مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

أولا- منهجية بناء الفتوى.. والحالة الإفتائية

الفتوى والمفتي.. والدور المفترض

من المهم أن نؤكد في هذا المقام على أن فتاوى الأمة بما تشكله من حالة استفتائية تُعتبر من أهم عناصر استمساك العالِم الشرعي بدوره في الأمة والنهوض بها، وإخراجها من حالة الحيرة والبلبلة والاضطراب. فالعالِم الشرعي -بما له من الريادة- لا بد أن يمارس دوره الواضح والمرشد (والحكمة تقول: إن الرائد لا يَكْذِبُ أهله). وإن فتاوى الحيرة يجب ألا تُعالج بحالة من حيرة الفتوى[1]. وفتاوى المحنة والفتنة يجب ألا تتحول إلى فتنة الفتوى؛ فتزيد حال الفتنة اشتعالا وحال الحيرة إرباكًا. ومن المهم ألا تتحول الفتاوى في الحروب إلى حروب للفتوى.. هذه من الأمور التي وجب مراعاتها لإعطاء الفتوى قيمتها كموجِّهٍ لسلوك المسلمين؛ فالتربية بالفتوى تكليف إضافي على العالم -المفتي- الرائد، وجب عليه تحمله في تربية المستفتي، سواء أكان فردًا أم جماعة.

إن فتاوى الأمة تفرض على الجميع الاهتمام بها، ومن هنا فإن الأمة تفزع إلى علمائها تلتمس لديهم جوابًا كافيًا شافيًا، جامعًا للأمة، مانعًا من فرقتها. وقد يُصدم البعض عندما نشير إلى أن الاختلاف في الفتوى من طبائع الأمور، ولا شك في أن هذا القول صدق، إلا أن الاختلافات في الفتوى إلى حد المناقضة عملية تجر النكبات على الشارع المسلم، وعلى المفتين على حد سواء. فإن الناس تعرف وتعي كيف تشكل الفتوى شفاء للأمة من أمراضها، ويعرفون أن للاختلاف وجهتين؛ اختلاف تنوع واختلاف تضاد، وهم يعون كذلك أن غالب الاختلاف في الفتوى في الآونة الأخيرة -وقد حمل ميراث الأوضاع السياسية في محتواه ومبتغاه- قد انتقل من دائرة اختلاف التنوع إلى اختلاف التضاد والتناقض الذي يُضفي على حال الحيرة حيرة أخرى[2].

ومن هنا وجب على العلماء أن يتنادوا بما يتناسب مع حالة الفزع إليهم. والتنادي يعني تأسيس مجامع فقهية للأمة.. وإلا لماذا تجتمع المجامع في قضايا أقل إلحاحًا من ذلك بكثير، لا تمس كيان الأمة، ولا تشكل فتنة يجب الخروج منها؟ ولماذا بدا لنا أن كثيرًا من المفتين قد اعتزلوا الفتوى في قضايا الأمة وفتاواها؟ هل ذلك من باب تهميشها أم من باب إيثار السلامة؟![3]

ومن مطالعة متسرعة لأبواب الفتاوى على الإنترنت ستصاب بالذهول من نوعية الفتاوى التي يجيب عليها المفتون.. مثل: هل يجوز للمرأة لبس البنطال عند النوم؟.. وامرأة حاجباها خفيفان هل تكحلهما؟.. والكدرة من الحيض.. وتخفيف اللحية.. والإبقاء على مستوى القبضة...[4]. ووقعت الواقعة، وحدثت الأحداث في 11 سبتمبر، واتُّهم عالم المسلمين بأسره واستُهدف، وظلت التساؤلات على هذا النحو إلا القدر اليسير!!

أما عن أحداث سبتمبر وموضوع الفتاوى الذي ارتبط بها أو تولَّد عنها، أو استدعى قضايا مصاحبة لها، فإنه يعني -ضمن ما يعني- أن هذا الحدث فرض بثقله على عالم المسلمين باهتمام واضح، كانت الفتوى واحدًا من أهم المجالات التي برز بها هذا الاهتمام جليًا وشاملاً.

