مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الحالة الإفتائية.. وأحداث سبتمبر

أولا- منهجية بناء الفتوى.. والحالة الإفتائية

مع ملاحظة سمات الواقع الكلي للفتوى -خاصة حينما تتعدى الفتوى الحدود، وتتعرض لعلاقات متنوعة، وربما تكون متعارضة أو متناقضة- يجب التنبه إلى المتغيرات الفاعلة في تشكيل هذا الواقع، وعدم إهماله من مداخل الإفتاء لواقع غير قائم.

فقه الدولة القومية

ومن هنا فمن الواجب التنبه إلى واقع الدولة والدول القومية، وواقع انقسام الدول المسلمة (الغالب عليها المسلمون).. وهذا -بما أحدثه من متغيرات- يتطلب تأسيس فقه متجدد، يراعي هذه الحقيقة المعنية (الدولة القومية)، وهو أمر قد يستحق تأسيس فقه الدولة القومية، لا من باب الإقرار، ولكن من باب الاعتبار[1].

فقه العلاقات الدولية

ويترافق مع ذلك الرؤية العميقة للعلاقات الدولية وأسس حركتها، حتى لو كانت على قواعد غير إسلامية في تسييرها أو في حركتها، وهو أمر قد يتكامل في ظل تشابك العلاقات في ظل الدول القومية المعتبرة كوحدة سياسية فاعلة في المجتمع الدولي. ففقه العلاقات الدولية يعبر عن معانٍ مهمة؛ لأنه من دون هذا الفهم والوعي تبدو بعض الفتاوى وكأنها تنتمي إلى زمن غير الزمن، وتعالج واقعًا غير الواقع، أو تفتي لواقع مختلف، وتُنزل الأحكام على غير منازلها وأشراطها ومحالّها.

فقه العولمة

وانسياب حركة الاتصال والمعلومات كمتغير مهم صار له التأثير الكبير في حركة العلاقات الدولية وما يُسمى بالعولمة، أضاف إلى القضايا والمشاكل التي ترتبط بالأمة تعقيدًا أو إشكالا، وهي من الأمور التي صارت تؤثر في إطار علاقات الدول، واستدعاء التحالفات للهجوم على دول أخرى في ظل سياسات عالمية بدعاوى، مثل: (مقاومة الإرهاب- التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان - حرب المخدرات...)، وقد تتداخل الأمور التي تفرض على دول مسلمة الدخول في تحالفات ضد دول مسلمة أخرى، وتكون في معسكر دول غير مسلمة.. هذه من الأمور التي يفرضها ما يمكن أن نسميه بـ"عولمة التحالفات".

فقه الأقليات

كما أن إقامة المسلمين، وزيادة عددهم في البلاد الغربية، وما أحدثه ذلك من تكوينات خاصة للمسلمين في هذه الدول، أو المشاركة في تكوينات أخرى بقصد الدفاع عن مصالح الجاليات المسلمة، أمر رتَّب أوضاعًا مكتسبة من المهم الإبقاء عليها. إلا أن ذلك يحتاج بحق - في ظل هذا التشابك في العلاقات الدولية- لفقه يتعلق بالأقليات[2].

إلا أنه من الواجب التأكيد على أن المطالبة بمراعاة الواقع أو اعتباره لا تعني إقراره أو الانسحاق لضغوطه (أي: إقرار الأمر الواقع على مخالفته لأصول مرجعية واضحة وقاطعة). ومن هنا فإن الحديث عن فقه الدول القومية، أو فقه العلاقات الدولية، أو فقه العولمة، أو فقه الأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة، لا يعني بأي حال التفلُّت من أصول الأحكام، أو ادعاء الضرورة من أقرب طريق؛ فلاعتبار الواقع أصول تختلف ضرورة وحكمًا عن إقرار الواقع على ما هو عليه. وهنا لا بد أن نستحضر مقولة ابن القيم: "ضرورة أن نعطي الواجب حقه من الواقع، والواقع حقه من الواجب؛ وإلا ضاع الواجب والواقع بين تفلت من الواجب، وغربة عن الواقع".. هذه المعادلة لا بد أن تُترجم إلى قواعد منهجية مهمة لمراعاة الجانبين في توازن يرد الواقع إلى الواجب، ويحفز الواجب بواقع يكرسه ويؤكده[3].

تابع في هذا المحور:

محاور الدراسة:


  أستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة

1- في إطار فقه الدولة القومية وعناصر القسمة الجديدة، انظر: د. أحمد عبد الرحمن، الإسلام والقتال، القاهرة: دار الشرق الأوسط، 1990. قارن وقرّب: أ.د. نادية مصطفى، التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامي، ضمن مشروع رابطة الجامعات الإسلامية دراسات التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في القرن المقبل، رابطة الجامعات الإسلامية، د.ت. ص 13.. انظر خاصة إشكاليات جزئية: الأمة /الدول القومية الإسلامية/ الأقليات(الكلي /الجزئي): نطاق التحديات المكاني. 2- في سياق فقه الأقليات راجع تلك المقالة المهمة، وهو أمر قد يلفت إلى كيف أن الباحثين في حقل العلوم السياسية قد لا يسهمون في البناء المباشر لهذا الفقه، إلا أنهم يحسنون عرض الإشكاليات المتعلقة بهذا الواقع، ويصنعون بعض المؤشرات المنهجية، وهو أمر نعنيه بعمليات الاجتهاد الجماعي الحضاري والإستراتيجي ضمن ما يمكن أن نسميه بتكافل التخصصات: أ.د. نادية مصطفى، الفقه السياسي للأقليات المسلمة، (الإسلام وقضايا العصر)، إسلام أون لاين.نت. 

3- انظر هذه المقولة لدى ابن القيم في: ابن قيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشريعة، تحقيق د.محمد جميل غازي، مكتبة الإيمان، 1985.