أولا- منهجية بناء الفتوى.. والحالة الإفتائية
التحيُّل في العملية الإفتائية.. وآلياته
تحيُّل المستفتي
أما من جانب المستفتي فقد يقع ذلك في عدة أشكال يمكن رصد أهمها:
- صياغات السؤال الإفتائي بشكل موحٍٍ يستثير عناصر غدد الفتوى، أحيانًا يتضمن السؤال خطوط بعض إجاباته، وعلى جلالة قدر المفتين، فإن البعض يقع في فخ السؤال، ومن هنا وجب على المفتي أن يفحص عناصر السؤال، ويتعرف على صاحب السؤال وعلاقته به، وقد يكون عليه إعادة صياغة القضية بطرح الأسئلة كما يجب أن تُطرح.
- قدرة المستفتي على تحويل فتاوى الأمة إلى فتاوى فردية؛ فعلاقة الخاص بالعام عملية غاية في الأهمية، واستحضار ذاكرة الفتوى تراثيًا، واستصحاب حال المفتي والقضايا التي تُعرض عليه وقدرته على تحويل السؤال ضمن دائرة العام.
كل ذلك يذكّرنا كيف التقط الإمام مالك الرسالة المتضمنة في استفتاء أحد الأفراد حول يمين المُكرَه، وإمكانية وقوعه، خاصة أن السلطة أرادت أن تؤمن نفسها فانتقلت من الشأن العام إلى الشأن الخاص، ذلك أن أي خروج أو إنكار على السلطة يجعل زوجته طالقًا منه وتتهدم الأسرة، وهو أمر سُمّي في التراث "أخذ البيعة بالأيمان إكراهًا من السلطة والسلطان".
إن مالكًا وقد التقط الرسالة، ورغم الاستفتاء الخاص من فرد بعينه، فإنه استطاع أن يحول تلك الفتوى الخاصة إلى عامة بحنكة المفتي ووعيه بالواقع الذي يعيش فيه، ومن ثم جاء الجواب على نفس القدر من العموم والتعميم ليؤكد على القاعدة الحاكمة في هذا المقام "ليس لمستكره يمين" أي أن اليمين الذي يُكرَه عليها -كائنًا من كان- لا تقع ولا يترتب عليها أي التزامات[1].
سنجد في فتوى مشاركة الجندي المسلم الأمريكي في القيام بحرب أفغانستان ضمن الجيش الأمريكي من يتحدث عن حالة أو حالات مشابهة، ولكنها تشمل عموم الأمة[2]، نحن أمام ضررين يتعلقان بالسلوك:
الأول: ضرر متيقن وهو "قتل المسلم بالشبهة"، وهو أمر غليظ في الحرمة {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا...] [المائدة: 32]. وهذا في شأن النفس البشرية عامة.. فما بالك بتغليظ الحرمة إن كان مسلمًا؟
الثاني: وضرر مظنون يتعلق بالإخلال بواجبات الوظيفة أو المهنة، ووهم مظنون إذ يعدّ الامتناع عن الخدمة أو المشاركة في القتال من الأمور التي تجد في النصوص القانونية والمرجعية الدستورية مندوحة للامتناع، وحتى مع وقوع الضرر، فلا يُقارن الحفاظ على الوظيفة بالحفاظ على النفوس والأرواح.
إن أخذ الفتوى بمحدودية مستفتيها قد يستجدي من المفتي قولا بالجواز، أما ترجمة الأمر وتسكينه بأنه من فتاوى الأمة واستنادًا إلى القاعدة "لا تقية في الدماء"، وحرمات النفوس، فإنه مما يعتدل به الميزان، ويحرم ذلك تحريمًا مطلقًا بحسابات موازين المصالح والضرر، وبحسابات موازين المقاصد الكلية العامة، وبحسابات موازين الحفظ الكلية والضرورية، وبحسابات موازين الضرر وارتكاب أخف الضررين بتغليب المتيقن على المظنون أو ما هو أقرب إلى ذلك، وتغليب مصالح الخلق في العموم على مصلحة الذات، وتقديم حفظ النفوس على حفظ المال أو غيره. هذه من النماذج الواضحة حينما يتحيل المستفتي بـ"تلوين السؤال" في الصياغة استشارةً واستدرارًا لغدد الفتوى في طريق بعينه، ومن هنا وجب على المفتي أن يصوغ السؤال صياغة جديدة، تتلاءم مع تسكينه القضية بأنها من فتاوى الأمة لا بعض أفرادها.