ليس معنى ذلك خضوعًا لوطأة هذا الحدث بما أثاره من ردود فعل، ولكن التعامل مع ردود الأفعال التي تأثرت بهذا الحدث، فضلاً عما شاع من تفسيرات لهذا الحدث أو تأويلات وضعت عالم المسلمين في دائرة الاتهام ودائرة التعامل المستقبلي من خلال القوى التي استهدفت بهذا الحدث الرمز الأمريكي الذي يشكل القاطرة للحضارة الغربية بأسرها، حتى لو ظلت تضمينات هذه الحضارة في تكويناتها الأوروبية تدعي التميز والتمايز عن تلك القاطرة الأمريكية. هذه الاختلافات لا نظن أنها جوهرية في النظر الحضاري، بل هي في الغالب سياسية ضمن تنافس المصالح وربما في حالات تنازعها.

وليس معنى ذلك الاهتمام بالحدث الأمريكي على حساب أيام هذه الأمة وعالم أحداثها، كما يلفت إلى ذلك الحكيم البشري في واحدة من أعظم تدقيقاته في مقالاته الضافية[5]. ولكن هو لفت الانتباه إلى كيف أن عالم أحداثنا يمكن تصوره حينما يلحق بعالم أحداث غيرنا؟! وكيف يمكن اعتبار أن الإلحاق الزمني هو من أهم شروط عملية الإلحاق الحضاري؟! الحكيم البشري يحيلنا إلى ذلك الإلحاق الزمني لافتًا الانتباه إلى أيام العرب (الانتفاضة الفلسطينية انتفاضة الأقصى، والهجمة الأمريكية على أفغانستان) وكيف يتوارى الاهتمام بأيامنا، بل نهتم بأيام أمريكية أُريد لها أن تكون كونية. ومن أسف أن يستدعى عالم أحداثنا مرة أخرى ولكن من منظار الرؤية الأمريكية؛ فالحرب على أفغانستان حرب تحريرية، والمقاومة الانتفاضية وانتفاضة الأقصى إرهاب، والحرب على العراق تحرير، ومقاومة إرهاب، ووقوف في وجه نظام يستهين بالشرعية الدولية، ونزع سلاح دمار شامل يملكه أو يخفيه، ووقوف في وجه نظام استبدادي قبيح خطير على جيرانه بل على العالم. إنه انقطاع من منظور كيف نسترد أيامنا ومواقفنا؟ ولا نلحق بزمان غيرنا أو تحكيماته وتحكماته؟!

الفتوى صارت كرة الثلج ودائرة الجذب المغناطيسي لكل القضايا، لكن المهم ألا تسير الفتاوى تحت ضغوط المنظار الأمريكي، وتحت وطأة المفاهيم والمناخ الذي ولده الحدث من دون إهمالها، فلا شك أن تعاظم كرة الثلج الإفتائية وجذب مناطق وقضايا تحت وطأة الحدث والمناخ الذي تولد عنه سيحدث نوعًا من الاختلاط والارتباك والحيرة والفتنة تتضمن الإلحاق الزمني (أيام أمريكا وأيام العرب) وإلحاق عالم الأحداث (ما هو الحدث الأساسي والعمدة لدينا الذي يمكّن لمصالحنا ومصالح الأمة؟)، ومن هنا وجب على الحالة الإفتائية وما يترتب عليها من عملية إفتائية أن يعي صانعوها والفاعلون فيها والمتفاعلون معها: أنه وإن كانت أحداث سبتمبر الأمريكية تشكل حالة نموذجية للتعامل مع الفتوى استدعاءً ودراسة فإنه من الواجب التمييز بين الحالة الإفتائية التي وجب أن تشكل قاطرة للرأي، والحالة الإعلامية والحروب المعنوية التي لا تزال تلعب الدور الأكبر في تشكيل أجواء الفتوى دافعةً إلى حالة من الفتاوى الفورية لا الفتاوى البصيرة؛ لأن المعاصَرة حجابٌ، وتشكيل المناخ يحجب البصر، فأين البصيرة؟

- منظومة القضايا بعد 11 سبتمبر وضرورات النظر المتكامل:

إن هذا الحدث الذي استدعى قضايا كثيرة يفترض منا أن نتعامل بالنظر المتكامل الذي يوازي هذا التشابك بينها من حيث الواقع (الأحداث، الأفكار، القضايا... إلخ)، إلا أن هذا التشابك يجب ألا يؤخذ باعتبار هذه القضايا كتلة، ولكن يجب اتخاذها كمنظومة تستحق التأمل والتشريح والترشيح، والربط النافع بين هذه القضايا والتداخل الضار فيما بينها، (شكل 3). نحن بهذا الاعتبار حيال أصول فقهٍ يولّد الفتاوى الكاشفة، والفتاوى الفارقة، والفتاوى الناقدة المقوّمة.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت المسألة الأفغانية أولى حلقاته التي استدعت حلقات أخرى، كما استدعت مواقف أمريكية وغربية ضمن "صناعة العدو"[6]، ولم تكن تكفي تلك الكتابات حول الأصولية الإسلامية لإشاعة أن المسلمين هم الخطر الجديد في سياق الكلمة الشفرية "الإرهاب"؛ فكانت أحداث سبتمبر "الفرصة" لتعيين هذا العدو، والتأكيد على ضرورة مواجهته. الأمر الذي استدعى قاعدة مترابطة من القضايا: قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، وقضية الغرب في عالم المسلمين، وعالم المسلمين في الغرب.

هذه القضية التي كانت مفتتح العمل الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والقضايا التي استدعتها تتطلب عناصر فقه يأخذ في اعتباره: "صناعة العدو" ضمن دعوى "الإرهاب"، وإن شئت الدقة "الإرهاب من عالم المسلمين".

وربما عندما يقوم المسلمون في "عالم الفتوى" والاستفتاء بالربط بين هذه القضايا جميعًا، والنظر إلى "عالم الأحداث" الذي استدعى هذه القضايا جميعًا (وهي أمور من حيث الواقع والاستجابات الاستفتائية من جانب عموم المسلمين)، وكذلك الإجابات الإفتائية في إطار علماء المسلمين بصدد قضايا الأمة، عند ذلك ربما تقوم هذه الجهات جميعًا بالنظر المتكامل لهذه القضايا.

إن عملية تسكين القضايا من أهم العمليات التي يجب أن يقوم بها كل مهتم بالشأن الإفتائي حتى يتم رؤية هذه القضايا كمنظومة ضمن التعامل الدولي الذي يدل على مؤشرات عدة ضمن عمليات: صناعة العدو - محاربة الإرهاب وما ترتب على ذلك من سياسات كونية تشكل الولايات المتحدة قاطرتها في عصر السلام الأمريكي "Pax Americana".

- دواعي دراسة الحالة الإفتائية وأحداث سبتمبر:

إذا كانت لكل حالة استفتائية دواعيها الخاصة؛ فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأمريكية المراد لها أن تكون كونية ملكت كثيرًا من دواعيها ضمن بيئة استبقت الحدث، فذاكرة الحدث -البعيد منها والقريب- شكلت هذه الدواعي، وحالة الاستفراد الأمريكي وغطرسة القوة كانت قبل هذه الأحداث، حتى إن البعض جعل من قضايا كالعولمة مجالاً للاستفتاء، وغير ذلك من دواع يمكن جمع أهمها في (الشكل 4).

كما أن حال المسلمين مع توارد القضايا وحال الوهن في عالم المسلمين جعلهم في الآونة الأخيرة محلا للتعامل الدولي وموضوعا له، وبدت الاتهامات تتصاعد وتخبو، تقفز وتتوارى، وأتت سهام الأحداث من كل مكان وربما في كل مكان، وأصبح العالم الذي هو قرية دولية (قرية التضرر بما يحدث لعالم المسلمين) قوس الأزمات ومناهضي الحضارة والمدنية وقيم الحضارة الغربية، وحال صدام الحضارات[7]، كل ذلك شكل داعيًا للاستدعاء الفقهي والإفتائي من أقرب طريق، وأصبحت حيرة المسلم في هذا الزمان في القرن العشرين ومفتتح الحادي والعشرين تصاغ في شكل استفتاءات من أقرب طريق، وحال العولمة وانسياب المعلومات ولد داعيًا يعبّر عن الفرص المتاحة لعملية استفتاء (فتاوى الخميني بصدد سلمان رشدي، فتاوى حرب الخليج الأولى، فتاوى حرب الخليج الثانية)، وعالم الأحداث الذي ارتبط بهذه الأحداث (الثورة الإيرانية، حرب الخليج الأولى والثانية)، شكلت مقدمات لتدشين دوافع ودواعٍ لقيام ما سمي بنظام عالمي جديد[8]، حتى صارت الفتاوى عبر الدول.

