تغيير المناهج الدينية
تغيير المناهج المدرسية وتسميم الخطاب
يُعدّ "تسميم البئر" هجومًا على عاطفة المرء لا عقله، القصد منه تحييد براهين الخصم (حججه) من خلال إثارة عدوانية الجمهور على سمة شخصية معينة ترتبط، ربما، بالقضية المطروحة. ويُعَدّ هذا النوع كشفًا واضحًا للانحياز.
يتضمَّن هذا النوع من "الاستدلال" في الحجاج محاولة إبطال مصداقية ما قد يدَّعيه الشخص لاحقًا من خلال تقديم معلومات غير مرغوبة (سواء أكانت صادقة أم خاطئة) عن الشخص. وينطوي هذا "البرهان" على الشكل الآتي:
1 - تقديم معلومات غير مرغوبة (سواء أكانت صادقة أم خاطئة) عن الشخص (أ).
2 - ولهذا السبب تكون أية معلومات يدعيها الشخص (أ) كاذبة.
يبدو هذا النوع من "الاستدلال" مغلوطًا، فالشخص الذي يقوم بمثل هذه المهمة يأمل في أن تعمد المعلومات غير المرغوبة إلى دفع المستمعين إلى الانحياز ضد الشخص المعني، وبذا سيرفضون أية مزاعم يُدلي بها لاحقًا. ومع ذلك، فإنه قلّما يُعدّ تقديم معلومات غير مرغوبة عن شخص ما (ولو كانت صادقة) دليلاً ضد مزاعمه. ويتضح ذلك تمامًا حينما يعدّ "تسميم البئر" شكلاً من أشكال التوجه نحو عاطفة المرء لا عقله والذي يكون فيه الهجوم سابقًا على ما سيدعيه الشخص.
وانطلاقًا من هذه المقدمة نتساءل: هل ما نقوله عن مناهجنا ينطلق من اعتراف حقيقي أم هو شكل آخر للهروب من أنفسنا؟ الفرضية التي تنطلق منها هذه الورقة، يمكن صياغتها على النحو التالي: خطاب تغيير المناهج لا ينطلق من اعتراف حقيقي؛ فسياقه محكوم بلحظة سياسية عابرة لكنها مؤثرة، ومحكوم بتسميمات خطابية مستقرة في ثقافتنا. ولتأخذ هذه الفرضية طريقها إلى الاستدلال والدفاع والإثبات، سنبدأ بهذه الجرعة من التساؤلات المنشطة المتفرعة عن سؤال الفرضية الأساسي.
تساؤلات منشطة
كيف يفهم خطابنا الرسمي العربي (خطاب المؤسسات السياسية والتربوية) موضوع تغيير المناهج؟
كيف يمكن مواجهة تسميمات الخطابات المتجاذبة حول الموقف من تغيير المناهج بجرأة؟ هل يمكنك أن تشكِّل موقفًا نقديًّا من تغيير المناهج دون أن تكون أمريكويًّا ولا سلفياً ولا قومويًّا؟ هل تغيير المناهج هو مسألة حذف؟
أليس ما يحذف يستفزّ الذاكرة الجماعية لتعيد تثبيته بشكل مؤسطر ومؤدلج بصورة مضاعفة؟ هل ما يحذف من المناهج يحذف من الخطاب الثقافي؟
هل "إدخال الكثير من المفاهيم، مثل التسامح، واحترام الرأي الآخر، وتقدير الشعوب والأديان" في المقررات الجديدة، يعني إعادة تمثيل هذه المقررات (بما هي نصوص لخطاب المؤسسة التربوية وثقافتها) للعالم وعلاقاته وأناسه وطريقة فهمه؟
ضمن سياق أي حدث تأتي دعوات المراجعة (التطوير والتغيير والحذف) للمناهج؟ لماذا التغيير منصب على المناهج، وليس على طرق التدريس ولا تقنياته ونظامه؟
هل التغيير تحت مظلات الضغوط السياسية ومتطلباتها الآنية تغيير تحكمه الرغبة أم الجودة؟ هل التربية متمثلة في مناهجها مجموعة من المضامين أم مجموعة من الآليات؟ هل يصدر خطاب التغيير من مؤسسات السياسة أم مؤسسات الثقافة؟
سأحاول أن أجعل هذه المقالة إجابة تستبطن في داخلها مضامين هذه الأسئلة المنشطة، وذلك بقراءة نماذج من خطابات المؤسسات المعنية بموضوع هذا التغيير.