حواري الفتاوى
- ومن عناصر الاستدراج الاستفتائي كذلك ما يقوم به المستفتي ليس بتوليد الفتاوى، ولكن بأمر آخر هو ما يمكن تسميته "حواري الفتاوى" ضمن متاهات الفعل والحدث، وهى أمور تكر على أصل القضية، وأصل السؤال، وتفرغ الفتوى من مضمونها، وهو أمر يشكل واحدًا من مداخل وآليات التحيُّل في العملية الإفتائية، حينما تطغى الفروع على الأصول في الفتوى، في زحف للفروع على الأصول من دون مسوِّغ في عملية استدراج وجب على المفتي أن يعيها فيرد الأمر للأصل، ردا جميلا وعميقا، ولا يساير المستفتي.
أهم نموذج دالّ على ذلك الشكل من التحيُّل تمثَّل في قيام بعض الفتيات بعمليات استشهادية في وقت صعَّدت فيه قوات الأمن الإسرائيلي دائرة الحصار، وضيَّقت الخناق على حركة الاستشهاديين ووسعت دائرة الاشتباه، فكان دخول الفتيات هذا المجال اختيارًا عبقريًا. فكان الاستفتاء حول "جواز أن تقوم المرأة بالعمليات الاستشهادية...[3](28)، وتحولت القضية من هذا الاختيار العبقري الذي أربك الأمن الإسرائيلي إلى حالة أخرى وكأننا نستدعي كل قضايا المرأة:
- فهل يجوز القيام بذلك في أرض الكفرة (بلا مَحْرم)؟!!
- وتقرأ بين السطور: "...هل نَفَد الرجالُ حتى تقوم بذلك الفتيات والنسوة...؟!!
- وما هي الكيفية التي تقوم بها المرأة في حال ومظهر يخالف الشرع؛ من حيث اختلاطها بالرجال، وكشف شعرها، وقيامها بذلك دون حجاب؟!!
- ومزيد من التنطع حينما يحيل المفتي إلى القول بأنها لو ذهبت بالحجاب لانكشف أمرها!!
أترون ذلك المستفتي الذي يتحدث من مقاعد الراحة، لا يملك أي حِسٍّ جهادي يتحرك في أسئلة، ضمن "حواري الفتاوى" ضمن متاهات تحول الفتوى من أهمية العمل الاستشهادي وقيمته وتأثيره في ظلال صراع انتفاضي ممتد إلى إفراز كل فقه المرأة من اللمز بالدونية في الفعل وفي الصلاحية للفعل الجهادي، وحتى المناقشة في الشكل الذي ستمارس به الفعل، وهو يعرف المعرفة التامة أن هذه القنابل البشرية أول ما تحدثه هو تفجير نفسها لقتل العدو أو إصابته، وسيتفرق الجسد أشلاء...؟ ربما كان ما لم يقله هذا المستفتي أن عليها ألا تقوم بهذا الفعل؛ لأنه قد يُظهر من جسدها ما يجب ستره، وكأنها في حال استعراض بالجسد!
ومن المؤكد أن هذا الاستفتاء كان من رجل يجلس في مقاعد الرفاهة البارد ويتحدث عن الجهاد بالنفس بهذه الطريقة!
