مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

حوار الحضـارات.. نظرات وخطرات *

Image
الحوار قيمة حضارية بالغة الأهمية في حياة الأمم والشعوب، سواء في علاقات هذه الأمم بين ظهرانيها، أو في علاقات هذه الأمم ببعضها البعض. كيف ذلك؟ هذا ما يدلنا عليه الاجتهاد المقدم من الأمير الحسن بن طلال؛ والذي يدور حول المحاور التالية:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "يا أيها النَّاسُ إِنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وَجَعَلنَاكم شُعوبًا وقبائل لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكرَمَكُم عِندَ الله أتقاكُم إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ" (سورة الحجرات 49، آية: 13).

الحوار والنموذج الجديد للعلاقات العالمية

من خلال فحص الحوار كقيمة مهمة في حياتنا وكأداة نجد أن الحوارَ أداةٌ مناسبةٌ لبناءِ نموذج جديد من العلاقات العالمية؛ لأنه الخطوة الأولى التي تمنحُنا إحساسًا بالانتماء، والإقرار بما هو مشتركٌ بيننا.

ولكي يحظَى أيُّ مقترحٍ بالشرعية، يجب أن تكون له صلة بالتقاليد الدينية والثقافية والقانونية المختلفة، وإذا أمكن تحقيق ذلك فإن العولمة (Globalization) أو العالمية (Universalisation) لن يُنظَر إليها باعتبارها أمرًا مفروضًا من الغربِ أو من الولايات المتحدةِ على بقية البشر، بل سيتم تقبُّلُها كطريقة لتحديث كل واحد من هذه التقاليد وتوسيعه، مع المحافظة على جذوره. وعلى نحو مماثل، سيكتشف كل نمط من هذه التقاليد أن التحديات التي واجهها البشر على مر القرون قُوبِلَت بأساليبَ متشابهةٍ قليلاً أو كثيرًا. وعندها قد تميل المجتمعات الأهلية المختلفة إلى تقبُّل الآخر أخًا يقاسمها المصير الإنساني ذاته، لا عدوًا محتملاً.

وقد قام الشيخ سعيد رضا عاملي، من المركز الإسلامي في إنجلترا، بتوسيع فكرة رُهاب الإسلام (Islamophobia)، وتحدث عام 1997 عن ذلك التوجه الرامي إلى تركيز الاهتمام على الطِّباع أو الخصائص الأوروبية (Eurocentrism)، والذي وصفه بأنه مناهض للعالمية؛ لأنه - وهنا تكمن المفارقة - يدَّعي وقوفه على أرضية أخلاقية عالية ذاتِ طَابعٍ عالميٍّ تزعُم أن تقليدَ النموذجِ الغربيِّ من جانب شعوب العالم كافة هو الحل الوحيد لمواجهة تحديات هذا الزمان. والحق أن ذلك التوجه، وهو ظاهرةٌ جدُّ معاصرة، يرتكز على وجهة نظر عنصرية (حسب منطق الشيخ سعيد) متأصلة جذورها في رُهاب الإسلام.

ووفقًا للأستاذ الدكتور أكبر بن أحمد، فإنَّ جذورَ الإسلام مترسِّخة في الحوار. فحين انطلقَ الإسلامُ من شبهِ الجزيرةِ العربيةِ انهمكَ على الفور في حوارٍ مع الحضارات. وعلى نحو مشابه، فإن الحوارَ متأصلٌ في الإسلام. لكنَّ النقاشَ مخنوقٌ بسبب من تلك الصورة الساخرة الكاريكاتيرية للعالم الإسلامي، كما هو الحال بالنسبة لصورة الغرب في أعين العالم الإسلامي. فالتصورات الخاطئة، إذا متبادلة ومفرِطة، إنه الحوار بين الأصمِّ والأبكمِ والأعمى.

عند بناء نموذج جديد للعلاقات العالمية، نجد أننا بحاجة -أيضًا- إلى بناءِ حقل مكمِّل من حقول المعرفة: هو علم السياسة البشرية (Anthroplotics)؛ أي سياسة من أجل الإنسانية. ففي اللحظة التي نُقِرُّ فيها بقيمتِنا الإنسانية، يصبحُ الانتقال من العداء الجامح إلى السلام أكثر سهولة. إنَّ إعلانَ برلمانِ الأديانِ العالميِّ، تحت عنوان: أخلاقيات عالمية، يسعى في لحظةٍ معينةٍ إلى ربط الأفعال الإنسانية بأرضية أخلاقية. والمبادئ الأربعة الأساسية قريبة من فكرة الحقوق الطبيعية (Ius naturalis)، وتشكِّلُ الحد الأدنى للفهم الأخلاقي المشترك بين الأديان الحالية والثقافات التي تتبناها. واليوم -أكثر من أي وقت مضى- يتطلب الأمر وضع أخلاقياتٍ للتضامنِ الإنسانيِّ وإقامةِ نظامٍ إنسانيٍّ دوليٍّ جديد.

نتحدث اليوم عن الحاجة إلى مصفوفة شاملة (An overarching matrix) من الموضوعات التي تدخل في إطار القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان من جهة وأخلاقيات التضامن الإنساني من جهة أخرى. إنَّ كل موضوع يُمكنُ أن يخطرَ بالبالِ، ويتعلقَ بالنزاعاتِ بين البشرِ أنفسِهم، أو بين الإنسانِ والطبيعةِ، أو الكوارث الطبيعية وتلك التي يصنعُها الإنسان، يندرج في مكان من ضمن هذه المصفوفة. لكن للأسف، رغم كل مواردنا البشرية والمادية والتكنولوجية، ما انفك العالم أغنى في المشكلات وأفقر في الحلول.

