مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

خاتمة

فتاوى الأمة وقضاياها التي استُدعيت بمناسبة عالم أحداثنا (حرب أفغانستان - انتفاضة الأقصى...) وعالم أحداث سبتمبر الأمريكية التي أريد لها أن تكون كونية التأثير والرؤية والمواقف ضمن نمط إلحاق وهيمنة لم تبلغ درجة مثلما بلغت في تلك الآونة، إلا أن هذه الأحداث لا تعدم نقاط خير لو استثمرت، وخمائرَ وعي لو عُززت.

فتاوى الأمة.. فتاوى كاشفة

كشفت عن عالم تحديات الأمة وقضاياها، وكشفت عن ارتباطها وتواقفها على بعضها؛ وهو ما يعني -مع تزاحم هذه التحديات والقضايا- أن نفكر بوعي حول أصول الموازنات في فقه التزاحم، ومعايير الأولويات، والعمل على التوالي والتوازي، والقدرة على جمع الهمم لفروض الوقت وفروض اعتبار الواقع.

وكشفت عن حال وهن الأمة وعجزها، وبعض من فعلها الذي يقع ضمن دائرة وهم الفاعلية والإنجاز، ووهن الأنظمة الرسمية وخياراتها المسماة بالإستراتيجية (نسميها كذلك من قبيل الزينة الخطابية والكلامية!) أو الخيارات النابعة منها لا النابعة من حاجات الأمة ومتطلباتها ومقاصدها، وعن حقيقة المسؤولية عما نحن فيه (الداخل والخارج)، وعن عناصر المواجهة والمقاومة (الداخل والخارج) ضمن أصول المواجهة والوعي، فها هي اتفاقيات "سايكس-بيكو"، ومؤتمر سان ريمون، ومؤتمر يالتا، والاتفاق الودي 1904م، والمسألة الشرقية (العثمانية) والرجل المريض بالنسبة للدول الأوروبية والغربية، ووعد بلفور، ووعود دولة فلسطينية لا تؤدي رأيها أو وجهة نظرها إلا عبر الدوائر التليفزيونية المغلقة من فرط تبعيتها في كل شيء لإسرائيل؛ لتثبت إسرائيل أنها عصبة احتلال واستيطان وغصب.

وكشفت عن عجز النخب الرسمية؟!، إن استحقت وصف ومسمَّى "النخبة" في الدولة القومية، ووصول أدائها في الداخل والخارج إلى ما تحت نقطة الصفر، فقبيل الحرب ضد العراق وصفت النظم السياسية الرسمية الواقع بأن الحرب واقعة لا محالة، وأنها قد تخفف من آثارها، وقالت: إنها لن تشارك مع الولايات المتحدة في ضرب العراق، ولكنها مجبرة على تقديم تسهيلات لها (لضرب العراق)، وحين استعد العراق لأن يكون أول ضحية المذبح، أقيمت المهرجانات في كثير من الدول العربية، وكأن هذه الاحتفالات كانت تغطي على قَرْع طبول الحرب في حين خرجت مظاهرات رافضة للحرب من شعوب أوروبية! إنها قضايا لم تكن كاشفة فحسب، بل فاضحة، ولعل هذا لا بد من أن يجعل هذه الحال دافعة إلى رؤى ومواقف إستراتيجية، تقع الفتوى في القلب من ذلك، وربما على رأس تلك الفاعليات الرافعة.