ماذا كان على المفتي حينما يتعامل مع المستفتي أو الفتوى؟ هل له أن يقول: من المهم أن تخرج في هيئة شرعية فلا ترتدي الحجاب المعتاد، بل ترتدي القبعة أو البرنيطة بحيث لا يشك بأمرها؟ هذا خطر في الفتوى والإفتاء، فيجري افتراس الأصل بأسئلة فرعية لا تستحق السؤال، كان على المفتي أن يذكِّر السائل المستفتي: أيها القاعد المُشقق للأسئلة، تقدَّمْ وافعلْ فعلَ الرجال في الجهاد، وكان عليه ألا يُستدرج إلى ارتداء القبعة أو خلافه أو إلى سؤال عن أحكام سفر المرأة، والأمر في الحالة الفلسطينية أن الاجتهاد قد يتعين على كل رجل وامرأة، على كل شيخ وطفل وصبيّ، هذا هو درس الانتفاضة، لا تثاؤب الشقشقة الاستفتائية.
* أما الشكل الرابع للتدليس في عملية الاستفتاء من مثل التلبيس في الأسماء والمعاني، وذلك من مثل من يستفتي عن الإرهاب، وفق عناصر معبئة ضد الكلمة المحملة تحميلاً سلبيًا، وما يعنيه ذلك من ضرورة ألا يقع المفتي في أفخاخ السؤال، بل عليه تحرير لغة السؤال، والمفاهيم المتضمنة فيه أو التي يشير إليها، وكشف المعاني والمقاصد الفاسدة، بما يتيح له إعادة صياغة السؤال، فإن كان ذلك من الواجبات في فتاوى الأعيان؛ فهو أوجب في فتاوى الأمة. وربما قد يلمز بمعاني الإرهاب والعنف، وهو قد يتحدث عن الجهاد وبعض من أشكاله وأدواته وطرائقه، وغير ذلك مما تصعب الإشارة إليه في هذا المقام.
تَحَيُّل المفتي
- فإذا كان التحيُّل من المستفتي واردًا فإن التحيُّل من المفتي هو الطامة الكبرى.. فإن الشارع -على ما يقول ابن القيم- "... يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة؛ فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرَّم إلى من يُعمل الحيلة في التوصل إليه؟ فهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدل على تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها في دين الله..."، "ومدار الخداع على أصلين: (أحدهما) إظهار فعل لغير مقصوده الذي جُعل له. (الثاني) إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له.. والمقصود أن ما في ضمن المحرمات من المفاسد، والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيُّل بما يبيحها ويسقطها، وأن في ذلك مناقضة ظاهرة..."[4].
إن ما يؤكد عليه ابن القيم بهذا المعنى الكلي للتحيل قد يحيلنا إلى بعض آليات المفتي في التحيُّل أو اتخاذه ذريعة ووسيلة له. ويمكن أن يأخذ تحيل المفتي مجموعة من الآليات والأشكال، نذكر منها:
- طغيان السياسي على "الحالة" و"الموقف" الإفتائيين؛ نعني بذلك عملية التسييس في الفتوى، ومصادرة أي موقف في التعاملات إلى "أولي الأمر" وطاعتهم، وهي محاولة لمصادرة المواقف المناوئة للرؤى الرسمية بدعوى طاعة أولي الأمر، من ذلك ما يتعلق مثلاً بالاستعانة بالأجانب، والوجود الأمريكي في الخليج، وعمليات المقاطعة كخيار لأولي الأمر يقدّرون جدواه من عدمه.
"مدخل أولي الأمر وطاعتهم" من مداخل التحيُّل بالفتوى، فهو ترك لأصل الموضوع، وكأن الصواب يلازم تخير ولي الأمر أو تبنيه ولا يجوز دفعه، وهو أمر يجد إسناده في شيوع مفهوم مغلوط للطاعة، لا يشير إلى قيد أساسي يتعلق باستمداد مشروعية الطاعة للمخلوق من استنادها لطاعة الخالق: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، ويتعلق بشرط مهم: "إنما الطاعة في المعروف"، ويؤكد ذلك آية الطاعة لأولي الأمر، التي تشير إلى الطاعة الملحقة (لطاعة الله وطاعة الرسول)، بل تتعلق كذلك بما يؤكده أولو الأمر من العلماء والأمراء (منكم) بالاختيار والرضا وليس بالاستعلاء أو التنفذ بالقهر والغلبة والشوكة (عليكم) أو (فيكم).