واختيارُ المستفتي لمفتيه تعدَّى الحدود من خلال وسائل الاتصال الحديثة، والفتاوى صارت كفاعل دولي على ساحة العلاقات الدولية (البعد الثقافي في تشكيل العلاقات الدولية - الدين والعلاقات الدولية)[9] وصاحب ذلك حالة سلبية للفتوى ضمن اختبارات عالم الأحداث المتتابع (سيولة الأحداث) (وسيولة الاستفتاءات) وصدرت فتاوى فورية وفتاوى متضاربة وفتاوى مضادة، وفى هذا الخضم تاهت فتاوى الأمة والتركيز على مصالحها والفتاوى وتشكيل الرأي العام، وشكَّلت كما ذكرنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأمريكية حالة نموذجية في الساحة الإفتائية استدعت معظم القضايا في عالم المسلمين وعالم مفتيهم.

- المترتبات على الحالة الإفتائية وأحداث الحادي عشر من سبتمبر:

هذا الحال من الدواعي التي تشكل حالة دراسية أكيدة وضرورية أحدثت حالة إفتائية تمثل -وبحق- حال الحيرة، فتاوى الحيرة، فتاوى الفتنة، وتعدد الأدوات المتاحة للاستفتاء، كل ذلك شكل مجموعة من المترتبات صارت تشكل الحقل الإفتائي ضمن عملية شديدة التعقيد والتركيب، لم تفلح في أن تخرج معظم المسلمين من حال حيرتهم، يتبين ذلك في إعادة الاستفتاء، ومواصلة الاستفتاء، وبروز فتاوى مضادة. يمكن أن نوضح ذلك في (الشكل 5).

الحالة السائلة من القضايا، والحيرة على الفتوى، وفتاوى الحيرة أدى لبروز فتاوى فورية وفتاوى على الإنترنت، وفتاوى فضائية، وصناعة كبيرة للفتوى صارت متلازمة مع كل المواقع المعلوماتية. وأحدث هذا -خاصة في قضايا الأمة- فوضى الفتاوى، وبدت حالة من إنتاج الفتاوى الفورية وحالة موازية من استهلاك الفتوى بينهما حالات استفتاء في كل شيء، وصار مجال الفتوى أحد أهم عناصر رصد معايب العقل المسلم في التفكير والتدبير والتأثير، والتبصير، وبرزت أسئلة هي أقرب ما تكون إلى "الاستدراج إلى الفتوى" من كونها أحوالاً وفتاوى واقعية، وبرزت فتاوى لإبراء الذمة سواء من المستفتي (الذي يريد أن يستريح، ويبرر موقفه بالسكوت، ويحيل الأمر على المفتي ليحمل وزره وأوزار كل مستفتي الأمة) أم من مفت يتجرأ عليها، ربما قد يبغي الشهرة، ورغم ندرة هذه الفئة فإنه مع وجود الأدوات صارت تلك الفئة القليلة أو النادرة كثيرة الطنطنة بمواقعها وفتاواها. وبدا المجتمع المسلم وحال أمة المسلمين يقع ضمن دائرتي فتاوى الحرج، وفتاوى الحيرة، وبدت قضايا وفتاوى تتعلق بأحداث سبتمبر وقضايا تتشابك وتترابط، واتخذت بعض هذه الفتاوى شكل الردود، بل إنها اختلطت ببياناتٍ، وحواراتٍ، وطلب من المستفتي لفتوى بعينها أي أن المستفتي صار مفتيًا، يملي على المفتي فتواه، وربما قد أعجزه عدم تخصصه أن يأتي بالدليل فيطلب من المفتي الدليل، وفتحت هذه الحال حالة من التفاتي ليست هي الأولى، ولكنها كانت بارزة واضحة[10].

