2- الحالة الإفتائية.. وأحداث سبتمبر
ثالثا- دراسة الحالة الإفتائية.. وضروراتها
وهذه الدراسات تجعل من مقام الفتاوى الإستراتيجية والحضارية والاستشرافية -المتعلقة بحال الأمة وقضاياها وتحدياتها التي تتشكل في أحداث أو تتراكم في صورة قضايا معضلة أو إشكالية، أو نوازل وابتلاءات حالة ذات تأثيرات ممتدة-: مقامًا ليس بالهين. لكن بين تقدير هذا المقام وأداء العمليات الإفتائية الحالي فجوةٌ في الفاعلية يجب أن تستدرك الشبكة الإفتائية عناصر متكاملة (حالة إفتائية، وذاكرة الفتوى، وواقعها، وبيئتها ووسطها وسياقاتها وبيئة المصالح والأضرار والأخطار، وأطراف الفتوى ووعي الأطراف كلٍ لدوره، وعمل الإفتاء في ضرورات التسكين الصحيح للوقائع موضع الفتاوى ودقة التكييف وتخريج الحكم اللائق وعملية تنزيل الفتوى على الواقع، ومآلات الفتوى، وفتاوى المآل، وتعلق الفتاوى بالمقاصد والوسائل واستشعار خطورة الفتوى وأدوارها وعملية وزن الفتاوى، والنظر الكلي لها بنية وبيئة ومناهج). إنها عمليات نظن أن التفصيل فيها يحتاج لدراسات مستقلة تتناسب مع مقام الفتوى وخطورتها في الأمة[1]،(شكل: 12).
ويؤكّد ابن القيم على أهمية "تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"، واصفًا خطر هذا الأمر وأهمية الفقه المتعلق به فيقول: ".. هذا فصل عظيم النفع جدًا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد: وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة: عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي اهتدى به المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها...
هذا المدخل الأساسي في وجهة الشريعة أساسًا وبنيانًا وبيانًا يجعل من الفقه الاستفتائي "... ولا أحسن من هذا الحكم، وهذا الفهم، وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس، وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك...[2].
ثم يشير ابن القيم إلى موازين الفتوى القسط من استناد السياسة إلى الشريعة وحسن تعلقها وارتباطها بها، وما يعني ذلك من ضرورة أن يتسم المفتي بالوعي بحسِّ الأمة وأصول مصالحها وأصول سياستها وإستراتيجيتها.. وجرت في ذلك -كما يقول ابن القيم- مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبعض الفقهاء، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرِّعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فَغَلَطٌ وتغليطٌ للصحابة...
فـ "... هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب.. (فرَّط فيه) طائفة فعطَّلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدّوا على أنفسهم طرقً صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطِل، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها.
ثم انظر ماذا يقول من بعد تقصير هذه الفئة المفرِّطة: ".. فلما رأى ولاة الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة (أحدثوا) لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم (فتولَّد) من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم (شرٌّ طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه). (وأفرط فيه) طائفة أخرى (فسوغت) منه ما يناقض حكم الله ورسوله. وكلتا الطائفتين (أُتيت) من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه (ليقوم الناس بالقسط)، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا (ظهرت) أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه (بأي طريق) كان، فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى (لم يحصر) طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج به الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة لحق إلا وهي شرعية وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟!
ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا إذا كانت عدلاً فهي من الشرع..."، "..ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها، وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريق والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبنيٌّ على حرف واحد وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم..." [3].
هذا النقل المطوَّل أردنا به أن نثبت مداخل الموازين القسط وتكاملها (ميزان المقاصد وميزان المراتب وميزان الوسائل، وميزان المصالح والأضرار والمخاطر، وميزان الأدلة، وميزان الواقع واعتباره من فروض الوقت وفروض الواقع، وميزان المآلات للفعل والمستقبل) ضمن رؤية استراتيجية استشرافية.
مدخل ابن القيم الذي أثبتناه ومدخل الشاطبي الذي ألف بينه ونظمه حَريّان بوزن الفتاوى: وزن للمفتي وهو يتأمل القضية، ووزن الفتوى بعد صدورها واعتبارها، ووزن للمصالح والأضرار والأخطار فيما يتعلق بحال الأمة ومستقبلها، وهي موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب على ما أدى ابن القيم إلينا وأرادنا أن نتأمله.
محاور الدراسة:
- المقدمة
- مفاهيم المنظومة الإفتائية
-
الحالة الإفتائية وأحداث سبتمبر:
-
ثالثاً- دراسة الحالة الإفتائية.. وضروراتها
1-انظر في هذا المقام محاولتنا ضمن تفعيل مدخل القيم والمدخل المقاصدي في الفتوى: سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم…، مرجع سابق، ص ص 500 وما بعدها. وفى تكامل الموازين يمكن مراجعة: الفتوى المقاصدية وموازين الفتوى، ضمن دراسة مستفيضة يحاول الباحث القيام بها والتوفر على تأصيل ذلك والإشارة إلى إمكانات تطبيقها.
2- انظر ابن القيم، إعلام الموقعين..، مرجع سابق،ج3، ص1.
3- المرجع السابق، ص 309-311.




