إن التعبير بـ"منكم" إشارة إلى حقيقة الاختيار، وهى أمور آن الأوان للإشارة إليها[5]، حتى لا يتمكن المفتون (محاباةً أو رهبة، طوعاً أو كرهاً) من مصادرة الفعل الشعبي والجماهيري ودور المؤسسات القادرة على الفعل لمصلحة تبنّي ولي الأمر، حتى يجعلوا الطاعة إطلاقًا حتى لو أدى ذلك لتبنيهم أمرًا مخالفًا يعكس حال العجز عن الفعل، فتسمى التبعية "تعاهدًا"، وتُسمى حمايتهم من أي فعل "إجارة"، ويسمى الوجود الأمريكي وعدم التعرُّض له "احترام أهل الذمة"[6].
لا شك أن ذلك يعبر عن حال التسييس الخطير للفتوى، ويبدو أنه لم يتفهم بعض المفتين في هذا الزمان بعدُ درس الإمام مالك حينما نقل الأمر الخاص إلى العام للتأكيد على أن كل إكراه من ولي الأمر لا يقع، وليس معتبرًا؛ لأنه خارج عن دائرة "المعروف" شرعاً وعملاً وواقعاً، فأخذ البيعة لا يقع وليس معتبراً لأنه خارج عن دائرة "المعروف" شرعا وعملا وواقعاً، فأخذ البيعة بالأيمان إكراه لا مراء فيه. مواجهة السلطة في تسييس الأمر الخاص (البناء الأسري وعملية الطلاق وربطه بالبيعة) لم يجد معه الإمام مالك إلا أن يرد الأمر لقاعدته التأسيسية فالتقطت السلطة ذلك وامتحنته.
ومن أشكال التحيُّل القول بأن الاختلاف أمر طبيعي، حتى لو كان اختلاف تضاد لا اختلاف تنوع، واختلاف الفتوى في حال الحيرة وحال الفتنة وحال الحرج في قضايا الأمة ضمن لسان حال يشير إلى اختلاف الرحمة، فإذا كان ذلك جائزًا في فتاوى الأفراد والأعيان فإنه وجب مراعاة أن تكون الفتوى مدخلا لجامعية الأمة وتماسكها؛ فالاختلاف حول قضايا الأمة فيها أو عليها فتنة وفُرقة. ولذلك مداخل مهمة في تأسيس الفتوى وتأصيلها، وضرورة وضع حد لمحترفي الفتاوى الرسمية؛ فالإفتاء مؤسسة أمة حتى لو عيَّنه صاحب السلطة؛ فهو لا يفتي للسلطان، بل يملك سلطان الفتوى يجعل من الشرع قبلته ومن مصلحة الأمة بوصلته.
سد مداخل التفاتي بدعوى طبيعية مسألة الخلاف يجعلنا نحرر معنى الاختلاف وأسبابه وعدم جدواه أو جديته في قضايا وفتاوى الأمة، حال التفاتي في القضايا التي تشير إلى التحديات المتنوعة في عالم المسلمين فيما بعد أحداث سبتمبر تمثل الخداع والتحيُّل في تسمية التنازع اختلافًا، والتنازع يعني الفشل وذهاب الريح والأثر والفاعلية[7].
