فتاوى الأمة بين التأصيل والتخذيل *
غير أن الفتوى في الإسلام لها شأن أعظم وأخطر، خاصة عند من يستشعرون مسئولياتهم تجاه ربهم وأمتهم.
إن الفتوى ربما تعلقت بحالة إنسانية فردية، لا تتعدى صاحبها من التوجيه إلى الفعل أو الاعتقاد أو التصرف، وهو ما نطلق عليه "فتاوى الأفراد والأعيان".
وربما تعلقت الفتوى بجماعة أو أمة، وارتبطت بمصير الشعوب والأمم والحضارات، وهو ما نطلق عليه "فتاوى الأمة"، وعندها يكون الإفتاء غاية في الخطورة والحساسية، لا سيما ما كان متصلا بالعلاقات الدولية والسياسة الشرعية؛ لأنها موجهة لطبقة أوسع، وتأخذ شكلا أفقيا في الانتشار والنفوذ، كما أنها تتعلق بقضايا المسلمين وتحدياتهم الحضارية والإستراتيجية الممتدة. كما أنها تؤثر بشكل ما على طبيعة العلاقة بين الدولة وأفرادها، أو بين الدولة وغيرها، أو على أمة تجاه أمة، أو حضارة تجاه حضارة أخرى تختلف في الموروث العقدي والثقافي وغيرهما.
لقد شحنت كتب الفقهاء قديما بالحديث عن الإفتاء وما يجب له، والشروط الواجب توافرها في المفتي والمستفتي والحالة الإفتائية، غير أن التنظير للإفتاء الجماعي ندرت الكتابة فيه.. لذا كانت المحاولة من موقع "إسلام أون لاين.نت" لعقد هذه الندوة التي اكتسبت أهمية خاصة نظرا لأهمية الموضوع؛ فكان الحدث التالي:
أقام موقع "إسلام أون لاين.نت" ندوة خاصة حول الورقة المقدمة من الدكتور سيف الدين عبد الفتاح الأستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة تحت عنوان "مدخل لفهم فتاوى الأمة"، وقد شارك في الندوة كل من:
- الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
- الشيخ جمال قطب مدير الإعلام بالأزهر.
- والشيخ سمير مطر من علماء الأزهر.
- كما حضر الندوة لفيف من الباحثين والمحررين من أقسام الموقع المختلفة.
- وقد قام بتقديم الندوة الأستاذ رجب أبو مليح محمد الباحث الشرعي بالموقع.
سبب الاهتمام بموضوع فتاوى الأمة
افتتح الدكتور سيف عبد الفتاح الندوة بتقديم ورقته التي يرى فيها بداية أن موضوع فتاوى الأمة غاية في الخطورة وشديد الحساسية؛ لأنه يتعلق بالأمة وكيانها.![]()
خطورة التعرض لبحث هذا الموضوع
|
|
وعبر الدكتور سيف عن تردده الشديد في التعرض لدراسة هذا الموضوع بقوله: إنني ترددت كثيرًا في التعرض أو الاقتراب من مجال الفتيا كحالة دراسية، ورغم أنني لا أفتي فإنني سأتجرأ بمجال الدراسة على مجال الفتوى.
ولقد تمثلت قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، واستشعرت الخطر من حديث النبي صلى الله عليه وسلم "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"؛ حيث إن التجرؤ على الفتوى أنواع، ولا يقتصر على من يفتي فقط.![]()
ضرورة البحث في هذا الموضوع
وحول ضرورة أهمية البحث في هذا الموضوع قال الدكتور سيف: استدعى الأمر دراسة بحث وفحص موضوع فتاوى الأمة خاصة بعد حرب الخليج الأولى والثانية، ورغم أن هناك مجموعة من الدواعي البحثية الدافعة للقيام بهذا العمل، فإن هناك أمورًا عدة تمنع من دراسة هذا الأمر الذي يجعل الباحث مترددًا في وصف هذه الحالة الإفتائية أو التعامل معها، وذلك لخطورة الشأن الإفتائي في هذا المجال؛ الأمر الذي يصيب الباحث الدراسي والمثقفين والمستهدفين والأمة بالتردد وزيادة الحيرة والدخول في حلقة مفرغة من فتاوى الحيرة وحيرة الفتوى، حتى أصبحنا أمام حالة تسييسية للفتوى أو ظاهرة إفتائية في الظاهر وظاهرة مسيسة في العمق.
