإنكار التام لوجود الله) ليس حالة مستقرة لدى أصحابها؛ فإن ذلك لا يعني أن حالة الإبداع للفنان تكون دائمًا حالة التقاء مع ما هو روحي؛ لأننا إذا قلنا: إن الفن يتعلق دائمًا بالوجدان المستثار؛ فإن ذلك يحدث في ظل العلاقة التفاعلية بين الفنان والواقع، وهذا الواقع قد يكون روحيًا أو ماديًا أو مركبًا، وهو غالبًا كذلك. ولكن ما لا بد من إقراره أن ما هو مادي قادر أيضًا على استثارة النفس الإنسانية. فعلى ذلك لا يحق لنا الذهاب إلى أن الأدب الإباحي -مثلاً- ليس فنًا، ولكن غاية ما نستطيع قوله حياله "إنه أدب مرفوض بالنسبة لنا كمسلمين".
ومع ذلك فلا بد أن نقرر أن روحانية الدين هي المجال الأكثر رحابة للفن من مادية الفكر الإنساني؛ بل نستطيع القول: إن الدين هو بمثابة الفضاء الوجودي (البعد الغائب المفتقد في وجود الإنسان) بالنسبة لمستنقع المادية الذي أغرق الفن فيه حتى كاد أن يُقتل. لقد أغرى ما تحمله المادية من إباحية وإلحاد فناني القرن التاسع عشر بأن يجدوا فيها وعاءً لما يحملونه من ميل أبدي للتمرد، فاندفعوا في هذا النطاق، ثم ما لبثوا أن وجدوا أنهم قد أسروا أنفسهم فيه. لقد خرجوا من رحاب الروحانية الشاسعة إلى هذا النطاق الضيق الذي ظل يتجرد من كل ما هو إنساني في ظل تطورات الفكر المادي والمفاهيم الحداثية؛ حتى تيبس تمامًا، فكانت إشكالية الفن "ما بعد الحداثي" السقوط في هوة فقدان اليقين، والعبث، واللاجدوى، واللامعقول، والتشرذم أو التشظي.
الفن والالتزام الخلقي
إشكالية العلاقة بين الفن والأخلاق إشكالية قديمة قدم الكتابات الفلسفية نفسها وقد أدت إلى الكثير من المشاكل التي ظلت في محل البحث حتى الآن.
وكان أفلاطون أكثر الفلاسفة نقمة على الشعراء والفنانين بوجه عام. فلقد ذهب إلى أن جميع الشعراء الكبار من شعراء الملاحم والشعراء الغنائيين لا يكتبون قصائدهم الجميلة بالفن، بل بالإلهام والهوس؛ فعندما يكتب الشعراء الغنائيون أنغامهم الجميلة فهم أشبه ما يكونون بالمعربدين الذين يفقدون عقولهم.
كما أن الهَيام الوحيد الذي أقرَّه أفلاطون كان هيام العقل في حالة صفائه مستقلاً عن الشعور. وعلى ذلك -من وجهة نظره- فإن أي هيام آخر مبني على الخداع؛ ولذلك لم تتفق فكرة الوحي في الشعر مع فلسفته، كما لم تتفق تعاليم الشعراء مع ما ذكره عن القيم الأخلاقية.
كما أن نظريته في المثل عبرت عن ذلك الموقف. فتلك النظرية تعتبر الأشياء الخارجية لا حقيقة لها، وإنما هي تقليد لعالم المثل الحقيقي؛ ومن ثم فإن الصورة التي يرسمها المصور أو الشاعر ما هي إلا تقليد لعالم الأشياء، وليس لعالم المثل الحقيقي؛ أي أنها تقليد للتقليد؛ ومن ?َم فلا حاجة لها، وذلك لأن كل شيء لا يمثل فكرة لا يستحق الوجود. والشعر يمثل الشيء الذي يمثل الفكرة؛ ولذلك فهو عمل حقير لا ضرورة له في المدينة الفاضلة التي كان أفلاطون يسعى لبنائها.
وبناء على ما سبق فقد استهجن أفلاطون الشعر فلسفيًا؛ لأنه يستند على الكذب والوهم، واستهجنه أخلاقيًا؛ لأنه فاجر.
أما جون راسكن -أحد مبشري المعايير الخلقية للعصر الفيكتوري- فعلى الرغم من تمسكه بتلك المعايير، فقد أدت به إلى نتائج مناقضة لموقف أفلاطون. فقد استنتج أفلاطون أن الفنون بطبيعتها الحقة تتعارض مع الأخلاق؛ ولذلك نفاها من دولته، لكن راسكن وجد أنها بطبيعتها الحقة تتفق مع الأخلاق فباركها. وذم أفلاطون الفنون؛ لأنها لا أخلاقية، وامتدحها راسكن؛ لأنها أخلاقية إلى حد كبير. وطردها الأول من مدينته الفاضلة؛ لأنها متأصلة في أوهام الإحساس، ورحب بها الثاني؛ لأنها تنبع من الذكاء القدسي العامل من خلال خيال الإنسان" (11). فإذا كان أفلاطون قابل إشكالية العلاقة بين الفن والأخلاق برفض الفن؛ لأنه لا أخلاقي، فإن راسكن اعتبر الأخلاق هي المعيار الأساسي للفنون؛ بحيث صار كل ما هو فن من أصل قدسي، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث جعل الإحساس بالجمال ذاته "لا يعتمد على الحواس ولا على العقل، بل على القلب. وهو ينشأ عن الشعور بالاحترام والعرفان بالجميل والسرور النابع من إدراك صنعة الخالق في الطبيعة، ويُلهم هذا الإحساس القدرة القدسية العاملة في الفنان، وهو يمزج أو يدمج انطباعاته الفكرية في صور قصائد" (12).
وامتدادًا لهذا الاتجاه كان طبيعيًا أن يذهب تولستوي إلى أن الفن لا يجب أن يتعارض مع الدين.
أما أصحاب نظرية "الفن للفن" فيذهبون إلى موقف ثالث مؤداه أن الفن لا يكون فنًا إلا إذا كان محررًا من عقائد وأخلاقيات المجتمع. فالفن حر بذاته. ومحاولة أدلجته (أي بناء مضامينه على نظريات ورؤى الفكر المختلفة) لا تعني سوى القضاء عليه من المهد، وهو الموقف الذي يستند عليه العلمانيون الرافضون عندنا للفن الإسلامي.
تابع معنا بقية محاور المقال:
- مقدمة
- ماهية الفن وعلاقته بالدين والأخلاق
- ملامح ظاهرة الفن الإسلامي
- خصائص الفـن الإسلامي
(1) مبادئ الفن: روبين كولنجوود.
(2) ما الأدب: سارتر.
(3) الفن والوعي: جيورجي جاتشيف. - يطلق جورج كولنجوود تعبير السحر على تحول الفن إلى أداة لتحقيق هدف اجتماعي معين ومن ثم يكون تحقيق هذا الهدف هو الغاية من العمل الإبداعي وليس تجسيد التجربة الإبداعية ذاتها الأمر الذي لا ينتج فنًا حقيقيًا: راجع مبادئ الفن: ص: 210 - 211.
(4) نقلا عن علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص: 144.
(5) المرجع السابق، ص: 169.
(6) المرجع السابق، ص: 144.
(7) المرجع السابق، ص: 148.
(8) لمرجع السابق، ص: 173.
(9) المرجع السابق، ص: 173.
(10) المرجع السابق، ص: 167.
(11) سكوت جيمس، صناعة الأدب، ص: 238.
(12) المرجع السابق، ص: 239.




