ومن أشكال التحيُّل ذلك الذي يجعل من الفتوى صندوقًا مغلقًا أسود تخرج منه النتيجة بأن هذا الأمر حلال أو حرام، أو جائز أو غير جائز أو غير ذلك من مفردات اشتهر استخدامها في الفتوى، وليست الفتوى القصيرة بليغة بالضرورة، بل هي غالباً تصاغ في عبارة سريعة ومتسرعة، وربما يتعلل في ذلك بضرورة صياغة الفتوى ضمن خطاب قصير يفهمه العامة، فتبدو الفتوى "فورية"، "متسرعة" تؤدي إلى النتائج من غير مقدمات.. وهذا النمط الإفتائي صار لا يصلح في الفتاوى البصيرة والفتاوى الإستراتيجية والحضارية، فتاوى الأمة خطاب للأمة بتنوع فئاتها الفاعلة، لتبصير كل فئة بمسئوليتها وتحديد أدوارها وفاعلياتها، فتاوى الأمة يجب أن تشمل عناصر خطاب متنوع بتنوع جهاته، واستيعاب ذلك لا يكون إلا في ظل فتاوى بحثية متعمقة قادرة على التفعيل، وأن تشكل قاطرة للفعل والفاعلية.
ومن أشكال التحيُّل كذلك دعاوى التيسير، فإن الخيارات الجهادية أو المقاوِمة للعدوان هي مما يرى البعض أنه يشقُّ على المسلم، كما يضع الأنظمة في حرج، وهذا التحيُّل غير معتَبر (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...)، فالتيسير في الفتوى أو دعواه لا يعني التفريط في مصالح الأمة. سنرى ذلك في فتاوى التثبيط التي تتعلق بجدوى القيام بالمظاهرات أو الاحتجاجات، وجدوى القيام بالمقاطعة، بل سار البعض شوطًا أبعد حينما تحدث عن جدوى العمل الانتفاضي الجهادي؛ فسمة التيسير في بنية الشريعة لا تعني تضييع أركانها وعمومها في معاني التكليف والفروض والواجب.
ومن أشكال وآليات التحيُّل كذلك حالة "الشعوبية الإفتائية" التي تعد أهم أعراض وأمراض الدولة القومية في عالم العرب والمسلمين؛ فقد بدا لمؤسسات الفتوى أن تصدع بأنها تمثّل دولها ومصالحها القومية المباشرة كما حددها أولو الأمر!! والأمر ليس إلا تحيلا مرة في ثوب شرعي، ومرة بدعوى الاستجابة لحقائق الواقع السياسي والضغوط الحضارية التي يمثلها ذلك الواقع، وهي أمور حدت بتفتيت مصالح الأمة وتشرذمها، وفي بعض الأحيان تنازعها وتصارعها في حال أن يورث تشكيل الفتوى وفقاً للحدود القومية!
أما أخطر أشكال التحيُّل فهو في بروز فتاوى أو بيانات أو غير ذلك من أمور يمكن تسميتها "فتاوى التخذيل" في مواجهة "فتاوى التأصيل" بدعوى فهم الواقع والواقعية، يساند هذه الفتاوى حالة إعلامية رسمية، وبعض بؤر الحالة الثقافية التي تدعي الواقعية والبعد عن المثالية.
نستطيع أن نؤكد أن حشد "فتاوى التخذيل" كفتاوى مضادة "لفتاوى التأصيل" في محاولة للتشكيك في المواقف وأدوار الفتوى الكفاحية التي تشكل رافعة للثقافة الجهادية وثقافة المقاومة، نستطيع أن نؤكد أن فتاوى التخذيل تلك هي أهم عامل في صناعة حالة التفاتي التي تستند إلى أسباب كثيرة بعضها ظاهر وبعضها كامن.
وضمن هذه الآليات للتحيل الانحراف بالضرورة التي تحيلنا إلى استدعاء ما يمكن تسميته بـ"ذاكرة الفتوى"؛ إذ يتم استدعاء ذاكرة الفتوى كنوع من تصفية الحسابات، لا بالاعتبار الداعي إلى التعرف على الامتدادات التاريخية للحدث كمدخل مهم يفيد بعملية الاعتبار، وفقه الواقعة والواقع. كثيرًا ما كان يحدث ذلك بصدد الفتاوى التي تتعلق بالحالة العراقية، وتمسّك المفتي حين الحديث عن القوات الأجنبية والوجود الأمريكي، بالحديث عن غزو العراق للكويت بأنه كان بداية لذلك، ولا تزال العراق تشكل تهديداً في ذلك النطاق الإقليمي[8].