ثمة حاجةٌ ملحةٌ على المستوى العالميِّ لتطويرِ صرحٍ للتضامنِ الإنسانيِّ، يكون مقبولاً عند الجميع. وفي اجتماع لنادي روما عُقِدَ مؤخَّرًا، اقترحتُ أن مصطلحَ أخلاقيات (Ethics) يجب أن يُفسَّرَ بمعناه الواسع، أي ألا يقتصرَ على الجانبِ الأخلاقيِّ، بل يتعدَّاه ليغطي القيم الاجتماعية الثقافية المشتركة التي لها صفةُ الكليةِ أو الشموليةِ، والتي صَمَدَت على مرِّ الزمان. فالهدف يجب أن يكون تعزيزَ كل ما من شأنه أن يربط بين البشر ويؤلف بين قلوبهم، سواء كان ذلك على أسسٍ حضاريةٍ وقواسمَ مشتركةٍ، أو حتى لمجرد أسباب فكرية.

تذكر أنماري شيميل (Annemarie Schimmel) في كتابها (Dreams of Jesus in the Islamic Tradtion) "أحلام يسوع في التقاليد الإسلامية": "باعتباره آخرَ نبيٍ أرسلَه اللهُ قبل مجيء محمدٍ، فإن يسوع المسيح، ابن مريم، يشغل مكانة عاليةً جدًا في مجال التقوى عند المسلمين، فهو نموذج الفضيلة والتواضع والزهد، وهو عابرُ سبيلٍ وصوفي حقيقي لا يرى إلا الجوانب الإيجابية في كل شيء في الحياة. ذلك هو يسوع المسيح في التقاليد الإسلامية الرفيعة والشعبية".

وإذا كانَ بإمكانِ أبناءِ الطوائف الدِّينيَّة المختلفة تكريمُ الأنبياءِ أنفسِهم، واعتبارهم نماذجَ يجدرُ الاقتداء به؛ فربما لا نكون بعيدين كثيرًا عن الحوار الذين نصبو إليه جميعًا.

إن القمة العالمية للقادة الدينيين والروحيين، التي عُقِدَت في مقرِّ الأممِ المتحدةِ في نيويورك في آيار / مايو 2000م، حاولت أن تؤسِّسَ مجلسًا استشاريًّا دينيًّا دائمًا تابعًا للأممِ المتَّحدة. فمنذ الآن يجبُ تشكيلُ تحالفات بين الزعماء الروحيين والحكومات وممثلي المجتمع الأهلي؛ بهدف إنشاء شبكة عالمية للمبادرات، من شأنها أن تؤدِّيَ إلى سياساتٍ أفضل وأفعالٍ مسئولة، إذ لا يمكنُ للأخلاقياتِ العالميةِ الجديدة أن تتجاهل ما تمتلكه الإنسانيَّة من حسٍّ بالرُّوحانية.

وهناك قول أثير للاقتصادي المشهور الدكتور أمارتيا سن (Dr. Amartya Sen) يؤكد فيه: إن القطب المقابل للعولمة هو الانفصالية المزمنة والحكم المطلق (Autarky) الذي لا يلين.

نحن نتكلم عن هذا العالم بدلالة المواقف والأفضليات السياسية، وليس بدلالة أخلاقيات التضامن الإنساني. فإذا كنا نتحدث عن الحاجة إلى إدارة عالمية ومسئولة فنحن بحاجة أيضا إلى الإقرار بضرورة تطوير أخلاقيات عالمية.

في كثير من اللغات تترجم العولمة إلى العالمية. ومع أن المرء يستطيع أن يدرك عالمية القيم، إلا أنه لا يستطيع أن يتفهم المقصود من عولمة الذين يملكون الأشياء والذين لا يملكونها. علينا إذا أن نتقدم نحو عالمية القيم، ونتحدث عن إدارة الصالح العام عالميا، ليس فقط بدلالة الحرب والسلام، وإنما أيضا بدلالة المشاركة الواسعة للمجتمع الأهلي في الحوار العالمي. وحين نتكلم عن الإدارة العالمية فإن العبارة التي كتبت على ضريح السفسطائي البيزنطي ليفانوس (Livanus) "لقد لامس قلبه حب الصالح العام"، ربما تكون - هذه العبارة - شعارا مناسبا لمثل هذه المبادرة. وهذا يستلزم، ليس فقط أن تشمل النخبة القادة بيننا، لكن أيضا الشباب والنساء والأقليات الذين لهم جميعا تجربتهم المباشرة ذات الصلة بآثار التغيير الاجتماعي.

إدراك القيم المشتركة مفت اح العالمية العادلة

في عام 1970 شاركت في مؤتمر قمة دول عدم الانحياز الذي حضره زعماء مثل: جمال عبد الناصر، وجوزيف تيتو، وأنديرا غاندي، وجلالة الملك حسين، كانت تلك الأسماء من النوع الذي يمكنك أن تربطه بمفاهيم عصرهم. أما اليوم فلدينا مفاهيم مثل العولمة والتجارة الإليكترونية، لكن يا ترى هل يوجد لدينا التزام سياسي لتحقيق رؤية تقوم على الاستقلال المتكافل (Intra-independence) وليس فقط الاعتماد المتبادل (Inter-dependence)؟ فالاعتماد المتبادل يمكن أن يعني أنني أستطيع أن أتناول غداء يقدم على مائدتك، لكن بوجود الاستقلال المتكافل بإمكاننا أن نتطلع إلى الانتقاء من بين تشكيلة أوسع من المأكولات.