فتاوى الأمة.. فتاوى فارقة

فرقت وميزت بين فتاوى التأصيل وفتاوى التخذيل، هؤلاء الذين أطلقوا فتاوى مضادة ضمن مناخ تفاتٍٍ مصطنع، هؤلاء المرجفون في المدينة الذين يشنون على كامل الأمة حروبًا معنوية يخذّلون مِنْ قواها، يمنعونها عن الفعل، يفرغونها من الفاعلية. فرقت وميزت، ومن كل طريق، في تعيين "العدو" -والعدو هو من اتخذناه عدوًا- فقد أعلنت الولايات المتحدة عداءها وشرعت في عدوانها وشنت اعتداءاتها على الكيان العربي والإسلامي بدعاوى مواجهة الإرهاب، وصار الخطاب مكشوفًا، في إعلان عدوانها، ولم يبق للرسميين أي حجة يتعلقون بها ليسموا علاقاتهم (التحالف، الصداقة، علاقة إستراتيجية...) بكلمات لم يعد لها معنى أو مضمون.

فتاوى الأمة.. فتاوى ناقدة

ومقومة لكثير من أحوال وقضايا العالم الإسلامي: حركته وسياساته وانعدام رؤاه الإستراتيجية والحضارية، هذه الفتاوى يجب أن تمارس هذا النقد والتقويم للمقصِّرين والمرْجفين والمخذِّلين والرسميين، ولكل الأمراض المزمنة التي لم تعد تتحمل النفاق حول قضايانا وتحدياتنا.

فتاوى الأمة يجب أن تكون رافعة حضارية، ووظيفة كفاحية، وقيادة رأي، وعملية بحثية واستثمارًا لكونها صارت ضمن الفاعلين الدوليين، ومفتي الأمة يجب أن يكون المفتي البصير، المفتي النذير، المفتي النفير.

أصول التعامل مع الفتاوى ذات الطبيعة الحضارية:

أما الأمر الثاني المهم، فهو تحديد أصول التعامل مع الفتاوى ذات الطبيعة الحضارية؛ فَوَفق هذه الرؤية الكلية والحالة الإفتائية وشبكتها وعملياتها، واشتقاقًا منها، تحتاج المسألة منا إلى إثبات أهم المؤشرات التي تدلنا على ما نعنيه بالفتاوى البصيرة، الفتاوى الإستراتيجية الحضارية الاستشرافية لحال الأمة (القضايا - التحديات - الفتاوى) نشير إلى ذلك في (الشكل: 13).

هذه الفتاوى هي القادرة على الخروج من حال التفاتي المصنوع والمصطنع، والفتاوى الملونة بادعاءات اعتبار الزمان والمكان وأنماط وأشكال وآليات التحيُّل، وفتاوى المتاهات في لفت الانتباه عن القضايا الأساسية والرؤى الكلية، وهي القادرة على مخاطبة كل فئات الأمة وتحديد مناط وأصول فاعليتها وإرشادها إلى الطرق والوسائل. فهناك بعض الفتاوى -على قيمة مضمونها وصحة وجهتها واتجاهها- لا تزال تؤدَّى على نمط يوفر للفتاوى المضادة مكانًا للحركة ومدخلا للعبث والتلهي بقضايا الأمة إرضاء لسلطان في الداخل أو سلطان في الخارج.

 إنه من غير أن تملك الفتوى أداء يتلاءم مع قضايا الأمة وخطورتها، وفاعلية تستجيب لخطورة مقام الفتوى وأدوارها.. سنظل ندور في حلقة التفاتي المفرغة على اصطناعها وهشاشة فتاوى التخذيل التي لا تزال تجد مكانًا ضمن "الفتاوى الرديئة التي تطرد الفتاوى الجيدة" استناداً إلى قانون العملة الرديئة والعملة الجيدة. غير أنه يجب -في ظل انهيارات كثيرة في المجال الثقافي والفكري وكثير من فاعلياتنا- تحصين "حصن الفتوى" الذي يجب ألا يسقط، وحصن الفتوى في تحصينها وحصانتها، في فعلها وفاعليتها في كيان الأمة[1].

محاور الدراسة:

  • خاتمة

  أستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة

1- في مشروع الفتوى الحضارية المؤصَّل على قاعدة "أصول الفقه الحضاري" انظر: سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم…، ص ص 241-279، ص ص 546-54