وأصبح هناك زيادة غير مسبوقة على طلب الفتوى، إن صح التعبير، حتى أصبح الرد على المسائل كالطوفان!! خاصة مع تواتر أزمات الأمة، وأصبحت هناك فتاوى الإنترنت وفتاوى الفضائيات وغيرها من الفتاوى، واختلطت أنواع الفتوى بين الشخص والذات والعام والخاص والمؤسسات والأمة.![]()
فتاوى الأمة وفتاوى الأفراد
ثم وضح الدكتور سيف في ندوته أن هناك فروقًا جوهرية بين فتاوى الأمة وفتاوى الأعيان والأفراد.
حيث إن فتاوى الأفراد والأعيان تمتلئ بها كتب الفقه ولها علماؤها الثقات، أما فتاوى الأمة فالأمر فيها مختلف تمامًا حيث تعتبر فتاوى الأمة:
- فتاوى مزمنة تتعلق بقضايا المسلمين، وهي القضايا التي تتعلق بالتحديات الحضارية والإستراتيجية الممتدة للأمة، ويجب على المفتي أن يتصدى لها دون استفتاء.
- فتاوى مزمنة تتعلق بالدراسات المستقبلية في مجال الفتوى وفتوى المآل والفتاوى الوقائية.
- فتاوى الوقائع وبناء المواقف التي يجب على المفتي فيها أن ينظر إلى الفتوى في إطارها العام فيربطها بتلك الفتاوى الإستراتيجية. أما الفتاوى الحادثة فيجب على المفتي أن يجعلها فرصة لبناء المواقف الممتدة والحركة الإستراتيجية، لكن في كل الأحوال فإن ذلك أنتج حالة من فتاوى الحيرة أو حيرة الفتوى.
وقد عرض الدكتور سيف بعض الحقائق المهمة حول فتاوى الأمة في الآتي:
1- فتاوى الأمة لا تنتظر المستفتي والاستفتاء، كما أنها تستدعي فقهاء وعلماء الأمة.
2- فتاوى الأمة ليست مصلحة فرد أو فئة أو حاكم معين لكنها مصلحة الأمة.
3- حصانة فتاوى الأمة مرتبطة بمصالح الأمة، وقضاياها مجتمعة بما فيها القضايا الواقعة والمتوقعة والآلية والممتدة.
4- فتاوى الأمة هي التي تجمع الأمة ولا تفرقها.
5- ضرورة ألا تتحول فتاوى الأمة إلى أمة فتوى.![]()
خصائص فتاوى الأمة وكيف تتكون؟؟
يرى الدكتور سيف أن الحالة الإفتائية في فتاوى الأمة تتميز عن غيرها من الفتاوى بالذيوع والانتشار والتراكم والجدل على المستوى الشعبي والرسمي، كما أنها تتكون من حدث يحدث نوعًا من تعدد الآراء وتتداعي القضايا وحالة من فتنة، وتتحول الفتوى لحالة رأي عام.![]()
الحالة الإفتائية بعد 11 سبتمبر
أما عن الحالة الإفتائية بعد 11 سبتمبر فاستطرد الدكتور سيف قائلا: حينما ضرب أمن أمريكا في الصميم نشأت وتجمعت جملة من الفتاوى برؤية معينة وضاغطة على الأمة وعلى المفتي تمحورت حول قضايا تُعنى بالحدث، مثل: فتاوى التفجير، وفتاوى الحرب على أفغانستان والعمليات الاستشهادية، وفتاوى الأقليات والمظاهرات، وفتاوى خاصة بالشيشان وأسامة بن لادن، وفتاوى قتل الأجانب في بلاد العرب والمسلمين، إضافة لفتاوى الحرب على العراق.![]()
دراسة الحالة الإفتائية
شدد الدكتور سيف في كلمته على أن فتاوى الأمة لا بد أن تكون صادرة من هيئات جماعية مهما كانت درجة المفتي ومقامه، ولا بد من مراعاة الصياغات والأدلة ومآل الفتوى عند الإفتاء.