إن الفجوة في مستوى الازدهار بين بلدان العالم ومناطقه سبب دائم لنشوب النزاعات والحروب. فإذا أراد الناس العيش بسلام، فعليهم تضييق هذه الفجوة أو سدها نهائيا. إن الفقر هو إنكار لحقوق الإنسان، وإهانة لكرامتنا الإنسانية الأصيلة، وللتنمية البشرية الإنسانية، وللروح الإنسانية. والفقر شر في حد ذاته، يحرمنا من الصحة، ومن فرص التقدم كأسرة إنسانية، ومن حرياتنا الأساسية، ومن احترام بعضنا للآخر. كما أنه يدمر احترامنا لأنفسنا باستهدافه روح إنسانيتنا بالذات. ويجادل البعض أن العولمة يمكن أن تزيد الفقر وتفاقم أكثر الهوة بين الأغنياء والفقراء. وهذا بدوره يؤدي إلى تزايد معدلات الجريمة والأمراض الاجتماعية، ويفسح أيضا مجالا أوسع للاستغلال والهيمنة بفتح قنوات أكثر لتفاعل آلياتها.

إضافة إلى ذلك، علينا أن نقر بأن نصف سكان العالم هم من النساء، وزهاء 10% من هؤلاء السكان من المعوقين. فإذا لم يدمج النساء والمعوقون بشكل أكبر في المجتمع وفي عملية التنمية، نكون قد أهملنا أكثر من نصف القدرات الفكرية للبشرية. وإذا عدنا إلى عام 1911، وجدنا العبارة الآتية تقرأ عند افتتاح مدرسة لاكنو (Lucknow) الإسلامية للبنات: لا يمكن لأية جماعة أن تتقدم إذا كانت الأمهات فيها أميات، وغير قادرات على إسداء النصيحة اللازمة وتقديم التوجيه الكافي لأولادهن. وهي عبارة معادلة لمقولة روبي مانكنز (Ruby Mannekins) التي كثيرا ما يستشهد بها: "إنك إذا علمت رجلا فقد علمت شخصا واحدا؛ أما إذا علمت امرأة فقد علمت أسرة. وقد كان الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- أبا لأربع بنات. ومن أحاديثه -صلى الله عليه وسلم-: "الجنة تحت أقدام الأمهات" (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن معاوية بن جاهمة السلمي)، وكان لا يضيع فرصة لإبداء كلمة في صالح المرأة وتعزيز مكانتها. وقد صرح بوضوح تام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" (رواه ابن ماجه والطبراني والسيوطي).

لقد أفاد ماكس فان ديرستويل (Max Van der Stoel) المفوض السامي للأقليات القومية في منظمة الأمن والتعاون في أوربا (OSCE) و"المبعوث الخاص السابق للأمم المتحدة للتوفيق بين الأطراف وتحسين العلاقات" أنه، في عالم يتزايد فيه الاعتماد المتبادل، يجب أن لا تتخذ مسألة المحافظة على السيادة الإقليمية ذريعة لرفض حقوق الأقليات. إن حماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية ليس فقط من مقتضى القانون الدولي، بل هو من علامات الإدارة السليمة للصالح العام (Good governance)، وأحد عناصرها يمكن أن يكون الإدارة الذاتية للصالح العام (Self-governance). إن إمكانيات الحكم الذاتي غير الإقليمي لم تحظ بالاهتمام الكافي. ويضيف قائلا إن أشكالا معينة من الإدارة الذاتية للصالح العام من الممكن إدخالها لتسهيل حماية حقوق الأشخاص الذين ينتمون إلى الأقليات وتعزيزها، وكذلك هويتهم وثقافتهم. وهذا الأمر له صلة عادة بالتربية والتعليم، وبالثقافة، وباستخدام لغة الأقلية، وبالدين، وباستخدام الرموز والأشكال الأخرى للتعبير الثقافي. وبالسماح للأقليات بأن يكون لها درجة معينة من التحكم بالشؤون التي تؤثر فيها بصورة مباشرة، ستصبح هذه الأقليات قادرة على حماية مصالحها وهوياتها، وتعزيزها من دون أن تعرض استقرار الدولة التي تعيش في كنفها وسيادتها للخطر. وفي نظر السيد فان ديرستويل، إن المفهوم الذي يسمى تقرير المصير الذاتي من الداخل (Internal Self-determination) يمكن أن يوازن بين مفاهيم تبدو متضادة، وهي تقرير المصير الذاتي والمحافظة على الحدود. كما أن إيلاء اهتمام أكبر لهذه القضايا في صنع السياسة لدى الدول سيقلل من التوترات العرقية البينية؛ إضافة إلى أنه سيبني مجتمعات متكاملة تؤلف أساسا للدول القوية.

