الغرب والشريعة الإسلامية .. التأثير والتأثر
المنطلق الرابع: بين الاستسلام للآخر والتأكيد على الذات
على سبيل المثال منهج التطور القانوني المتبع في تحليل المبادئ القانونية الوضعية يظهر لكل ذي عينين عدم مناسبة تطبيقه على كثير من المبادئ الشرعية؛ حيث تعتمد هذه المبادئ في استمداد مشروعيتها على الكتاب والسنة، المصدرين الأساسيين لأي تشريع إسلامي، وما فيهما غير قابل للتغير والتبدل والتطور، ما دام في إطار الأحكام الثابتة التي نص عليها الشارع.
وهنا أثبت الملاحظتين الآتيتين:
أولاً: يجب أن يؤخذ في الاعتبار مدى ارتباط هذا التشريع أو ذاك في أي أمة بحركة المجتمع وما يسود فيه من قيم ومفاهيم، حيث تتضح العلاقة التبادلية بينهما، وفي ضوء ذلك قد يختلط التشريع بحياة الناس ويصبح جزءًا من نسيج المجتمع، ويتحول إلى سلوك اجتماعي متوارث، وينسى التشريع على مدى الأيام، ويبقى أثره سلوكًا متبعًا، ولعل هذا هو الذي حدث بالفعل بانتقال كثير من المفاهيم والأخلاق والقيم الإسلامية إلى الغرب؛ فطبقوها دون نسبتها إلى أصلها التشريعي، وهذا الذي حدا بالشيخ محمد عبده أن يقول عندما زار أوروبا: "وجدت إسلاما بغير مسلمين، وترى بالشرق مسلمين بغير إسلام".
ثانياً: يجب أن تكون المقارنة بين التشريعات المختلفة مركزة على فلسفة التشريع وأصوله ومصادره والقواعد الكلية الضابطة له بدرجة أساسية، ذلك أن دعوى التأثير أو التأثر في مجال التشريعات تكون غير ذات مصداقية إذا ظل التمثيل على هذا أو ذلك بمجموعة من الأمثلة التشريعية الجزئية إذ يسهل على أي باحث منحاز لتشريع ما أن يتلمس عدة أمثلة – والتشريعات واسعة وكثيرة التفاصيل والجزئيات - تدل على سبق تشريعه للتشريعات الأخرى، إذ التشابه في النتاج الإنساني سهل الحصول.
تابع معنا بقية محاور الدراسة:
- لماذا هذا الموضوع: بحث في الأهمية
- المنطلق الأول: عالمية البناء الحضاري
- المنطلق الثاني: الحكمة ضالة المؤمن
- المنطلق الثالث: كل حضارة نالها جانب من هداية الله
- المنطلق الرابع: بين الاستسلام للآخر والتأكيد على الذات
- المنطلق الخامس: حتمية اتصال الحضارات وتلاقحها




