ولا بد للمفتي أن يستشعر كل قضايا الأمة ومصلحتها قبل وأثناء الفتوى، ويرى الدكتور سيف أنه لا مانع أن يقوم المفتي بتعديل السؤال إن لزم الأمر حتى يعلم المفتي المستفتي كيف يسأل وما يفترض أن يسأل فيه في نفس الموضوع الذي سأل عنه وعليه، ولا بد للمفتي من مراعاة ما يلي في فتوى الأمة:
تحديد المصالح - أطراف الفتوى - تنزيه الفتوى - المقاصد والوسائل - الأضرار والأخطار - مآلات الفتوى، على أن يراعى في بنية الفتوى (تشريح الفتوى - ترشيح الفتوى).![]()
موازين القسط لفتاوى الأمة
يرى الدكتور سيف أنه لا بد أن تتوافر في فتاوى الأمة الموازين القسط الواجبة فيها، وقد حدد من خلال كلمته الموازين التالية:
1- ميزان المقاصد
2- ميزان الوسائل
3- ميزان مصالح الأمة
4- ميزان الأدلة
5- ميزان الواقع
6- ميزان المآلات
على أن تتكامل الموازين ضمن منظومة الشريعة الكلية وبما يحقق المصلحة والرحمة والعدل.![]()
مبادئ مهمة حول فتاوى الأمة
يرى الدكتور سيف ضرورة أن تتميز فتاوى الأمة بالصدق في المحتوى والعدل في الآن (التوقيت)، كما يجب الحرص على عدم تحويل القضايا الجوهرية إلى إفتاءات من أقصر طريق، مع ضرورة أن تأخذ الفتاوى وقتها في البحث حتى لو كان موضوعها صغيرًا؛ لأنها مهمًا كانت فإن لها حيثياتها مهمة.
كما شدد الدكتور سيف على ضرورة أن يستعين المفتي قبل إصدار الفتوى بمتخصصين في مختلف التخصصات، وفي ضوء ذلك يستطيع أن نصدر الفتوى المناسبة والحقيقية المعبرة عن الواقع؛ لأنه لا معنى من أن يقوم المفتي بإصدار فتوى عن واقع ليس له دراية به، على أن تضطلع المجامع الفقهية من بلاد المسلمين بإصدار الفتاوى السياسية في شكل جماعي. مع ضرورة تخلص الفتوى من تبعية أي مؤسسة رسمية.![]()
كلمة ختامية
أخيرًا أكد الدكتور سيف في كلمته الختامية على:
1- أن مقام الفتوى يعتبر غاية في الخطورة والمسئولية، خاصة أن المفتي يقوم بدور الموقع عن الله سبحانه وتعالى في شرعه وأحكامه.
2- أن فتاوى الأمة فتاوى ناقدة ومقومة لكثير من أحوال العالم الإسلامي وقضاياه وتحدياته، ولا بد لها من ذلك النقد والتقويم لكل المقصرين والمخذلين والرسميين، وكل الأمراض المزمنة التي لم تعد تتحمل النفاق حول قضايانا وتحدياتنا.
3- أن فتاوى الأمة يجب أن تكون رافعة حضارية ووظيفة كفاحية وقيادة رأي وعملية بحثية واستثمار؛ لأنها صارت ضمن الفاعلين الدوليين.
4- أن فتاوى الأمة ميزت وفرقت بين فتاوى التأصيل وفتاوى التخديل التي يصدرها هؤلاء الذين أطلقوا فتاوى ضمن مناخ ثقافي مصطنع لا أساس له حتى أصبحوا ينخرون في قوى الأمة ويمنعونها من العمل.
5- أن فتاوى الأمة وحدها هي القادرة على الخروج من حالة التفاتي المصنوع والمصطنع.