إن القمة العالمية للتنمية الاجتماعية (WSSD) التي نظمتها الأمم المتحدة في كوبنهاغن عام 1995م قدمت إجماعا جديدا على ضرورة وضع البشر محورا للتنمية. ومن بين هذه الالتزامات: محو الفقر المطلق، وإنجاز العمالة التامة كهدف أساسي للسياسة، وتعزيز التكامل الاجتماعي القائم على تدعيم حقوق الإنسان وحمايتها، والمساواة والإنصاف بين النساء والرجال، وتنمية أقل البلدان نموا (The least developed): التنمية الاجتماعية، وإمكانية الحصول على التعليم والرعاية الصحية الأساسية. كما أن منتدى المنظمات غير الحكومية (NGO Forum)، الذي عقد في وقت متزامن مع هذه القمة، خلص إلى أن جميع المشاركين لديهم رؤية مشتركة لعالم يقر بوحدته الأساسية والاعتماد المتبادل بين أجزائه، فيما يقوم باحتضان كامل للتنوع البشري؛ بكل مظاهره الدينية والثقافية والإثنية والعرقية؛ حيث يكون للعدالة والإنصاف بين جميع سكانه الأولوية القصوى في كل المحاولات والمشروعات، وحيث يتم التمسك كليا بمبادئ الديمقراطية والمشاركة الشعبية؛ حتى يصبح بناء حضارة مسالمة ومتعاونة فيما بينها ومستدامة، وهي التي طالما تمنيناها وحلمنا بها، أمرا ممكنا بعد طول انتظار.

لقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن العولمة يجب أن تعني أكثر من استحداث أسواق كبيرة. والحق أن الإعلان الذي اعتمده اجتماع الألفية (Assembly Millennium) مؤخرا يجدد تأكيد الصلة بين جهودنا لإزالة الفقر وتحقيق التنمية البشرية، من جهة، وإنشاء نظام تجاري ومالي متعدد الأطراف، مفتوح قائم على تطبيق القواعد والأنظمة، ويمكن التنبؤ به، ولا تمييز فيه، من جهة أخرى. إذن نحن بحاجة إلى ما وصفه مؤخرا السفير الإيطالي ديني (Dini) بنظام عالمي للسلوكيات والعادات والأخلاق (World Ethic) لتوجيه العولمة. وعند إمعان النظر في هذا النظام الأخلاقي العالمي يتبين لنا أن القيم ليست حكرا على منطقة واحدة من مناطق العالم. فجميع الشعوب لديها ما تساهم به في هذه الأخلاقيات (Global Ethic).

إن إمكانية تحقيق مثل هذه الأخلاقيات العالمية متأصلة في إنسانيتنا المشتركة والقيم التي تشترك فيها دياناتنا: كتجنب إلحاق الأذى بالآخرين، والعطف، ومحبة الجار. فإذا أضفنا إليها تلك القيم التي تقوم عليها حقوق الإنسان: كالإقرار بالمساواة، والكرامة، والقيمة الإنسانية، والاحترام المتبادل، والتسامح، والعدالة، تجمعت لدينا أسس متينة لتلك الأخلاقيات ترتكز على توجه احتوائي (Inclusive Approach)، يضم إليه النساء والرجال في شراكة متكافئة، وينصت إلى أصوات الشباب وفئات أخرى طال تجاهلها. ولا بد من التأكيد على ضرورة حدوث نقلة نموذجية (Paradigmatic Shift). كما أننا بحاجة إلى رؤية جديدة: رؤية تضرب بجذورها في أرض التواضع والاعتدال ونقد الذات: رؤية ترنو إلى عالم أفضل يستند إلى الاحترام المتبادل، والتسامح، والعطف، والتضامن الإنساني. فنحن بحاجة إلى وضع دستور للسلوك الإنساني، يحدد العلاقات المهنية والشخصية بين الأفراد، ويدعو الحكام والحكومات على حد سواء لأن يجعلوا احترام حقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية في صلب سياستهم وأفعالهم.

إن وجود أخلاقيات عالمية قوية لدعم الإرادة السياسية أمر ضروري لضمان قيام المجتمع الدولي باتخاذ إجراء فوري للتصدي للجريمة والاغتصاب والإبادة العرقية، وغيرهما من الفظائع، وحتى نضمن تقديم مرتكبيها - فردا فردا - إلى العدالة. وعلينا أن نعزز بشكل أكبر التضامن الدولي القائم على إنسانيتنا المشتركة، باعتبارها العروة الوثقى بين جميع الشعوب.

الإسلام والعولمة.. التكامل على صعيد القيم

ضمن السياق الإسلامي، تجد العولمة وقد حررت من هياكلها العصرية الضيقة، وأعطيت بدلا من ذلك بعدا روحيا وأخلاقيا. فالتكامل العالمي في الإسلام ليس عملية استيعاب سائبة، ويجب أن لا يكون كذلك مهما اختلف السياق؛ بل هو حركة مسؤولة تتجه نحو الإقرار بما يوحد الإنسانية من حيث اهتماماتنا كبشر؛ ومن ثم يسمح للإنسانية باستنباط أساليب لإعادة تقويم أولوياتنا، والعمل في سبيل الصالح العام الأكبر، وبناء نماذج جديدة للعمل الإيجابي، والتحلي بالمسؤولية في علاقاتنا (في أي حقل كان). وما دام الوضع كذلك، لم تعد ثمة حاجة إلى صياغة خطاب إسلامي منفصل للتعامل مع العولمة وآثارها، حسنة كانت أو سيئة، نظرا للطبيعة التكاملية للنظرة الإسلامية. وهكذا نجد أن العولمة قد تحولت إلى أداة للعمل الأخلاقي المسؤول.