وضمن هذا المقام صارت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مناسبة مهمة لاستدعاء الفتاوى لتعليم وتعلّم عالم المسلمين بأن قضاياهم صارت تأخذ بخناق بعضها، وأن تحدياتهم صارت متشابكة، وأن الخصم صار يتشكل وتتضح معالمه مع ما يبذل من جهد لإخفاء ذلك أو طمسه أو تمريره من أنظمة اتخذت من تبعيتها للغير إستراتيجية وسياسة، ومن هنا سنرى الحادث جذب حزمة من القضايا تحولت إلى فتاوى يستعرضها (الشكل 6).

هذه الأمور التي أوضحناها في هذا الشكل لم تقتصر عليها الساحة الإفتائية إلا أنها كانت الأشهر والأكثر ذيوعاً والأكثر ربطاً بأحداث سبتمبر وما ولده من مناخ مفاهيمي، ومن مفاهيم مناخ الحدث، ومن الحدث حينما يستدعي المترتبات عليه؛ وهو ما أحدث حالة من تسلسل الفتوى بالتساؤل حول شرعية حال الفرد، وحال الأنظمة، وحال المجتمعات، وحال المؤسسات، وحال الجيوش وحال الدولة والنظام السياسي، وحال الأمة، والحالة الكونية، وحال العلاقات الدولية وحال النظام الدولي، ومواقف الدول حيال الأحداث، والمؤسسات الإقليمية: حال الجامعة العربية، وبرزت فتاوى قومية وعبر قومية ودولية، وغير ذلك من أمور، تؤصل معاني صناعة الحدث وكيف يكون كونياً شاملاً، تعقبه حال اصطناعية أخرى بصناعة المواقف وصناعة الرؤية [11].

تابع في هذا المحور:

محاور الدراسة:


  أستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة

1- ضمن حيرة الفتوى انظر بعض ما أورده ابن القيم، وهو كلام نفيس في باب الفتوى: "لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بيانًا مزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب، كافياً في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره… وسُئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان ولم يزد،…قال أبو محمد ابن حزم: وكان عندنا مفتٍ إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدمه من يكتب، فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ، فقدر أن مفتيين اختلفا في جواب، فكتب تحت جوابهما جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما تناقضا، فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا. وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى وهو مقدم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى؛ فيكتب: يجوز كذا أو يصح كذا أو ينعقد بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبين شرطه وإما ألا تكتب ذلك. وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يُحسِن أن يفتي بهذا الشرط… وهذا ليس بعلم ولا يفيد فائدة أصلاً سوى حيرة السائل وتبلده، وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يُرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، فيا سبحان الله! والله لو كان الحاكم شُريحًا أو أشباهه لما كان مردُّ أحكام الله ورسوله إلى رأيه فضلاً عن حكّام زماننا، فالله المستعان.." . انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين…، مرجع سابق، ج4، ص 154-156.

2- في أصول الاختلاف وفهم حقيقته وتأثيره على العملية الإفتائية لاحظ هذا الفقه الذي يجب أن يؤصَّل في علاقته بفتاوى الأمة: محمد بن عمر بن سالم بازمول، الاختلاف وما إليه، السعودية – الرياض: دار الهجرة للنشر، 1415هـ-1995م. د. عوض بن محمد القرني، فقه الخلاف، السعودية-جدة: دار الأندلس الخضراء، ط2، 1421هـ. وانظر هذه الرؤى المنهجية الفائقة القيمة للشيخ: محمد محمد المدني، مناهج التفكير في الشريعة الإسلامية: القسم الأول: أسباب الاختلاف..، القاهرة: مطبعة أحمد مخيمر، 1376هـ-1957م. 

3- في إطار الحاجة لاجتهاد جماعي انظر: شيخنا المرحوم محمد الغزالي، الاجتهاد الجماعي في العصر الحاضر، مجلة الدراسات الإسلامية، إسلام آباد، العدد (4)، المجلد (18)، يوليو – أغسطس 1983، ص ص 22-29.

