التحكيم في بلاد الغرب.. إشكالية الطرح والمعالجة
وجوب التحكيم على المستطيع في بلاد الغرب
أما المسلمون اليوم في بلاد الغرب، سواء كانوا متجنّسين أو مقيمين، فحين يقع بينهم خلاف فهو يحال إلى قضاء الدولة التي يعيشون فيها. وهو قضاء غير إسلامي. لقد أجاز الفقهاء المعاصرون اللجوء إلى القضاء غير الإسلامي للوصول إلى الحق أو حسم الخلاف إذا كان الطريق الوحيد إلى ذلك ولا طريق غيره. والمسلم حين يلجأ إلى القضاء غير الإسلامي مضطرًا فلا إثم عليه. أما إذا كان أمامه مجال الاختيار بين القضاء الإسلامي والقضاء غير الإسلامي فيجب عليه أن يختار الأول، ولا يجوز له أن يلجأ إلى الثاني.
- قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} (النساء: 60).
- وقال تعالى: { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} (النور: 48).
- وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (النور: 51).
- وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65).
وقد بلغت الشعوب الغربية في مراعاة حقوق الإنسان شأنًا كبيرًا، خاصة إذا كان من أبنائها أو المقيمين عندها فأباحت للناس أن يتفقوا على التحكيم بصورة واسعة جدًّا. بحيث إن المسلمين منهم يستطيعون الاتفاق على تطبيق الأحكام الشرعية بينهم، أو على تطبيق قانون إحدى الدول الإسلامية بعينها، أو أحد المذاهب الإسلامية، أو مجلة الأحكام العدلية، وهم يختارون المحكّمين بكامل حريتهم، فيمكنهم اختيار أحد العلماء ليحكم بينهم. هذه الأحكام بعد صدورها عن المحكّمين تعرض على القضاء الرسمي الذي يجيزها إذا لم تكن تخالف النظام العام في البلاد أو القواعد الأساسية للقضاء، وإذا نفذ الحكم إرادة الفريقين بالرجوع إلى قانون معين، وليس من شأن هذا القضاء أن يعيد بحث الموضوع وفق قانونه الرسمي.
هكذا أصبح المسلم في البلاد الغربية مخيرًا بين الاتفاق على التحكيم وفق الأحكام الشرعية، وبين الخضوع للقوانين الغربية. وفي هذه الحالة يكون اللجوء إلى التحكيم واجبًا وليس فقط جائزًا، وإلا وقع المسلم تحت حكم الآيات المذكورة آنفًا، والتي تعتبر اختيار الحكم غير الإسلامي من صفات المنافقين أو الكافرين، أو على الأقل من كبائر المعاصي.
تابع محاور الملف:
- مقدمة
- التطور التاريخي للتحكيم وأسباب نجاحه
- التحكيم في الشريعة الإسلامية
- تطور التحكيم في ظل الشريعة الإسلامية
- وجوب التحكيم على المستطيع في بلاد الغرب
- أصول التحكيم
- المحاكمة أمام الهيئة التحكيمية
- ختام المحاكمة التحكيمية وإصدار الحكم




