بيد أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة قد تشكلت، إلى حد كبير، بما ورِثتْه في فترة خضوعها للاستعمار، لذلك فإن تنميتها المقارنة قد تم خنقها، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم النامي. وعلينا أن نتفهم ذلك إذا كنا سنستوعب الأثر التفاضلي للعولمة. فالواقع الاجتماعي في هذه المجتمعات، في كثير من الحالات، عبارة عن فقر وأمية أو نقص في الحصول على التعليم، وإبقاء النخبة على الوضع الراهن من خلال الجبروت العسكري وتدهور البيئة، وغياب سيادة القانون والحريات المدنية. أما كيف ستواجه هذه المجتمعات بعناصرها الواسعة الاختلاف، شتى التحديات التي تطرحها العولمة، فهو أمر متروك للزمن. لكن هناك مؤشرات مهمة متوافرة حاليا تمكننا من تفحص فوائد العولمة ومضارها بالنسبة لعالمنا.

منذ فترة تزيد على عشر سنوات، ونحن ندعو لإنشاء صندوق زكاة إسلامي، وأنا أتحدث هنا عن أهمية تقديم المساعدة للآخرين، ربما عن طريق فيلق سلام إسلامي يتألف من أطباء وجرّاحين وعمال اجتماعيين. قد تكون هذه طريقة لنقول فيها للعالم إن الإسلام ليس انطوائيًّا أو متقوقعا، كما أنه ليس إقصائيًّا: بل يشترك مع بقية الإنسانية في القيم الأخلاقية. لقد قيل إنه لا يمكن أن تقوم ديمقراطية عالمية من دون أن يكون هناك، من حيث الأساس، أخلاقيات عالمية تشكل المسعى والمبتغى: أخلاقيات تميز بين السياسة Politics والسياسات Policies بين الشعارات والجوهر، وأعتقد أننا في كثير من الأحيان -عند استجاباتنا الدولية لأمراض هذا العصر- أسأنا التشخيص، أو ربما أسأنا تفسير التحديات التي تطرحها حالات التباين واللامساواة.

إن العولمة ليست مجرد فكرة يمكن قبولها أو رفضها، بل هي حقيقة واقعة. والوقائع لا بد من إداراتها بأسلوب براغماتي مع توفر رؤية ضابطة. ففي المقام الأول، علينا أن نقوم بتوسيع مفهوم الإنسانية (Humanitarianism) كما جرى تفصيله في تقرير اللجنة المستقلة الخاصة بالقضايا الإنسانية الدولية التي كان لي شرف المشاركة في رئاستها مع الأمير صدر الدين أغا خان. إن الفكر الإنساني يتوجه أساسا نحو مصالح الناس ورفاهيتهم، ويشمل الإنسانية وحقوق الإنسان سواء بسواء، متعديا حدود القانون الإنساني الحالي، ويرتكز على أخلاقية التضامن الإنساني. كما أن تعزيز تعددية الأطراف، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، هو أمر واجب أيضا. وفي هذا السياق، فقد نلت شرف إدخال القرار المتعلق بالنظام الإنساني الدولي الجديد، الذي تم اعتماده من دون تصويت، من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول / ديسمبر 1987م.

إضافة إلى ذلك، يقتضي الأمر وجود ثقافة للسلام تستخدم طرقا براغماتية وفاعلة للقضاء على التنازع وإعطاء الناس دليلا ملموسا على إمكانية تطبيق السلام. قد يتذكر المرء الدعوة إلى السلام التي صدرت عن محكمة لاهاي (Hague) عام 1999م، والتي كرست لنزع الشرعية من الحرب، والسعي للتركيز من جديد على رؤية عالمية تعد النزاعات العنيفة غير شرعية، وغير قانونية، وغير عادلة من حيث الأساس. ومع أن الاتفاقات والمعاهدات عدت لأمد طويل أدوات ضرورية لتنظيم سلوك الدول، فإن اهتماما دون ذلك بكثير قد أعطي إلى توجه أشمل يتولى الأفراد: أي مواطني هذه الدولة ذاتها. وأحد المكونات الحيوية لهذا التوجه يستدعي إعادة النظر في المعنى المتعارف عليه لمصطلح الأمن، فيجب أن لا يقتصر معنى الأمن على تعريفه العسكري؛ لأن الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي هما أيضا من متطلبات الاستقرار. وجميع الناس لهم الحق في حياة كريمة خالية من الرعب واليأس.

وهكذا يجب تشجيع الدول على احترام حقوق الإنسان الأساسية وتطبيقها إذا أريد لمواطنيها تجنب الاضطهاد السياسي، والأيديولوجي أو أي شكل آخر من أشكال الاستغلال.

لكن بالقدر نفسه من الأهمية، يجب القيام بمبادرة عالمية تستخدم جميع الموارد التي يمكن تصورها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، لتحسين الأوضاع المحلية وتقديم سيناريوهات للمصالحة.

والمعرضون للخطر بصورة خاصة هم الشباب الذين يشكلون حاليا غالبية سكان العالم النامي. والإقرار بهذا الأمر هو ما يهيئ لنا نقطة انطلاق ممكنة؛ ألا وهي تعزيز ثقافة عالمية للسلام بين الشباب. وإذا أمكن لثقافة السلام أن تصبح طريقة للعيش تتغلغل في شتى مناحي حياتهم فستمثل استثمارا عالي المردود في مستقبلنا المشترك.