4- ليست تلك الإشارات تزيُّدا، وربما يقوم الباحث ببيانها في دراسة مقبلة حول الدلالات السياسية للفتاوى غير السياسية كمؤشر على أزمة العقل المسلم في التفكير والتدبير: لاحظ بعضًا من هذه الفتاوى في معظم المواقع العربية على الإنترنت التي جعلت من أهم نوافذها (الفتوى)، بل إن هناك بعض المواقع التي تخصصت في الإفتاء، ودراسة أنماط الفتاوى ووجهتها قد يخفى وراءها حال الاستبداد السياسي من ناحية، والانشغال بالخلاص الفردي من ناحية أخرى.

5- انظر مقالة أستاذنا المستشار طارق البشري، من أيام العرب: 11 سبتمبر عام 2001 أم 28 سبتمبر عام 2000؟، ضمن: العرب في مواجهة العدوان، القاهرة: دار الشروق، 1423هـ-2002م، ص ص 53 وما بعدها.

6- عملية صناعة العدو لم تكن قرينة أحداث سبتمبر ولكنها سبقتها في الإعداد وحرث الأرض لتقبلها، ضمن عملية ممتدة من صناعة الصورة: جون أسبوسيتو، التهديد الإسلامي.. أسطورة أم حقيقة؟ القاهرة: الهيئة العامة للاستعلامات، 1995، انظر وقارن: فريد هاليداي، الإسلام وخرافة المواجهة، ترجمة: محمد مستجير، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997. انظر كذلك رصداً للظاهرة: مصطفى الدباغ، الإسلام فوبيا: عقدة الخوف من الإسلام، إربد – الأردن: دار الفرقان، 1999.

7- انظر ضمن هذه التصورات الغربية التي تعد أهم دواعي دراسة الحالة الإفتائية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر: صمويل هنتنجتون، الإسلام والغرب.. آفاق الصدام، ترجمة مجدي شرشر، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995 (مقال هنتنجتون وردود عليها) انظر أيضاً دراسة وافية حول الردود: مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها (صمويل هنتنجتون وآخرون)، بيروت، 2000. انظر في رؤية ضافية حول هذه المقولة: إبراهيم أسعيدي ومونية رحيمي، نظرية صدام الحضارات أو التهديد الإسلامي: واقع أم اختلاق؟، الدار البيضاء: منشورات الفرقان، 1999.

8- في إطار النظام العالمي الجديد.. مفهومه وإرهاصاته، انظر: سيف الدين عبد الفتاح، حول التحيز في مفهوم النظام العالمي الجديد، مجلة مستقبل العالم الإسلامي، مالطا: مركز دراسات العالم الإسلامي، السنة الثانية، العدد 8، خريف 1992.

9- ضمن عناصر البعد الثقافى في تحليل العلاقات الدولية والدين ودراسة العلاقات الدولية انظر: -Yosef Lapid(ed.) The return of Culture and Identity in International Relations Theory, Lynne Rienner Publishers, Inc.,1998). 
-Barry Rubin, Religion and International Affairs, Washington Quarterly, vol.13,No.2, Spring 1990, p p. 51-63. 
- انظر: آمال الشيمي، الدين ودراسة العلاقات الدولية، بحث تمهيدي ماجستير، بإشراف أ.د. نادية مصطفى، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

10- من المهم ملاحظة كيف تكون الفتاوى على الإنترنت، والفتاوى على القنوات الفضائية، والفتاوى الفورية تحت الطلب، انظر في هذا المقام، على سبيل المثال: الإنترنت وسيلة للمعتدلين والمتشددين أيضاً:، www.alriadh.com) انظر كذلك وقارن: محمد الرميحي، بعضهم يفتي بما يفرق الأمة ويدمر المجتمع: علماء الدين.. وقضايا الدنيا والآخرة www.alwatan.com).

11-حزمة القضايا وتشابكها وتسلسلها وشمولها معظم قضايا الأمة يمكن إدراكها من خلال الخريطة الإفتائية التي يمكن الإشارة إلى بعض ملامحها فيما سنقدمه من استعراض قضايا الفتاوى وموضع الإشكال فيها في جدول يحسن مطالعته والتعرف عليها تباعاً، ومحاولة تلمس جواهرها، ومواضع الالتباس فيها.