الغرب والشريعة الإسلامية .. التأثير والتأثر
المنطلق الأول: عالمية البناء الحضاري
ولعل هذا المعنى واضح في مثل قوله تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة" (سورة البقرة، الآية: 30)، قال المفسرون: "أي آدم وذريته يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض"، وقوله تعالى: "وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم .." (سورة فاطر، الآية: 39): أي خلفاء الأمم الماضية والقرون السالفة، خلفتموهم في عمران الأرض.
ويمكن القول بأن المتحكم الأساس في حركة الأمم هو دوران السنن الإلهية كونية كانت أو شرعية، كما أن الأمم القائدة تحمل كبر ما تقود به بقية الأمم من قيم ومفاهيم، فعلى حسب هذه القيم وتلكم المفاهيم تقترب البشرية من جادة الطريق وسواء الصراط أو تبتعد.
وجدير هنا أن نشير إلى خسران الأمم كلها قيادة المسلمين للعالم، فما قدمت حضارة قط للبشرية مثل ما قدمت حضارة الإسلام من توازن في كل شيء، بين الوحي والعقل، وبين الحقيقة والشريعة، وبين العلم الديني والتجريبي، وبين العلم والعمل، وبين الإنسان وموقعه في الكون، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
ولذلك وجب رفض ادعاء بعض الغربيين القائل بأن حضارتهم هي أم الحضارات، وجذورها اليونانية والإغريقية هي التي أمدت كل الحضارات بالنور الذي أضاء لها الطريق، وكذا رفض ما يزعمون من أن حضارتهم القديمة – حتى بعد موتها واندثارها - هي التي قامت عليها حضارتهم المعاصرة، من دون استمدادها من أي حضارة أخرى.
كل ذلك ادعاء لا يقبل التسليم، وجدير بنا في هذا السياق أن نشير إلى قول أوزوالد شبنجلر الذي يؤكد رفضه هو نفسه لهذا الادعاء بقوله: "إن الرأي القائل بحضارة إنسانية واحدة تسير في خط مستقيم ينقسم إلى عهود قديمة ومتوسطة وحديثة، رأي صادر عن العقلية الأوروبية الغربية المحدودة ضمن أفقها المحدود، والمعجبة بإنجازاتها، والتي تحصر الحضارة في ذاتها، وتنصرف عن الحضارات الأخرى، وتنظر إلى تطورها وكأنه تطور الإنسانية بكاملها وإلى عهودها الحديثة وكأنها أواخر مراحل التقدم أو خاتمتها"(1).
وفي السياق نفسه نرى أنه ليس دقيقًا – بل ليس صادقًا - ما ذهب إليه جارودي من أن الحضارة الغربية، وبخاصة الأوروبي منها وليدة روافد ثلاثة: في المجال الأخلاقي هناك المسيحية، وبخاصة الكاثوليكية، وفي مضمار الحقوق والسياسة والدولة هناك القانون الروماني، وفي حقل الفكر والفنون هناك التقليد الإغريقي(2).
وحقيق بنا إضافة الإسلام بوصفه رافداً أساسيًا استمدت منه الحضارة الغربية الكثير حيث عبر إلى أوروبا - ومن ثم إلى الغرب كله - عن طريق الأندلس وجنوب إيطاليا، وطرق أخرى للاحتكاك بين المسـلمين والغرب، وله بصمات واضحة ومضيئة في مضمار الحقوق والسياسة والدولة، بل والفكر بعامة.
ويتبين خطأ الإطلاقات التي تنسب الفضل للحضارة الغربية وحدها من مشاهد كثيرة ، نختار منها مشهدين:
المشهد الأول: شهادات الغربيين أنفسهم على عون الحضارات الأخرى، وبخاصة الإسلامية منها، في بناء حضارة الغرب اليوم، إذ مما لا شك فيه أن شهادات المنصفين من الغربيين للحضارة الإسلامية بالإسهام الأكبر في النهضة الحديثة لأوروبا ومن ثم الغرب كله خير دليل على هذا الإسهام.
يقول بريفولت في كتابه "بناء الإنسانية Making of Humanity"، بالصفحة: 199، وهذه واحدة من شهادات عديدة وكثيرة لا يمكن حصرها: "إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين لها بوجوده نفسه، فالعالم القديم – كما رأينا – لم يكن للعلم فيه وجود، وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم، وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام، فتمتزج امتزاجًا كليًا بالثقافة اليونانية. وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث في دأب وأناة وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي، كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني، ولم يقارب البحث العلمي نشأته في العالم القديم إلا في الإسكندرية في عهدها الهيليني، أما ما ندعوه (العلم) فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، بطرق التجربة والمقاييس وتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوربي"(3).
