مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الحالة الإفتائية.. وأحداث سبتمبر

الفتوى حول العملية الإفتائية

كنا قد أشرنا فيما سبق إلى "فتاوى الحيرة" و"فتاوى الفتنة" وكذا "فتاوى الحرج"، وما بدا لدى الجمهور المخاطب أنه "تضارب في الفتوى"، "وفوضى في الساحة الإفتائية"، وحالات من الإفتاء تحولت إلى حالة تفاتٍ لها أسبابها ولها مظاهرها، ومع هذا التعدد -وربما التفرقة في الفتوى، والفتوى والفتوى المضادة، وفتاوى التخذيل وفتاوى التأصيل، واستمرارية حال الحيرة فيما يمكن تسميته "حيرة ما بعد الفتوى"[1]- اتخذت هذه الحيرة شكلين:

الأول- يتمثل في الاستفتاء في حال عدم الاطمئنان إلى فتوى بعينها، أو طلب التأكيد على الفتوى أو وجود معارض للفتوى بفتوى أخرى، كل ذلك يخلق حالة من البلبلة واستمرار الحيرة ربما تدفع المستفتي إلى إعادة السؤال أو التشكك في صحة فتوى ما، أو تجعله يطلب البيان والتأكيد، ويبدو ذلك ناتجًا عن حالة التفاتي، أو بروز فتاوى التخذيل، أو صدور فتاوى فردية هنا وهناك تجعل المستفتي مفتقرًا إلى اجتهاد شرعي معتبر يقدم الرؤية والموقف الفصْل في قضية ما أو واقعة.

أما الشكل الثاني- فهو انتقال المستفتي من السؤال المباشر عن القضايا موضع الفتوى إلى الاستفتاء حول الفتوى ذاتها، ويبدو أن أهم دافع إلى ذلك هو استمرارية الحيرة المترتبة على حالة التفاتي أو ما يتصوره المستفتي تضاربًا في الفتوى يجعله في نفس حال الحيرة والحرج فيما قبل الفتوى، وربما أشد، وربما لسان حاله يقول: إن العلماء استعصى عليهم الاتفاق على "حكم" أو "موقف"، فما البال بالعامة المفتقدين إليهم والفازعين إليهم في قضايا استعصت على إدراكهم، وبدا لهم اختلاط الأمور وربما خلط الأوراق؟

ومن هنا سنرى:

- فتاوى حول رأي مفتٍ في فتوى غيره، وهو حال لا ينهي حال التفاتي وربما يغذّيه ويفاقمه، خاصة مع استخدام أوصاف لا تليق بمقام العلماء، ضمن مفردات التخوين وغير ذلك من مفردات قد تشير بشكل مباشر أو غير مباشر إلى "التكفير". وقد ساعد على ذلك فتاوى الإنترنت، والفتاوى الفورية، وكذا الفتاوى الفضائية، وبينما يمكن استثمار هذا التطور المعلوماتي والاتصالي في بناء شبكة الفتوى وتحصينها وتعظيم حصانتها من العبث أو ما هو في حكمه، إلا أنه في بعض تجلياته غذّى عناصر الفرقة وحال التفاتي.

- فتاوى حول الفتوى ذاتها: كيف تكون؟ ما هي شروط من يفتي؟ ماذا يعني مقام الفتوى؟ كيف يمكن للفرد أن يتبنى أو يعمل بفتوى وقد تعددت الفتاوى وربما تضاربت؟ ما هو شأن العامّي حين تتعدد الفتاوى ويتفرق المفتون في فتاواهم؟

- كما أن هناك نوعية من الفتاوى قد تتساءل عن تنفيذ فتوى نظرًا لإصدارها من قبل المفتي على الإجمال، وكأنه حال استكمال الفتوى، وكان على المفتي خاصة في قضايا الأمة أن يراعي ذلك، فيتحدث عن الوسائل قدر الإمكان.

- وربما يتخذ ذلك شكل تسلسل الفتاوى؛ فيخرج من موضوع لموضوع، ويتساءل عن حكم الشرع في موقفه، وموقف غيره، وموقف النظام الخارجي، وموقفه إن منعه من المساهمة كما تقتضي الفتوى.. وهو أمر يشير  إلى بعض الوعي من جانب المستفتين الذين يتصورون وقد يتفهمون كيف أن الإشكالات التي ارتبطت بالأمة وقضاياها من التداخل والتواقف على بعضها، بما يصعّب عملية الفصل في أحيان كثيرة.

محاور الدراسة:


  أستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة

1-في إطار الفتاوى على الفتوى وحيرة ما بعد الفتوى انظر مؤشرات حول ذلك في الرجوع لموضوعات حول الفتوى وعملياتها ذاتها، انظر: محمد فؤاد البرازي، مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة www.alashnews.com/alshaah، انظر أيضاً "الفتوى: أدوارها وخطرها وكيفيتها" في: www.fatwa.net  انظر كذلك: ملف أعده هشام الديوان بضمنه، "تسييس الفتاوى يحول دون توحيد مصادرها": "مصادر الإفتاء في الإسلام"، وغيرها من مسائل إفتائية، www.almushahid.com.