التطور التاريخي للتحكيم وأسباب نجاحه
في المجتمع البدائي الأول كان نظام العلاقات الاجتماعية يعطي الفرد أو القبيلة تحصيل حقه بنفسه في وجه أعدائه، ثم ظهر التحكيم الذي يتنازل بموجبه المتنازعون عن تحصيل حقوقهم بأيديهم، ويعهدون إلى شخص ثالث بإيجاد حل للخلاف، هذا الشخص إما أن يختاره الطرفان، أو يكون من أصحاب النفوذ في المجتمع. إذن ظهر التحكيم في هذه المرحلة؛ لأنه لم تكن هناك سلطة عامة تقيم العدل، ولتجنب ممارسة العدالة الفردية، ولحل المنازعات بالطرق السلمية، وحتى عندما ظهرت السلطة العامة لم يكن من مهماتها في مراحلها الأولى عبء تحقيق العدالة في المجتمع، فبقي التحكيم هو الوسيلة الوحيدة إلى ذلك.
ثانيًا: التحكيم والسلطة:
في المرحلة الثانية وبعد تطور المجتمعات البدائية، أصبحت السلطات العامة مسئولة عن تحقيق العدالة في المجتمع، ومع ذلك فقد بقي التحكيم قائمًا، وسلّمت به السلطة، وحرص المجتمع على إبقائه، لكنه أصبح عدالة ثانية إلى جانب العدالة الرسمية ويعمل تحت رقابتها وإشرافها واستمر الأمر على هذا المنوال حتى القرن العشرين، وكانت وظيفة التحكيم التوفيق بين المتنازعين، فهو مصالحة وليس حسمًا للمنازعات كما في القضاء الرسمي. ويلجأ إليه الطرفان عادة بعد نشوء النزاع بينهما، وكان المحكمون يختارون غالبًا من الأقارب أو الأصدقاء أو الوجهاء الحكماء الذين يعرفون كيف تتم التسوية صلحًا. وكان الحَكَم مصلحًا أكثر منه قاضيًا، يستوي في هذا الأمر البلاد الإسلامية التي كانت تطبق مجلة الأحكام العدلية، أو البلاد الأوروبية التي تطبق القوانين ذات الأصول الرومانية أو القوانين الإنكليزية.
ثالثًا: نوع جديد من التحكيم:
في القرن العشرين، وخاصة في النصف الثاني منه، ظهر نوع جديد من التحكيم، وصار له أثر كبير في الأعمال التجارية الداخلية والدولية، وهو يتمتع بصفتين أساسيتين تميزه عن التحكيم السابق: الأولى: أنه تحكيم يتفق عليه الطرفان سلفًا قبل نشوء أي نزاع بينهما عن طريق شرط تحكيمي ضمن شروط العقد. بينما كان التحكيم سابقًا يتم بعد قيام النزاع بين الطرفين. والثانية: ظهور تنظيمات مهنية أو هيئات دائمة للتحكيم تقدم خدماتها لرجال الأعمال، وترعى هذا النوع الجديد من التحكيم.
وصل التحكيم في تطوره إلى هذه المرحلة بسبب ازدهار التجارة الدولية، حيث أصبح التحكيم وسيلة وحيدة مقبولة لتسوية الخلافات الناشئة عنها؛ لأن المتعاملين في التجارة الدولية هم من جنسيات مختلفة، ولا يقبل أحدهم بالخضوع للاختصاص القضائي والتشريعي للآخر، فهو يجهل قانون الدولة الثانية، وقد يكون غير مطمئن إلى القضاء فيها، فليس أمام الطرفين إلا التحكيم وسيلة لفض المنازعات بينهما دون خضوع أحدهما لقانون الآخر.
رابعًا: التحكيم وقوة القانون:
بينما كان التحكيم في الماضي يقوم على المصالحة، وحين يضطر المحكَّم إلى إصدار قراره بغير المصالحة، كان تنفيذ هذا القرار يعتمد على النفوذ المعنوي للمحكَّم.. أصبحت المحاكم النظامية اليوم تنفذ القرارات التحكيمية إذا لم يكن هناك مانع قانوني من تنفيذها. ولذلك فقد انتشر التحكيم كثيرًا خاصة في المعاملات التجارية المحلية والدولية؛ لأنه يضمن للطرفين حل النزاع بسرعة أكثر وبتكاليف أقل ووفقًا لإجراءات أكثر بساطة ومن قبل شخص أو أكثر معروفين وموثوقين للطرفين، وفي أجواء أبعد عن الخصومة وأقرب للصلح، والقرار التحكيمي يتمتع بالقوة التنفيذية للأحكام القضائية مباشرة أو بعد تصديق المحكمة له.
ويعود نجاحه لأسباب أخرى أولها: السرعة؛ فالهيئة التحكيمية ليس أمامها سوى هذا الملف، بينما تتراكم الملفات أمام محاكم الدولة. وثانيها: التكتم؛ فالتحكيم لا يحضره سوى أطراف النزاع ومحاميهم. وهناك دائمًا عند الطرفين معلومات لا يريدان أن تعرف عنهما. وعلنية المحاكمات الرسمية مضرة بالطرفين، وإن كانت أكثر ضررًا بأحدهما من الآخر. وثالثها: أهلية القضاة للفصل في نزاع تم اختيارهم من الأطراف للفصل فيه.
خامسًا: الهيئات الدائمة للتحكيم:
ومما ساعد على نجاح التحكيم ظهور الهيئات الدائمة للتحكيم في أواخر القرن التاسع عشر واستقرارها في القرن العشرين. هذه الهيئات تطبق أنظمة تحكيمية تكون بمثابة إجراءات المحاكمة خلال سير التحكيم، وقد ازدادت كثيرًا بحكم تطور التجارة والصناعة في العالم. وهكذا لم يعد التحكيم مغامرة في المجهول، معرضة لتقلبات مزاج أو مصالح الأطراف، بل أصبح طريقًا أكيدًا ومضمونًا، خاصة أن هذه الهيئات التحكيمية تلتزم أصول العمل القضائي، فلا تكون قراراتها معرضة للنقض من قبل المحاكم الرسمية.
تابع محاور الملف:




