ويقول في ص 202: "إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلم العربي والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد، على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميه (يقصد: فرانسيس بيكون) الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. فلم يكن روجر بيكون إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوربا المسيحية، وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربي وعلوم العرب، هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي هو طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوربية، وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارًا واسعًا، وانكب الناس في لهف على تحصيله في ربوع أوربا".
ويقول في ص: 202 أيضًا: "لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج، إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية".
المشهد الثاني: النتاج الفكري الحقيقي للحضارة الإسلامية في كثير من جوانب الحضارة، ونركز هنا على النتاج التشريعي، خاصة وهم يزعمون في المقولات التي سقتها في بداية هذا الموضوع وأمثالها أن الشريعة الإسلامية ما هي إلا استمداد كامل من القانون الروماني، فضلاً عن ادعائهم أن الحضارة الغربية استمدت نظمها التشريعية من ذات القانون، وحري بنا أن نتأمل ما يلي:
أ - ابتكار علوم تشريعية (قانونية) لم يعرفها العالم من قبل، ومثالها القانون الدولي الإسلامي:
عاشت البشرية دولاً وجماعات وقامت حضارات وماتت حضارات ولم نر حضارة ما أو دولة ما تبتكر قانونا يحكم علاقات هذه الدول وتلك الحضارات بعضها مع بعض، حتى جاء الإسلام الذي أسس بشريعته قانونًا دوليًا يحكم هذه العلاقات، قائمًا على مبادئ العدالة والمساواة بين بني البشر، وعدم الإكراه في الدين، وعدم التسلط الظالم على شعوب الأرض لاستغلال ثرواتها بالقهر والنهب والهيمنة المتوحشة، وعدم إبادة الآخر.
وجاء محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة من علماء القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي، ليضع أول مُؤَلَّف في القانون الدولي، وهو كتابه العظيم الشأن (السير الكبير) ومختصره (السير الصغير)، وتتابعت المصنفات بعد ذلك في هذا الباب، بصورة مستقلة أو ضمن أبواب الفقه التي تعنى بأحكام الجهاد وما يتصل به. وهذا الإسهام يعد مفخرة من مفاخر الفكر التشريعي الإسلامي. وبذلك أسس المسلمون فقه القانون الدولي الذي لم يعرف شبيه له في العلوم القانونية الغربية إلا في مراحل متأخرة من النهضة الغربية، ربما لم تتجاوز القرن الواحد من الزمان من يومنا هذا.
ب - إنشاء النظريات الفقهية الكبرى:
خاصة تلك النظريات الفقهية التي تربط بين الحكم الفقهي (أو ما يسمى لدى علماء القانون: القاعدة القانونية) والقاعدة الأخلاقية. حيث كان القانون الروماني يفصل بين القانون والأخلاق، ويعتبر أن القاعدة القانونية منبتة الصلة بالقاعدة الأخلاقية، ومن ثم قال كثير من شراحهم للقانون ومنهم ريبير: "إن الفقهاء الرومان لا يعرفون القاعدة التي تلزم الشخص باحترام كل ما يتعهد به، ولا القاعدة التي تقضي بضرورة تعادل التزامات الطرفين، ولا يحمون الطرف الضعيف في العقد، ولا يلزمون الشخص بعدم إساءة استعمال حقه، ولا يأخذون بالمبدأ الذي يقضي على كل شخص بضرورة تعويض الغير عما يلحقه به من أضرار، ولا يعرفون واجب مساعدة الغير"(4).
وفي قبالة هذا الظلم البين للمتحاكمين إلى القانون الروماني ظهر في الفقه الإسلامي من النظريات التشريعية المبنية على الأسس الأخلاقية الكريمة، على سبيل المثال لا الحصر: نظرية منع التعسف في استعمال الحق، فليس للجار مثلاً أن يستعمل حقه بحيث يترتب على هذا الاستعمال حدوث ضرر فاحش لجاره، فلا يجوز له مثلا تعلية حائطه إذا كان يترتب على ذلك حجب الضوء عن جاره، ولا فتح مطلات ونوافذ على جاره إذا كان ذلك يؤذي هذا الجار، ومن هذه القواعد القانونية التي راعت جانبًا أخلاقيًا مهما قاعدة رعاية الرفق مع المدين عند الحجز عليه لسداد دينه، فقرر الفقهاء المسلمون أنه إذا كان المالك مدينًا دينًا ثابتًا عليه شرعًا يجوز نزع ملكه الزائد عن حوائجه الضرورية المحتاج إليها في الحال ومنها مسكنه الضروري إذا لم يكن له مال من جنس ما عليه من الدين الشرعي ويباع قضاء إذا امتنع عن بيعه بنفسه لقضاء دينه من ثمنه، ويبدأ في البيع بالأيسر فالأيسر بقدر الدين" (5).
