أولا- منهجية بناء الفتوى.. والحالة الإفتائية
"استفتِ قلبك".. وفتاوى الأمة
وهذا المدخل -مع فهمنا المتواضع له- يحتاج إلى مزيد من تحرير:
- إن قول النبي عليه الصلاة والسلام: "استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك" (رواه أحمد وغيره) إنما ينصرف إلى مخاطبة ضمير الفرد في عرض الواقعة، واستنهاض الوازع الداخلي، وهي من الأمور التي يحسن أخذ الفرد بها فيما يتعلق بالفتاوى التي تخصُّه. فعلى الفرد ألا يتخذ الفتوى سُلمًا يسوغ بها سلوكه، أو ينفلت بها من شرع الله؛ فالأصل أنه يستفتي لافتقاره لحكم الله في الحادثة أو الواقعة أو الحالة.
- إن استحضار النية في إحقاق الحق وإبطال الباطل فيما نحن فيه لا يُعد بأي حال مجرد أن ندل الفرد على ما قد يريح به نفسه، فإن تيقن الفرد بإضرار آخر لا يصلح معه هذا القول أو تلك النية في إحقاق الحق وإبطال الباطل، كيف يمكن أن ندله على استحضار تلك النية، وهو يقوم بعمل يزهق فيه نفس مسلم آخر بغير حق؟!
- إن حال الحيرة التي جعلت المستفتي يسأل إنما تعبر عن حالة استفتائية عامة تُطلب من المفتي الأكثر علمًا وحكمة وأهلية ومُكنة في استخراج حكم الله -سبحانه وتعالى- في الواقعة والواقع، ورد هذا الأمر على ما نعده من فتاوى الأمة إلى الفرد المستفتي مرة أخرى، فيما يقدره هو من ضرر يقع عليه، إنما لا يُنهي حال الحيرة بأي حال، بل يزيد هذه الحيرة والارتباك، بل قد توحي للمفتي أن يفتي بأنه في حالة حيرة وارتباك لا تقل عن حالة المستفتي. فالقضية التقديرية هنا تحتاج لمزيد من تدقيق، وكذا توابعها على الصورة الذهنية والإدراكية للعملية الإفتائية برمتها وبكل أطرافها.
- إن القول بأن الفتوى غير ملزمة، والإيحاء بأن الفرد يستطيع أن يختار الفتوى التي تعجبه وفق تقديراته، هو من الأمور التي تحتاج إلى مزيد من تحرير وتدقيق، خاصة حينما نربط هذه الفتاوى بالأمة. فتاوى الأمة -مع مراعاة المفتي لمصالح الأمة الكلية، وإدراج مصلحة الفرد فيها، وتعارض المصلحتين والموازنة بينهما- فقه أكيد يعبر عن عمليات منهجية، إذا لم تؤخذ على وجهها الصحيح صار ذلك دعوة للمسلم أن يغلِّب مصالحه، وربما -بتعبير أدق- هواه وما يحفظ له من مكاسبه، بغض النظر عن الإضرار بالآخرين، حتى لو كان الضرر ضررًا جسيمًا يصل إلى حد إزهاق النفوس وقتلها. والشريعة -على ما قال الشاطبي- أتت لتخرج المكلف عن داعية هواه، وجاءت لتعبر عن إلزام بمقتضاها وبأحكامها ومنظومة تكليفاتها.
- وضمن هذه اللغة التقديرية التي ترد للمستفتي مجمل أمره في التقدير (إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل) تأتي المقولة "ارتكاب أخف الضررين" لتسوغ الأمر في دائرة التقدير من دون ضوابط أو روابط. وهذه من الأمور الواجب التبيُّن فيها؛ فليس كل من ادعّى الضرورة نسلِّم معه بها، ووزن الضرر "الأخف" و"الأشد" لا يُترك لتقديرات الأفراد، ولكن إلى موجبات الشريعة؛ فهل الضرر الأدنى في جانبه هو المقدر من دون النظر في ضرر الآخرين؟ إن النظر في نظرية الضرر ومنظومة قواعدها تُحيلنا إلى القاعدة الأصلية "لا ضرر ولا ضرار"، "الضرر يُزال". فإذا كان الضرران أحدهما يتعلق بالفرد المسلم، والضرر الآخر يتعلق بآخر، وجب على المفتي وزن الأضرار على قاعدة من مقتضيات الشريعة وموجباتها. فهل ضرر المسلم الأمريكي في فَقْد وظيفته مثلاً يضاهي الضرر الذي يصيب مسلماً آخر يؤدي إلى إزهاق روحه وفقدان أصل وجوده بغير حق؟
موازين الضرر[1] تستحق منا مزيداً من التأمل في هذه الأمور، وإلا جعلنا الشرع تابعاً لهوى الفرد يوجهه كيف يشاء وأنَّى شاء، وهذا ليس إلا انفراطاً في الأمر يجعله -بحكم التقدير- ممن "اتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا". وانفراط الأمر ليس في مجرد أمر يخص الفرد، بل هو يتعدى إلى غيره وهو ضياع للحقوق الأصلية والابتدائية، وليس هناك من حرمات أولى بالمراعاة من حرمه النفوس، والشواهد والأدلة الواردة في بعض الفتاوى التي أجازت لهؤلاء القتال في صفوف الجيش الأمريكي أكثرُ وأبينُ من أن نكررها في هذا المقام.
في هذا السياق فقط يمكن فهم جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضاها حول "استفت قلبك"، ووصفها ضمن سياقاتها ومقاماتها.
تابع في هذا المحور:
- منهجية بناء الفتوى.. والحالية الإفتائية
- الفتوى والمفتي.. والدور المفترض
- العملية الإفتائية وقضايا الأمة
- التفاتي المصنوع والمصطنع
- الفتاوى الملونة.. المكان والمصلحة
- التَّحَيُّل في العملية الإفتائية.. وآلياته
- "استفتِِ قلبك".. وفتاوى الأمة
- الإفتاء والاستدعاء الجمعي للقضايا
محاور الدراسة:
- المقدمة
- مفاهيم المنظومة الإفتائية
الحالة الإفتائية وأحداث سبتمبر:
1-ضمن موازين الضرر راجع: أحمد موافي، نظرية الضرر، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة: دار العلوم: قسم الشريعة، 1996. انظر وقارن: سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، ضمن: د.نادية مصطفى (مشرف عام ورئيس فريق)، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج2،1999، ص ص 515-525.




