وأخيراً أوصى الدكتور سيف بضرورة ألا ندع لحصن الفتوى أن يسقط أبدًا، وأن حصانة الفتوى تنبع من فاعليتها في كيان الأمة.![]()
تعقيبات المشاركين في الندوة
|
|
|
الدكتور محمد كمال إمام |
1. تعقيب الدكتور محمد كمال إمام:
بعدما أنهى الدكتور سيف عبد الفتاح حديثه أعطيت الكلمة للدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية الذي رأى في بداية حديثه أن كل ما عرضه الدكتور سيف عبد الفتاح في ورقته يتعلق بأمرين: فتاوى الأمة - أزمة فتوى.
وحدد الدكتور محمد كمال أن أزمة الفتوى تنطلق من المجموعات الثلاث التالية:
1- الدولة بكل سلطاتها
2- الصفوة بكل دوائرها
3- المجتمع الذي ترهلت قواه إلى حد مذهل
ثم عقَّب الدكتور محمد كمال على ما أشار إليه طرح الدكتور سيف بقوله:
إن مشكلة الطرح الذي طرحه الدكتور سيف أنه حمّل المفتي كل مسئوليات علماء الأمة ودوائرها، ولو ألزمنا المفتي أن يلم بكل هذه الدوائر فلن نجد مفتيا.
ثم حدد دكتور محمد كمال أن المفتي لا بد أن تتوافر فيه شروط أربعة وليس ثلاثة كما يظن البعض، وهى (الإسلام - الاجتهاد - العدالة - الاستشارة)، وبالتالي فلا بد للمفتي أن يستشير أهل الخبرة في كل ما يتعلق بفتواه في أي واقعة تهم الأمة، سواء كانت هذه الواقعة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علاقات دولية.
وانتقد الدكتور محمد بشدة تهميش دوائر الاستشارة في مجتمعاتنا، وأنها لا تعدو أن تكون مجرد استشارة شكلية يراد بها أشياء أخرى دون النظر لإلزامها وأهميتها في عملية صناعة القرار، حتى أضحت دوائر الاستشارة عندنا إما مغيبة وإما مروضة وإما عميلة!!
لذا أكد الدكتور محمد كمال على ضرورة أن تشارك دوائر الاستشارة في صنع وتوصيف أي واقعة يراد إنزال الحكم عليها.![]()
|
|
|
الشيخ سمير مطر |
2. تعقيب الشيخ سمير مطر:
بعدما أنهى الدكتور محمد كمال حديثه علق الشيخ سمير مطر -أحد علماء الأزهر الشريف- على عرض الدكتور سيف بقوله: لقد شرح الدكتور سيف بالتفصيل كل ما يخص الفتوى، لكنه لم يولِ اهتماما بالمفتي الذي هو جزء في غاية الأهمية من تكوين الفتوى التي تتكون من: (المستفتي - الفتوى - المفتي)؛ الأمر الذي يترتب عليه معرفة درجات المفتي ومراحله وكيفية صناعته التي تعتبر من الأمور الخطيرة التي تحتاج إلى اهتمام.
واختلف الشيخ سمير مع الدكتور محمد كمال على أن الفتوى مسيسة، وأرجع الشيخ سمير أن هذا يرجع فقط لطبيعة العلاقة بين ما يريده الناس وما يريده الله تعالى في الأصل.![]()
3. تعقيب الشيخ جمال قطب:
في نهاية الجلسة تحدث فضيلة الشيخ جمال قطب -مدير الإعلام بالأزهر- عن الفتوى باعتبارها فرعًا من فروع الخطاب الديني، ثم وضح فضيلته التأثير السلبي لامتلاء الساحة في عصرنا وفي كل عصر بمن يزاحم الناس برأيه، وأن طبع الفتاوى في عصرنا أوقع الضرر بالفقه الإسلامي؛ لأن الفتاوى المطبوعة ما كانت إلا عبارة عن أزمات خاصة يحاول الناس الاقتداء بها في عصرنا وينزلون أنفسهم مكانهم، ثم سرد فضيلة سردًا تاريخيًا طريقة الفتوى في الأزهر كمؤسسة للفتوى منذ بدايتها.![]()
استمع إلى:
* ندوة أقامها موقع "إسلام أون لاين.نت"





