كما يتضح ذلك أيضًا في استدعاء عقود من الذاكرة تتعلق بالتعاهد وأهل الذمة، وعقود الإجارة لتطبيقها في حالات برزت بُعيد أحداث فيلكا بإطلاق النار على الجنود الأمريكيين وأشكال الوجود الأمريكي الأخرى، وهو أمر يوحي لنا بأن عملية "تسكين الحدث" وتكييفه عملية في غاية الأهمية؛ فكيف يُستدعى هذا الفقه لأغراض وموقف مصنوع.. تسمية هذا الموقف على ما هو عليه باعتباره يشكل السؤال الصحيح حول "مشروعية الوجود الأمريكي" واستمراره؟
فمن المؤكد -في سياق دعوى الإعالة الأمنية في منطقة الخليج لتبرير الوجود الأمريكي، وباعتبار مقصودها في تحقيق الأمن لمنطقة الخليج- أن الواقع صار يؤكد غير ذلك، فدول الخليج حين تُجَر إلى حرب أمريكية ضد العراق، هي باليقين لا تكسبها أمنًا أو استقرارًا، بل تحمّلها تبعات السياسة الكونية الأمريكية ومعاونتها.
وعلى تفاوت في المواقف صارت التبنيات الرسمية من قبل الأنظمة السياسية مدخلاً كذلك لعلاقات الولايات المتحدة بهذه الدول؛ ففي حين سمت دول نفسها "مملكة" من باب تعظيم المكانة، تعبر عن أنها دول صغيرة لا تستطيع أن تقول لأمريكا: لا، ولا يمكنها أن تستدرك عليها، وحين أشارت سياسة السعودية إلى أن خيارات أمريكا ليست بالضرورة خيارات المملكة العربية السعودية، كان الأمر بالتلويح لها بحقوق الإنسان، والعملية الديمقراطية وضرورة تغيير المناهج الدينية، والإشارة إلى أنها تشكل محاضن العنف والإرهاب[9].
وبدا كذلك ضمن الأمن المتوهَّم الذي جلبته أمريكا للمنطقة المحاولة لقصف الفاعليات التي تتعلق بالمؤسسات الخيرية الإسلامية، والتدخل في عمليات المراقبة المالية والعمليات البنكية، ماذا إذن عن الأمن إن كانت أداته الاحتلال أو ما يشبهه؟ إنه استدعاء أنظمة "الحماية" القديمة التي نشأت مع الظاهرة الاستعمارية قبل الاستقلال[10].
تابع في هذا المحور:
- منهجية بناء الفتوى.. والحالية الإفتائية
- الفتوى والمفتي.. والدور المفترض
- العملية الإفتائية وقضايا الأمة
- التفاتي المصنوع والمصطنع
- الفتاوى الملونة.. المكان والمصلحة
- التَّحَيُّل في العملية الإفتائية.. وآلياته
- "استفتِِ قلبك".. وفتاوى الأمة
- الإفتاء والاستدعاء الجمعي للقضايا
محاور الدراسة:
- المقدمة
- مفاهيم المنظومة الإفتائية
الحالة الإفتائية وأحداث سبتمبر:
1- نظر في قضية البيعة بالأيمان وهى الإطار الأوسع لفتوى مالك: ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين..، مرجع سابق، ص ص 66-69.
2- انظر في هذا المقام جملة الاختلافات حول هذه الفتوى: وسام فؤاد، مشاركة الجندي المسلم في حملة الإرهاب www.islamonline.net وقد استعرض كافة الفتاوى حول الفتوى التي استدعت هذا النقاش. وكذلك الملف الذي جمعه موقع islam on line وكذا ما قمت على تجميعه من المواقع المختلفة وإحصاء ذلك أمر مهم، ولكنه يطول بنا المقام لو أثبتناه تفصيلاً.
