أولا- منهجية بناء الفتوى.. والحالة الإفتائية
الإفتاء والاستدعاء الجمعي للقضايا
الأول- هو ضغوط الواقع بما يحمله من خيارات الأنظمة الرسمية على المفتي، وما يجعله -باعتباره قائد رأي- يحاول تشكيل الرأي العام حيال موقف بعينه بما يسند خيارات هذه الأنظمة.
الثاني- هو المعالجة الجزئية للقضايا (كردود فعل إفتائية) ضمن عملية صناعة الرأي العام وتعبئته حيال أحداث بعينها.
يترتب على هذين الأمرين أن المعالجة الجزئية وضغوط الرؤية الرسمية تفضي إلى حالة انتقائية للأدلة، بل حالة انتقائية ابتدائية (نقطة بداية) لتحديد القضية وتعيين الإشكال.
يمكننا ملاحظة ذلك في طبيعة الآراء الإفتائية في مواجهة أحداث بعينها: حادث فيلكا - إطلاق النار على الجنود الأمريكيين - إطلاق النيران على موظفين أمريكيين تابعين لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون (في الكويت) - مقتل موظفين أمريكيين ضمن الهيئات الدولية - ملاحقة دبلوماسيين أمريكيين وإسرائيليين (الأردن) - مقتل ممرضات أجنبيات متهمات بجهود تبشيرية (اليمن).
معظم الإفتاءات حول هذه الأحداث وربطها ببعضها يتأتى من وصفهم "بالمعاهدين" أو "أهل الذمة"، وما يترتب على هذا الوصف من حقوق وأصول تعامل، والالتزامات التي تترتب على قيام ولي الأمر بالتعاهد، أو ما في حكمه من الإقامة.
ومن حق من يستدعي القضايا أن يفعل.. إلا أنه ليس من حق المفتي أن يحدد نقطة بداية لا تستدعي مجموع القضايا، فإنه في الحالة الكويتية -خاصة- وبعد كل حدث يخرج المشايخ على القناة الفضائية الكويتية يملون على الناس أحاديث التعاهد، أو عقد الذمة وما يرتبط به من التزامات، ووجوب الخضوع لتبني ولي الأمر[1].
وهذا الوضع الإفتائي يتجاهل قضية غاية في الأهمية هي "الوجود الأمريكي في الخليج" وفي "جزيرة العرب" والآثار المترتبة والمتعدية له على مجمل الأمة. وهذا الأمر بدوره قد يستدعي "حرب الخليج الثانية" التي حدثت وقائعها بالغزو العراقي للكويت واجتياحها.
إنها أمور شديدة التشابك لم يعد يصلح فيها عناصر التجزيء في القضايا، أو الاستدعاء الانتقائي، وتجاهل إشكال الدولة القومية والمصالح القطرية، والأمة ومصالحها الكلية، والتركز على خيارات الأنظمة مع تجاهل خيارات الشعوب، أو بعض الرؤى المتنامية التي تتخذ موقفًا مناوئًا للوجود الأمريكي في العالم العربي ومنطقة الخليج خاصة.
الكويت وبعض دول الخليج من حيث أرادت أن تجلب "الأمن" ضمن مظلة الحماية الأمريكية صارت مضغوطة -أنظمة وشعوبًا- ضمن خيارات السياسات الأمريكية الكونية؛ ففقدت الأمن وبدت المنطقة ضمن ضغوط معينة تتبنى رؤية تُفقدها أمنها، وربما توافق على سياسات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وربما لا تتفق معها.
قضية الوجود الأمريكي بكل تداعياتها -منذ حرب الخليج الأولى والثانية، وربما حرب الخليج الثالثة طيلة عقدين- تجعل هذه المنطقة في حال حرب (فاقدة للأمن) بشكل شبه مستمر[2]. هذه واحدة من القضايا الإفتائية التي تستحق التحديد والتعرض لها ضمن رؤية إستراتيجية بصيرة.
تابع في هذا المحور:
- منهجية بناء الفتوى.. والحالية الإفتائية
- الفتوى والمفتي.. والدور المفترض
- العملية الإفتائية وقضايا الأمة
- التفاتي المصنوع والمصطنع
- الفتاوى الملونة.. المكان والمصلحة
- التَّحَيُّل في العملية الإفتائية.. وآلياته
- "استفتِِ قلبك".. وفتاوى الأمة
- الإفتاء والاستدعاء الجمعي للقضايا
محاور الدراسة:
- المقدمة
- مفاهيم المنظومة الإفتائية
الحالة الإفتائية وأحداث سبتمبر:
1- سبقت الإشارة إلى ذلك؛ فقد تتبعنا الفضائية الكويتية طيلة أسبوع أخذت تبث بما يشبه الفتاوى على وتيرة واحدة، خاصة بعد أحداث استهدفت الأمريكان، وهي أمور ربما تتعلق بمسألة كبرى تستحق البحث المستقل وهي "الوجود الأمريكي في المنطقة وإعانته وأثر ذلك على مصلحة الأمة".
2- قضية الوجود الأمريكي بدأت تشهد حالة استفتائية، مع تصاعد استهداف الولايات المتحدة عالم المسلمين، نحيل في هذا المقام إلى ندوة لبعض المفكرين الإسلاميين حول "الوجود الأجنبي في المنطقة" باعتباره أمراً غير شرعي، يوم الأربعاء قبيل عيد الأضحى. وقد حضر هذه الندوة المستشار طارق البشرى، ود.محمد سليم العوا، ود.محمد عمارة، وأ.فهمي هويدي، ود.أحمد أبو الوفا أستاذ القانون الدولي.




















