مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

نظرية "اللاعنف المباشر".. عموما وفلسطينيا *

منير شفيق / 07-12-2003

Image
عندما انتصرت ثورة أكتوبر 1917م من خلال إستراتيجية وتكتيك الانتفاضة المسلحة العامة في العاصمة والمدن الرئيسية اعتبر كثير من المنظرين أن تلك هي الإستراتيجية الناجحة في تحقيق التغيير المنشود. لكن تجارب متكررة تلتها طوال العشرينيات التالية من أوروبا حتى شنغهاي في الصين فشلت فشلا ذريعا. فأثبتت التجربة الخلل الخطير في تعميم أسلوب بعينه نجح في مكان وزمان محددين وظروف خاصة تعميما جامدا؛ لأنه ما من أسلوب نجح في التغيير إلا كانت وراءه -ومعه- أسباب أخرى شاركته الوصول إلى النجاح، ولهذا لا يمكن أن يُرد النصر له وحده.

التجربة الناجحة.. وآفة التعميم الجامد!

وبعد تتالي فشل تلك التجارب لحظ "ماو تسي تونغ" أن أسلوب الانتفاضة المسلحة العامة لا يصلح للصين، كما لم يصلح الأسلوب السلمي. وأخيرا اهتدى إلى نظرية حرب الشعب وإستراتيجية تطويق المدن من خلال الريف. وعندما نجحت الثورة الصينية عام 1949م وجد أسلوب ماو من يعممه، كما فعل من عمموا الانتفاضة المسلحة العامة. وقد زاد من قوة حجتهم نجاح المقاومة المسلحة ضد القوات النازية واليابانية المحتلة في عدد من بلدان أوروبا وآسيا. ولكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الخمسينيات لحق الفشل بعدد من تلك التجارب من اليونان إلى الملايو إلى الفيليبين مع بعض النجاحـات هنا وهناك، مثلا يوغوسلافيا وفيتنام (1954).

آفة تعميم أسلوب تجربة ناجحة حدثت -أيضا- مع تجربة اللاعنف التي قادها غاندي بنجاح في الهند؛ مما أكسبها الأنصار والمدافعين عنها في كل أنحاء العالم طوال عشرات السنين. لكن كثيرا من بلدان المستعمرات لم ينجح فيها أسلوب الكفاح السلمي اللاعنفي؛ مما اضطر -حتى قادة من نمط غاندي- إلى اتباع أسلوب يجمع بين المقاومة المسلحة والكفاح السلمي؛ مثلا المطران مكاريوس في قبرص ومانديلا في جنوب أفريقيا. هنا أيضا أثبتت التجارب العالمية الخلل الكبير في تعميم أسلوب بعينه على كل الحالات، أو الدفاع عنه بطريقة أيديولوجية أو تجريدية مفرطة في إطلاقيتها.

التجربة هي محك الاختبار لكل نظرية

ثمة جانب آخر أثبتته التجربة العالمية المعاصرة، وهو أن من يستورد أسلوباً بعينه ويطبقه في بلده، ولا يكون مناسباً لسمات المكان والشعب ولطبيعة العدو.. سيجد أسلوبه مهمشا لحساب ما يفرزه الواقع والعفوية الشعبية، أو لحساب الأسلوب/الأساليب الأكثر تلاؤماً مع خصوصية الحالة المعنية. ذلك أن التجربة هي محك الاختبار لكل نظرية تنزل إلى الميدان، ولا علاقة لكثرة أو قلة الذين يتبنونها عند الانطلاق.

يجد من يقرأ تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني من 1917 إلى 1948 ومن 1950 إلى 1967 ومن 1968 إلى الآن.. أنها عرفت أسلوب الكفاح السلمي أو ما يسمى "اللاعنفي المباشر" في أعلى تجلياته. ففلسطين اشتهرت بعقد المؤتمرات وتقديم المذكرات والتفاوض والتظاهرات. وعرفت أطول إضراب سلمي عرفه شعب من الشعوب (6 أشهر كاملة عام 1936). وقد فشل كل ذلك ومن دون أن تبدو بوادر -ولو بعيدة في الأفق- تشير إلى إمكان نجاح هذا الأسلوب مهما تواصل وطال النفس. أما السبب فيرجع إلى طبيعة المشروع الصهيوني والتزام بريطانيا والدول الكبرى الأخرى به؛ أي إقامة الدولة العبرية وتفريغ الأرض من أصحابها/سكانها.

ولم يكن مصير اللجوء إلى الكفاح المسلح في 1937 - 1939 بمختلف الأسباب نفسها، وإن استطاع أن ينتزع تراجعا موقتا (الكتاب الأبيض) وهو ما لم يستطعه الأسلوب السلمي. وجاءت مرحلة 1950 - 1967 لتقتصر على مناشدة الأمم المتحدة لتطبيق قراراتها، ولكن دون جدوى. وجرت محاولات لتنظيم زحف سلمي إلى الحدود من أجل العودة، وإذا بالغرب كله والشرق معه يضغطان على الدول العربية ألا تسمح بذلك مع التهديد الإسرائيلي بالحرب والاحتلال والتوسع. وبهذا كان طريق الكفاح السلمي السلبي والإيجابي مسدودا تماما. وهذا ما ورد في بيان قوات العاصفة (فتح) الأول في تسويغ إعلان الثورة المسلحة في 1/1/1965.

