قتل الرحمة في ميزان الأخلاق والقانون
الجدل القانوني والأخلاقي حول قتل الرحمة
ويعتقد بأن ظاهرة قتل المرحمة بدأت بالظهور بصورة منظمة في الربع الثاني من القرن الماضي، ثم أخذ الداعون إليه يزدادون وينشئون الجمعيات تحت أسماء مختلفة، لعلها تكون أكثر قبولاً أو أقل استثارة للمعارضة والنفور. وقد أنشئت الجمعية الأمريكية لقتل الرحمة سنة 1930، ثم عدلت اسمها سنة 1970 إلى: "جمعية حق الإنسان في الموت". وعقدت الجمعية البريطانية لقتل الرحمة أول اجتماع لها عام 1936، وقدمت مشروعًا لمجلس اللوردات يجعل قتل الرحمة أمرًا يبيحه القانون، فلما رفضه المجلس تكررت المحاولات مرات عديدة على مرّ السنين.
ومع أن التقاليد الطبية السائدة في بلدان العالم والكثرة الغالبة من الأطباء ما زالت ترفض وتنفر بشدة مما يسمَّى قتل الرحمة، ومع أن القوانين السارية في معظم بلدان العالم تعتبر قتل الإنسان بأي صورة ولأي سبب جريمة يعاقب عليها القانون، إلا أن قتل الرحمة أخذ يُمارس بصورة متزايدة في عدد من البلدان الأوروبية مستترًا في صدور الأطباء الذين مارسوه ثم اعترفوا به في مناسبات مختلفة، وقد يكون لا يزال ضائعًا في أروقة المستشفيات وسجلاتها تحت أسماء مضللة تجعل السلطات تغض الطرف عنها أو تمتنع المحاكم من إيقاع العقوبات القانونية في حق مرتكبيها. وتكاد هذه الأمور تصبح ممارسة يومية في بلد كهولندا، إلى أن أصبح الأمر مقننًا من قبل السلطات التشريعية.
وكما تطورت الأسماء من "جمعية قتل الرحمة" إلى "جمعية حق الإنسان في الموت" إلى "حق الإنسان في الموت في وقار وإجلال"، كذلك تطورت الأهداف من علاجية إلى وقائية، أي من إنهاء الألم بقتل المتألم إلى "الوقاية من الطفولة المعوقة"، والمطالبة بتشريع يبيح للأطباء قتل الأطفال المعوقين خلال (72) ساعة من ولادتهم.
ومما لا شك فيه أن الاهتمام في مسألة القتل الرحيم تزايد في الثمانينيات المنصرمة، ونظن أن ذلك يرجع إلى أمور من أهمها: نه
أ) اهتمام دوائر الإعلام ونشر ممارسـة القتل الرحيم بشـكل واسـع في هولندا.
ب) استفحال بعض الأوبئة واستعصائها على العلاج كبعض أنواع السرطانات ومرض الإيدز.
ت) نشوء جمعيات وهيئات ذات تأثير كبير في الضغط على السلطات الحكومية لأجل إصدار تشريعات حول القتل الرحيم.
انقسمت الآراء حول القتل الرحيم بين مؤيدين ومعارضين وبين مؤيدين بشروط صارمة. ومن بين الحجج التي يبديها المؤيدون للقتل الرحيم نذكر ما يلي:
أولاً) مصلحة المريض:
يرى البعض أن اللجوء إلى القتل الرحيم هو في مصلحة المريض الذي يعاني من الآلام الجسـدية والنفسية التي لا يطيق تحملها، ويقدمون لتدعيم موقفهم الحجج التالية:
1- حرية التقرير الذاتي: Autonomie
يرى هؤلاء بأن الإنسان حرٌّ في تقرير مصيره وله الحق في التصرف بجسده كيف يشاء. ويؤكدون بأن القتل الرحيم هو نوع من المساعدة على الانتحار المشروع والذي لا تعاقب عليه القوانين الوضعية؛ ولذا ينصحون بأن يكتب المريض وصية للتصرف بحياته عند دخوله المستشفى للمعالجة، وهو لا يزال في كامل وعيه وقدرته على التصرف، فإذا ما تعرض لمرض ميئوس من شفائه، فيرى أن على الطبيب المعالج أن يتوقف عن علاجه وألا يحاول المحافظة على حياته سدى.
2- الحقوق الذاتية:
يرى المؤيدون أن للمريض حقوقًا ذاتية يجب احترامها وتتلخص فيما يلي:
- طالما أن الموت أمر محتوم ومقدر لكل إنسان، فللإنسـان الذي يتعرض لآلام طويلة الحـق إذن في أن يمـوت أو أن يحـيا بالصورة الكريمة التي يتمناها.
- وبناء على ذلك فله الحق في أن يُقتَلَ إذا طَلبَ ذلك.
3- الرحمة والشفقة بالمريض:
يرى المؤيدون للقتل الرحيم بأن من شأنه أن يُريح المريض ويخلصه من المعاناة والعذاب والآلام التي لا يطيق الصبر عليها.
4- نوعية الحياة (Qualité de vie):
تقاس قيمة الحياة بمنظور المؤيدين للقتل الرحيم بما يمكن أن يساهم الإنسان في المجتمع من إنتاج وإبداع، فإذا ما أصبحت الحياة تعتمد على الغير في قضاء الحوائج وأن يصبح الإنسان كتلة لحمية لا نفع لها، حينئذ تتساوى الحياة مع الموت، بل أن الموت أولى.