لا بد لنا من الحديث عن مفهوم جديد ـ دستور للسلوك ـ لا يقوم على العقلانية والطريقة العلمية فحسب، وإنما يجب أن يراعي أيضا أهمية القيم. لقد تكلم السيد كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة، عن ضرورة حقن الأخلاق ـ نظام للسلوكيات الأخلاقية الروحية ـ في الأمم المتحدة والهيئات العالمية. إن مثل هذا الدستور المقترح، وهو نتاج سنوات طويلة من الحوار بين أتباع الأديان التوحيدية الثلاثة، ما فتئ يتطور بعيدا عن الأنظار. فهو يوضح الحقوق والواجبات، ويحثنا على الابتداء بما هو مشترك، ويحتضن مبدأي عدم الإكراه والتدفق الحر للمعلومات. وهو يدعو كذلك إلى تطوير إطار للاختلاف في الرأي، وقبول المسئولية عن الأقوال والأفعال على جميع الصعد، كما أنه يؤكد الرابطة بين اللاهوت والمنحى العلمي.

إن التضامن الإنساني يتطلب التقاء شتى الثقافات في نطاق الحضارة الإنسانية؛ كي تتفاعل من دون أن تتصادم، ويُغني بعضها بعضا. فلا توجد ثقافة منغلقة على نفسها بطبيعتها، أو ميَّالة نحو العنف. غير أن الثقافات التي تشعر بأنها مهددة قد تلجأ إلى الدفاع عن نفسها حين تُوصَد الأبواب في وجهها؛ مواجهة بذلك الإقصاء برفض مضاد.

إن دستورا للسلوك من شأنه أن يعنى بالكرامة الإنسانية. ومع أن البعض قد يجادل بأن الكرامة الإنسانية مفهوم مجرد، فإنها حقيقة وواقع من حيث ضرورة الإقرار بالبعد الإنساني، الذي هو بعد فوق قطري، مقابل ما هو ثنائي القومية. ويجب أن يشمل هذا الدستور قوي التغيير: الأمم الجديدة، وحركات الشعوب، والنساء، والشباب. كما يتحتم أن يركز على المجموعات الأكثر هشاشة بيننا، فعليه أن يستمع إلى أولئك الذين شهدوا التعذيب، والاقتلاع من الجذور (التشريد والنزوح، وما شابه)، والإهمال. كذلك يجب أن يستمر في تأكيد السلطة الأخلاقية، مهما بلغت أهمية القوة السياسية.

والعالم الْمُعَوْلَم يحتاج إلى أخلاقيات عالمية. فعلى حد قول المجلس العالمي للكنائس، والمئات المئات من الاجتماعات حول هذا الموضوع ـ موضوع تحسين الحوار وتعميقه بين أتباع الأديان: "نحن نشترك في الأمور الآتية: أهمية منح الفقراء نفوذا، وتطوير المجتمع الأهلي؛ وبعبارة أخرى: السياسة من أجل الناس أو السياسة البشرية، وإدارة الصالح العام عالميا، لكن بوجه إنساني مؤكد".

لماذا الدعوة لنموذج "جديد" للع لاقات العالمية؟

والأصوات المتعقلة التي تتعالى الآن تطالبنا بأن نقوم ببناء نموذج جديد للعلاقات العالمية. إذا نفترض أن النموذج القديم السائد قد انقرض بسبب من سياسة القوة والسياسة الواقعية (Realpolitik)؛ ذلك أن النموذج القديم يرى التنوع على أنه تهديد، ويقترح أن الأمم المتحدة يجب أن ترتكز على عقد اجتماعي عالمي جديد؛ بحيث تكون العالمية سمة متأصلة في الأمم المتحدة، بمعنى احترام الفردية.

ويتساءل المرء، عند تثبيت حقوق الإنسان على أنها ملزمة قانونيًّا، إذا كان من الضروري النظر ليس فقط في التفاعل التاريخي بين الأديان والتوجهات الفكرية والتطورات الفلسفية، وإنما أن يؤخذ بالحسبان أيضًا العوامل الاجتماعية الاقتصادية. ويدل على ذلك تاريخ لجنة الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان لعام 1966م، إذ نجد المواجهة مع التقاليد الفكرية الفردية للمفاهيم الكلاسيكية لحقوق الإنسان مجسدة في كل من الميثاق الاجتماعي والميثاق المدني، أو العقدين الاجتماعي والمدني اللذين نظما القواعد المتعلقة بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إن الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تمثل عوامل تؤثر بشكل حاسم في تنفيذ حقوق الإنسان الاجتماعية.

ويمكن القول: إن هناك ثلاثة أشكال من الخوف: الخوف من الآخر، والخوف ممن هو من جنسنا نحن، والخوف من الإعلان عن عقد اتفاقات. فهل من الممكن، أو من المتصور، أن تصافح عدوًا؟ هل سنخضع للرقابة إذا تصافحنا أو تبادلنا الآراء؟ كيف نستطيع أن نعلن للعالم عن مشاعرنا بأننا ملتزمون بالسلام؟ فربما نحن نخشى السلام.