بين 1968 و1993 لم يكن أمام الشعب الفلسطيني ليُسمع صوته، أو حتى يُعترف بوجوده غير طريق الكفاح المسلح، ومقاومة الاحتلال الجديد بكل الأشكال. وهو ما اعترفت له به قرارات الأمم المتحدة بسبب زحف المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري التهويدي، فضلا عن عدالة القضية. وهذا ما أمكن إنجازه عبر هذا الأسلوب، في حين لم تصنع المناشدات السلمية السابقة إلا معاملة الفلسطينيين؛ باعتبارهم لاجئين يستحقون الشفقة من قبل أصحاب "الضمائر"، وأنه يجب توطينهم في الشتات عند أصحاب "السياسة العقلانية". وبالمناسبة جرت محاولات عدة لاختراق المقاومة بالأسلوب السلمي اللاعنفي المباشر من قبل قادة المقاومة أنفسهم في حينه، مثلاً: محاولة تنظيم "باخرة العودة" (1988) ثم انتفاضة 1988 - 1993، ومع ذلك كان الطريق إلى الحدود أو الشواطئ مسدوداً تماماً، في حين كانت المقاومة المسلحة قادرة على الاختراق وتذكير العالم بعدالة قضية شعب فلسطين.

وجاءت تجربة سبع سنوات بعد اتفاق أوسلو في 1993 ليتضاعف الاستيطان في ظلها، وليبدو النفق أشد ظلاماً من المرحلة السابقة لها. أما الرأي العام فغاب عن الأنظار ليترك المفاوض الفلسطيني (من دون أن يسوغ مساره) محاصراً مختنقاً ليس أمامه غير الاستسلام الكامل أو رفض التوقيع على ذلك الاستسلام (كامب ديفيد)(2).

وبهذا عاد الواقع الفلسطيني -وتحديدًا بسبب طبيعة المشروع الصهيوني وما يلقاه من شراكة أمريكية ومناصرة دولية- إلى أن يختط طريق الانتفاضة والمقاومة والصمود في وجه الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات وتدمير البيوت وتجريف الطرقات والبساتين وقصف الأباتشي والفانتوم الأميركيتين. وهذا الاختيار جمع بين الوعي المسبق بضرورة مقاومة الاحتلال والاستيطان (حماس والجهاد) والوعي العفوي الشعبي، وعودة القناعة السابقة التي حملتها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي تخلت عنها في أثناء قبول مسار أوسلو؛ مما أدى إلى تعاظم مناصرة الشعب الفلسطيني من قبل الرأي العام كما لم يحدث من قبل.

"اللاعنف المباشر" غير ملائم للظرف الفلسطيني

وحتى بعد تحرير جنوب لبنان على يد المقاومة الإسلامية المسلحة وإمكان الوصول إلى بوابة فاطمة جرت في ربيع 2000 محاولة للزحف السلمي اللاعنفي في اختراق الحدود، فجرى إجهاضها من أجل الإثبات، مرة أخرى إن "اللاعنف المباشر" غير ملائم للظرف الفلسطيني، ومن دون أن يتهم بالعقم؛ لأن التجربة ما تزال تخرجه إلى النور بين الحين والآخر؛ ليس باعتباره البديل الأوحد، وإنما ضمن مظلة المقاومة والانتفاضة والصمود وما يتعايش من أشكال المقاومة المتعددة.

فإذا كانت تجربة كل شعب ذات فرادة واستثنائية؛ فقد أثبتت التجربة الفلسطينية طوال تاريخها الحديث بأنها فريدة بين الفرائد. واستثنائية بين كل استثنائي.

ويكفي مرور سريع بالمشروع الصهيوني ومعرفة طبيعته العنصرية الاغتصابية للأرض، والاقتلاعية للشعب الفلسطيني، وإدراك الإستراتيجيات الدولية والأمريكية خاصة. وفي ظروف ما فرض من تقطيع في الوضع الفلسطيني وتجزئة عربية مولّدة للشلل حتى يتواضع الذين يقترحون اتباع أسلوب "اللاعنف المباشر" أسلوبا أوحد. فالتجربة التاريخية والراهنة والحياة نفسها وطبيعة الوضع مكاناً وزماناً وعدواً وظروفاً، وما يمكن أن يستجد من موازين قوى وظروف إقليمية وعالمية.. هو ما يحدد ألوان الكفاح وتفوقها في آن واحد.

وإذا كان من الطبيعي -وربما الضروري- أن يكون لأسلوب "اللاعنف المباشر" أنصاره؛ فإن الانحياز المطلق له ومعاداة أو مجافاة أشكال المقاومة الأخرى يدلان إلى جهالة في النظرية العامة، وجهالة أخرى فيما خص الحالة الفلسطينية

طالع أوراق الملف:


مفكر إسلامي فلسطيني

* المقال نشرته "الحياة" اللندنية بتاريخ 13/07/2003م