ثانيًا) مصلحة الآخرين (مصلحة الأهل والأصدقاء والمجتمع):
1- الرحمة والشفقة:
وإذا خففنا الآلام الجسمية عن المريض الميئوس من شفائه، فإن آلامه النفسية مستمرة لشعوره بأنه عبءٌ ثقيل على سواه ممن يتولون رعايته، ولا مفرّ -بعد قليل أو كثير- من تبرّمهم وتمرّدهم على ما يشقّ عليهم من أمره.
وإذا لم يكن في حالة من الوعي يشعر معها بهذه الآلام، فهي واقعة بلا شك على أهله الأقربين، وأصدقائه الأدنيْن (وهنا نلاحظ الانتقال من الرحمة بالمريض إلى الرحمة بأهله وأصدقائه الأصحاء).
2- العامل الاقتصادي:
ولا شك أن وراء كل هذه الحجج والأسباب عامل يظللها جميعًا بظله، سواء ذكر صراحة أو لم يذكر، وهو التكاليف المادية والأعباء الاقتصادية التي تتحملها الأسرة أو المجتمع، وفي التخلص من المرضى الميئوس من شفائهم توفير مادي على المجتمع والدولة والعائلة.
3- منطق العقوبة:
يقول المؤيدون للقتل الرحيم بأنه من الواجب أن يتخلص المجتمع من العناصر الطفيلية والضارّة في المجتمع، فمرضـى الإيدز مثلاً يشكلون خطرًا كبيرًا على المجتمع في إمكانية نشرهم لهذا الوباء، إضافة إلى تحمّل المجتمع نفقات معالجتهم الباهظة والتي لا نفع يرجى منها حتى اليوم.
هذا ويبدو أن هولندا كانت من الدول السبّاقة في إصدار التشريعات التي تبيح القتل الرحيم، كما أجازت الزواج المثلي للشاذين جنسيًّا من قبل. وقد أعلن أن هيئة المجلس التشريعي العليا في البرلمان الهولندي وافقت على مشروع قانون لما يسمى "القتل الرحيم" بأغلبية (48) صوتًا مقابل (28) صوتًا معارضًا، في الوقت الذي تظاهر فيه الآلاف من المعارضين لهذا القرار أمام البرلمان وهم يرددون الترانيم الدينية وإقامة الصلوات، مؤكدين أن الحياة نعمة وهِبة من الله فلا يحق لأحد أن يستلبها إلا بالحق.
ويؤكد وزير الصحة الهولندي بأن القانون فيه كثيرٌ من الاحتياطات لضمان عدم استغلاله استغلالاً سيئًا، كأن تكون هناك علاقة طويلة بين المريض والطبيب تسبق القرار في القتل الرحيم، وأن يأتي القرار من المريض بكامل وعيه، فلا يحق للطبيب أن يقترح القتل الرحيم كأحد الخيارات الناجمة عن فشل المعالجة، كما لا بد أن يكون المريض يعاني من عذاب أليم ناتج عن مرض مزمن لا يرجى شفاؤه، ولا بد أن يلح المريض في الطلب مع التأكد من سلامة قواه العقلية. وتذكر وسائل الإعلام بأن (90%) من الهولنديين موافقون على هذا القانون.
المعارضون للقتل الرحيم
يشمل الطرف المعارض للقتل الرحيم المجموعات الدينية ومجموعات الحق في الحياة. وقد كان الفاتيكان من أشد المعترضين على المشاريع الرامية لتقنين الموت الرحيم، وعلّق أحد أعضاء الاتحاد المسيحي في هولندا على مشروع القانون بأنه خطأ تاريخي ولا ينبغي لهولندا أن تكون فخورة به، وقد هاجم وزير العدل الألماني هذا القانون الجديد بقوله: "إنه ينبغي علينا التركيز على تطوير أنواع العلاج التي تزيل الألم".
ويرى كثير من الأطباء أن يزداد الاهتمام بطب المسنين وتحسين مستوى الخدمات الصحية والاعتناء بالخدمات الشخصية للمرضى المزمنين، وأن تتابع الأبحاث العلمية في تطوير المسكنات، وأن يعطى المريض خيارات كثيرة تجعل حياته أكثر راحة، كل هذا بدلاً من المضي في إصدار تشريعات تبيح القتل الرحيم.
وقد أبدت بعض الهيئات تخوّفها من أن تضع مثل هذه القوانين كبارَ السن في وضع حرج تجاه ذويهم الذين قد يعتقدون أنهم أصبحوا عبئًا عليهم، وبالتالي يلجئون إلى هذا الخيار تحت هذا الضغط النفسي.
وفي مقال مناهض للقتل الرحيم صدر عن المنظمة البريطانية للحق في الحياة، استشهد كاتبه في دفاعه بالأديب الألماني (جوتة Goethe) الذي قال: "إن الدور الوحيد للطبيب هو الحفاظ على الحياة بصرف النظر عن قيمة الحياة في نظره؛ إذ أن ذلك ليس من اختصاصه، فإذا تَركَ الطبيب لنفسه تقييمَ قيمة حياة مريضه مرة واحدة، فإنه سيصبح بلا شك أخطر رجل في الدولة".
تابع معنا في هذا الملف:
-
الجدل القانوني والأخلاقي حول قتل الرحمة




