وإذ نحن في معرض الحديث عن الإساءات والإعانات التي حملها القرن الماضي، علينا أن نتذكر أن النماذج لم تكن كلها سيئة. بالتأكيد كانت هناك نماذج داخل نماذج أخرى، كثير منها جرى استحداثه أو بناؤه في مجال المجتمع الأهلي، حيث بذل جهدٌ واعٍ لتحسين العلاقات العالمية، وفتح طرق للتفاهم والحوار فيما بين الأديان، والثقافات، والأمم، والأعراق، والطوائف، على مستوى القواعد الشعبية.

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قدَّم لنا عددًا من النماذج ضمن لائحة البنود المدرجة فيه. فالبند الأول ينص على أن: "جميع البشر ولدوا أحرارًا ومتساوين من حيث الكرامة والحقوق". ويمكننا أن نجد أصداء لهذا البند في صياغات مبكرة، مثل إعلان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن المساواة واستنكاره للتقسيمات القائمة على فكرة الأعراق أو الأجناس. فمقولة: لقد ولدنا جميعًا أحرارًا ومتساوين في الكرامة والقيمة ليست قولاً مقيتًا أو نابيًا على أسماع المسلمين، بل هي عنصر أصيل في بنية ثقافتهم.

وحين كُتِبَت مسودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، رفضت النسبية الأخلاقية والثقافية بشكل حازم. فاستنادًا إلى التوجه النسبي، من الضروري التسامح والقبول بالأفكار الأخرى على قدم المساواة، حتى أكثرها انحرافًا وتشوهًا، فيما يخص حرية الإنسان وكرامته: أي حتى تلك الأفكار التي تنطوي على التحقير والعبودية. لكن هذا الأمر غير مقبول. فالمطلوب توفر أساس أخلاقي وقانوني، مقبول لدى الجميع لتكريس ميثاق حقوق الإنسان هدفًا عالميًا. إن هذا البحث عن المثل الأعلى المشترك المذكور في ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينبثق عنه ذلك التنوع الثقافي لحقوق الإنسان، يصبح أداة للتوسط بين التفسير الفردي والجماعي لحقوق الإنسان. ومما هو راسخ في الحقوق الثابتة والأصلية التي يحتويها الميثاق العالمي يمكن أن نقوم نحن بتطوير أنماط أو نماذج فرعية، إن شئتم، لتعزيز التواصل والتعاون على مستوى القواعد الشعبية وداخل البلدان نفسها.

لقد كانت هناك بالتأكيد محاولات في الماضي لبناء نماذج جديدة، قام بها رجال دولة لاحتياجات إنسانية لدى الآخرين. فلوعُدنا إلى الوراء، إلى وقت مبكر، ووقفنا عند فترة الثمانمائة عام من الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا، لوجدنا أن هناك فترات طويلة من التعايش السلمي بين الطوائف والجماعات كافة. فقد كان للمسيحيين ولليهود على حد سواء حضور في المناطق العربية الإسلامية؛ حتى إن فترات السلام والاستقرار امتدت زمنًا طويلاً كافيًا لنمو ثقافة عربية إيبرية جديدة وازدهارها. إن الأندلس التي تحقق فيها هذا التجديد الثقافي تبقى في أذهاننا نموذجًا مثاليًا للحوار بين الحضارات.

مراحل الثقافة العالمية وال دعوة للتجديد الثقافي

إن عالم اليوم أخذ يصبح، بشكل متزايد، أكثر ترابطًا واعتمادًا في ما بين أجزائه؛ حتى إن الحدود أضحت لا معنى لها. لكننا نسري نحو عالم واحد له جدول عمل واحد. ولو أن إحدى الثقافات انفردت بنفسها، وأملت شروط المرجعية على جدول الأعمال هذا، فإن صوغ نظام قيمي وفق هذه الثقافة وحدها سيؤدي إلى إقصاء الثقافات الأخرى، وإلى الظلم والتهميش؛ وبالتالي إلى النزاع والحروب. إن الحوار المفيد المثمر يحب أن يقوم على توجه لا إقصائي بالنسبة لجميع مكوناته. فالإسلام هو استمرار للحقيقة التي جاءت من خلال فترات سابقة من الوحي. والإسلام ينص على أنه "لا إكراه في الدين" (سورة البقرة: الآية 256). كما يخاطب الآخرين من غير المؤمنين، قائلاً: "قل يا أيها الكافرون لا أعبدُ ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين" (سورة الكافرون: الآيات 1- 6).

فلا بد من تكثيف الحوار بين الأديان، مع التركيز على طبيعة الدين، بدلا من العقيدة اللاهوتية. كما يجب إيجاد توجه قابل للتطبيق للتصدي للآثار السلبية الناجمة عن تدهور الاعتقاد الديني، متبعين في ذلك طريقة القياس بدلاً من المقارنة. أما الهدف فيجب أن يكون تسليط الضوء على أهمية القيم الروحية والأخلاقية التي يحتويها تراثنا الديني المشترك. غير أن مفتاح تحسين العلاقات بين الأديان، على المدى البعيد، يكمن في استحداث ثقافة سياسية واجتماعية تتمتع بالثراء الناتج عن التنوع. ولا بد من معالجة عدم التسامح عن طريق إدخال دستور إنساني للأخلاق في هذا العالم الذي نتقاسم العيش فيه.