أين هذا مما كان عليه الأمر قبل الإسلام، خاصة عند المتحاكمين بالقانون الروماني الذي يزعمون أنه أصل النهضة القانونية الغربية الحديثة، "فقد كان التزام الإنسان لآخر – وفق هذا القانون - فيما سلف من الزمن سببًا كافيًا لأن يبسط ذلك الشخص الآخر سلطانه على جسم الملتزم مباشرة ضمانًا للوفاء بما التزم به وتوثيقًا له، سواء أكان التزامًا بعمل أم بكف عن العمل، وكان له بسبب هذا السلطان أن يتخير عند الامتناع عن الوفاء من وسائل التعذيب ما يراه حاملاً على التنفيذ والوفاء أو على الافتداء بالمال، فإن شاء حبسه، وإن شاء ضربه، حتى إذا يئس من نجاحه بتلك الوسائل كان له أن يسترقه ويبيعه في حقه، بل وأن يقتله في بعض الأحوال"(6).
وقد وضعوا ذلك في قانونهم حيث كان "بموجب عقد القرض القديم كان الدائن الذي لم يستوف حقه يستطيع بعد مهلة مقدارها 30 يوما أن يلجأ إلى إجراءات وضع اليد على المدين، فيأخذ المدين أمام القاضي، فإذا لم يجد من يتعهد عنه ويبرئه يسلم إلى الدائن الذي يحبسه في سجن خاص مدة 60 يوما يعرض خلالها في السوق 3 مرات، فإذا لم يجد من يدفع عنه وانتهت مدة الـ 60 يوما حق للدائن أن يبيعه وراء نهر التيبر أو أن يقتله"(7).
وظل هذا الحكم تعمل به بعض الأقوام في الماضي يبيعون المدين بدينه، إلى أن جاء الإسلام ونسخ هذا الحكم، وأمر بأخذ الدين من المدين الموسر المستطيع للسداد، وإنظار المعسر الذي لا يستطيع السداد، وتقرير عظمة الثواب لهذا الإنظار، وذلك عملا بقوله تعالى: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" (سورة البقرة، الآية: 280).
فإذا أضفت إلى ذلك نظرية الضرورة الشرعية التي يقول عنها القانوني لامبير: "تعبر نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي أشد ما تكون جزمًا وشمولاً عن فكرة يوجد أساسها في القانون الدولي العام في نظرية الظروف المتغيرة، وفي القضاء الإداري الفرنسي في نظرية الظروف الطارئة، وفي القضاء الإنجليزي فيما أدخله من المرونة على نظرية استحالة تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي نشأت بسبب الحرب، وفي القضاء الدستوري الأمريكي في نظرية الحوادث المفاجئة"(8).
ولو تتبعنا أحكام الفقه الإسلامي ونظرياته الكثيرة؛ لعرفنا كم من النظريات والتشريعات التي أضافها هذا الفقه العظيم للفكر التشريعي بعامة والفكر القانوني الغربي بخاصة.
تابع معنا بقية محاور الدراسة:
- لماذا هذا الموضوع: بحث في الأهمية
- المنطلق الأول: عالمية البناء الحضاري
- المنطلق الثاني: الحكمة ضالة المؤمن
- المنطلق الثالث: كل حضارة نالها جانب من هداية الله
- المنطلق الرابع: بين الاستسلام للآخر والتأكيد على الذات
- المنطلق الخامس: حتمية اتصال الحضارات وتلاقحها
(1) معركة الحضارة : (61-62)، نقلاً عن كتاب: انحطاط الغرب (The Decline of West ) لمؤلفه الألماني المشهور Oswold Spengler.
(2) جارودي: حوار الحضارات منشورات عويدات، بيروت – باريس، ط ثالثة، 1986م، ص17.
(3) نقلاً عن: سيد قطب: الإسلام ومشكلات الحضارة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1409هـ = 1989م، ص: 35، 36.
(4) انظر: صوفي أبو طالب: بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ص: 128.
(5) راجع: قدري باشا: مرشد الحيران، المواد: 57-71، و164.
(6) الحق والذمة: ص82.
(7) الدكتور عبد الودود يحيى: حوالة الدين، ص 34.
(8) نقلاً عن: صوفي أبو طالب: بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، ص: 131-132.




