3- انظر في هذا المقام الفتوى الدالة على قيام المرأة بالعمليات الاستشهادية "فتوى الدكتور يوسف القرضاوي"حول مشاركة النساء في العمليات الاستشهادية www.moqawmh.com/montada/، قارن في هذا المقام فتوى د.خالد المذكور حول المرأة الفلسطينية في العمليات الاستشهادية www.islam-online.net.
4- انظر في الحيل المحرمة لدى ابن القيم والتأكيد على سعيها في دين الله بالفساد من وجوه: (أحدها) إبطالها ما في الأمر المحتال من حكم الشارع ونقض حكمته فيه ومناقضته له. (والثاني) أن الأمر المحتال به ليس عنده حقيقة ولا هو مقصوده، بل ولا هو ظاهر المشروع، فالمشروع ليس مقصوداً له والمقصود له هو المحرم نفسه. (والثالث) نسبة ذلك إلى الشارع الحكيم.. وهو سعي بالفساد في الشريعة، فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها.." . ابن القيم، إعلام الموقعين..، ج3، مرجع سابق، ص ص 158-159.
5- انظر في هذا المقام: سيف الدين عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي: منهجية التجديد السياسي وخبرة الواقع العربي المعاصر، الأردن- عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002، ص ص 323-325.
6- نشير في ذلك إلى بعض الفتاوى الفورية التي قد لا تدل على الوسائل وهو ما عبر عنه أحد الكاتبين: ضرغام أبو زيد، لماذا أزعجتهم هذه الفتوى؟ فهو بعد أن يتحدث عن أهمية فتاوى مهمة في المقاطعة والمقاومة أفاد أن بعض الفتاوى "أمانيّ معتملة في الصدور لا أكثر.. تلك الفتاوى الجهادية التي لم تحرّك ساكناً لدى العدو".
7- في طبيعة الخلاف حول فتاوى الأمة وتحرير هذه المسألة سبقت الإشارة إلى بعض عناصرها، راجع كذلك: أبو محمد بن عبد الله البَطَلْيَوسي، التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم، تحقيق: د. أحمد حسن كحيل- د. حمزة عبد الله النشرتي، القاهرة: دار الاعتصام، 1978.
8- انظر فتاوى الحالة العراقية والاختلاف بصددها ضمن استدعاء الذاكرة لتصفية الحسابات، تلك الفتاوى التي صدرت تذكِّر بفعل العراق في غزو الكويت، وأن ذلك قد يحرك عناصر استدعاء التنائية.. مما كان له دخل في تسييس بعض هذه الفتاوى والحديث عن مشروعية الاستعانة بالأمريكان والتحالف معهم لضرب العراق.
9- انظر عناصر سياسة أمريكا مع منطقة الخليج يبدو أنها تعمل ضمن صياغة تبعيتها بشكل ترغبه الولايات المتحدة في كتاب مبكر لأستاذنا المرحوم د.حامد عبد الله ربيع، الأبعاد الإستراتيجية لصراع القوى الكبرى حول الخليج العربي، بغداد: معهد البحوث والدراسات العربية، سلسلة إستراتيجيات عربية، رقم (1)، 1983، قرب وراجع: د.محمد عصفور، كارثة الخليج.. وأزمة الشرعية في العصر الأمريكي، القاهرة: دار القارئ العربي، 1991 (انظر الفصل الثاني ص ص 289 وما بعدها).
10- انظر في قصف المؤسسات الخيرية الإسلامية، ضمن ما قُصف بعد أحداث سبتمبر: سيف الدين عبد الفتاح، سلسلة حوارات لقرن جديد: مقاربة المجتمع المدني والأهلي من منظور إسلامي: بين الفكر والممارسة، حوارية مع د. الحبيب الجنحاني، دمشق: دار الفكر،2003.




