لقد أحزنني كمسلم أن أرى التدمير كيفما اتفق لأماكن العبادة لدى البوذيين في أفغانستان. وأحزنني أكثر أن الأرض الوسط (Terra media)، التي وجدت على مدى قرون بين الأديان، يجري تناولها بمرجعية سياسية. وكنت أفضل لو أن مسلمين قد طُلِبَ إليهم التوجه إلى أفغانستان لتمثيل الأمم المتحدة؛ ذلك أن هناك تقاربًا ثقافيًا بينهم وبين حركة طالبان، ويمكنهم أن يقولوا لطالبان: إن ما تقومون به شيء غير معقول ويجافي الحق والإنصاف، ولا يقبله المسلمون. غير أنه لا يمكننا السماح باستمرار هذا التدهور، وإلا فإن الأرض الوسط سيقضى عليها. كما أننا لا نستطيع الاستمرار في الادعاء بأننا معتدلون ونتبنى الوسط، إذا لم نكن ديناميين لتعزيز ذلك الاعتدال وتلك المنزلة الوسط. فإذا لم نكن ديناميين، وإذا لم ننهض بأنفسنا، وإذا بقينا هكذا لا يُحسب لنا حساب، فإن تلك المكانة الوسط ستضمحل وسيملؤها المتطرفون من كل فج وصوب بشعارات الكره والمواجهة.

إن أنواع الرُّهاب المختلفة: كرُهاب الإسلام أو معاداة المسلمين، ورُهاب السامية أو معاداتها، والعنصرية أو التمييز العنصري، والفصل العنصري، هي، بحُكم تعريفها، مخاوف لا عقلانية ومبالغ فيها. وإذ نحضر للمؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية، فإن الوقت يبدو مناسبًا -في سياق عملية الحوار بين الحضارات - لاستكشاف الروابط بين العنصرية والتمييز الثقافي والعرقي والديني؛ كي نفهم؛ ومن ثم نتحدى إمكانية التدمير الكامنة في رُهاب الإسلام وغيره من أشكال عدم التسامح والتمييز العنصري والديني. فمن الضروري كسر الحلقة المفرغة إذا أردنا تحقيق مستقبل أكثر إشراقًا وانسجامًا للبشرية. وباللغة العملية، يمكن للمرء أن يفكر فيما قامت به الرابطة البرلمانية الدولية من صوغ لدستور أخلاقي للسلوك المضاد للسامية، علنا نتوصل إلى إجراء مشابه مناهض لرُهاب الإسلام.

قبل سنوات معدودة، وصفت لجنة رانيميد (Runnymede Commission) في المملكة المتحدة رُهاب الإسلام - باضطراب - بأنه: ينطوي على عداء سافر، يكاد يصل إلى حد الاحتقار للمبادئ التي يعتز بها المسلمون أكثر ما يعتزون فيما يخص الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي، بالغًا درجة تتفجر فيها الكراهية، وكأنها سيل عارم أو نزف حاد، في وسائل الإعلام الغربية التي تصور الإسلام بعدم التسامح مع التنوع، وأنه يسير على وتيرة واحدة، ويروج للحرب، ويتهالك عليها. وتمضي فتقول: إن رهاب الإسلام يعد تحديًا لا للمسلمين في الغرب وحسب، وإنما أيضًا لكل المفكرين الذين يحاولون التعامل مع المشكلات المعقدة ذات الصلة بالاحتكاك الحضاري والنزاع.

إن الكراهية حزام غير صحي ودرع غير واق. ومثل هذه الكراهية المستعمرة كالغشاوة تُعمي أبصارنا عن إنسانية الآخر، وتحط من شأننا أمام الله والبشرية جمعاء. إن التعليم، كما أعتقد، قد يكون المفتاح لحل كثير من مشكلاتنا:

- امنع الناس من التعليم، تكن قد حرمتهم من حريات أساسية دعت إليها وأيدتها التقاليد الدينية منذ فجر الإنسانية.

- احجب التعليم عن الناس، تُفسح المجال لتسرب التطرف والتعسف والتحامل؛ وهذه الأمور هي العدو الطبيعي للسلام والمساواة والإنصاف والتنمية.

- احرم الناس من التعليم تعرض نفسك للإساءات والإهانات؛ سواء أكنت في مجموعة فعلى يد أفراد لا يعرفون الرحمة، أو كنت فردًا فعلى يد مجموعة متزمتة لعقيدتها.

- أوصد باب التعليم في وجه الناس، تكن قد مهدت السبل لحدوث ممارسات مقيتة لا تجد من ينتقدها؛ لا بل إنها تحدث أحيانًا تحت شعار التقاليد أو الدين.

عند تقديم إجابات للسؤال عن كيفية بنائنا - كإنسانية مشتركة؛ ككائن واحد - نموذجًا جديدًا للعلاقات العالمية. علينا أن نسأل أنفسنا أولا بعض الأسئلة البسيطة: يا ترى ماذا حدث للتسامح؟ وماذا حل لدعوتنا المُلحة لتجنب الأزمات؟ ماذا حدث للإيمان السليم والنية الحسنة؟ وماذا أصاب قدرتنا على المكافحة الفاعلة لكل ما نعرف أنه مقيت استنادًا إلى إنسانيتنا المشتركة؟


 رئيس منتدى الفكر العربي، ورئيس منتدى روما

* قدمت هذه الورقة أمام مؤتمر المشاهير، بدبلن - إيرلندا، والذي عُقد في 30 - 31 آيار / مايو 2001م. والورقة مترجمة عن الأصل الإنجليزي.