إعادة كتابة المناهج
قال وزير التربية الكويتي رشيد الحمد: إن الكويت شكلت لجانًا خاصة لإعادة كتابة الكتب المدرسية بهدف إزالة كل ما من شأنه أن "يدعم الإرهاب أو التطرف"[1].
لولا الخشية من أن (إعادة كتابة الكتب المدرسية) لا تحمل دلالات مفهوم إعادة الكتابة في استخداماته النقدية والفلسفية الحديثة التي تحيل إلى مفاهيم التمثيل وإساءة التمثيل والأفق وكسر الأفق والفهم والتلقي، وهي مفاهيم تجعل من الكتابة وإعادة الكتابة مسألة تتجاوز الفهم البسيط للكتابة والإعادة والذات والخطاب والحدث. وهو الفهم الذي تصدر عنه تربيتنا ومناهجها والمشتغلون فيها. أقول لولا هذه الخشية لقلت: إن هذا المفهوم (إعادة كتابة الكتب المدرسية) من بين المفاهيم المستخدمة، أغناها دلالة وخصوبة، وذلك لما تنطوي عليه مفرداته من تركيب دلالي يستمدّه من الدراسات الفلسفية والنقدية الحديثة، وهو بهذا التركيب يتيح التفكير في قضايا التربية بإمكانات غير مسبوقة، إلا أن سياق استخدامه في الخطاب الرسمي لم يتجاوز ما يُسمَّى -مجازًا- بالعملات الزائفة؛ فـ"استعمال الكلمات خالية من المحتوى المفاهيمي مع التظاهر بأنها ذات مفهوم، يشبه زيادة مقدار النقود المتداولة، مع عدم وجود أي زيادة في الإنتاج الإجمالي للمجتمع"[2].
وما يؤكِّد أن هذه الإعادة تشبه العملة الزائفة التي تجعل من إعادة كتابة المناهج أشبه شيء بما يسمِّيه الفلاسفة بالعود الأبدي العقيم، هو استعارة "الإزالة" المستخدم في التعبير عن مفهوم هذه الإعادة. فهذه الاستعارة تنطلق من تصور يرى مدعمات الإرهاب أشياء محددة وواضحة، يمكن الإمساك بها وإزالتها بقذفها في سلة المحذوفات. وهي مهمة تليق فعلاً بلجان العمل الوزارية التي تُشكَّل بقرارات سريعة للتخلص من الأشياء الفاقعة التي لم يَعُد مرغوبًا بها، ولكن هذه اللجان لا يمكنها أن ترى الأشياء التي هي ليست أشياء مُشيَّأة. الاستعارة الأخرى المتواطئة مع هذه الاستعارة في عملية تزييف مفهوم الإعادة هي استعارة "الحذف" ورديفتها استعارة "الإضافة".
تخلق استعارة "الإزالة" وما يعاضدها من استعارة الحذف والتخلُّص وتلافي الشبهات والإضافة، خطابًا تمويهيًّا، لا ينتج معرفة جديدة؛ لأنه لا يقوم على اعتراف حقيقي. وهذا ما تؤكده تصريحات (بالمعنى السياسي واللغوي لكلمة تصريح) الخطاب الرسمي.
ولعل تصريحات الخطاب الكويتي الرسمي تمثل نموذجًا صارخًا لهذا الخطاب التمويهي الذي لا ينتج معرفة جديدة بواقعه؛ لأنه لا يقدِّم اعترافًا حقيقيًّا كما تصرح بذلك استعاراته ومجازاته. والخطابات الزائفة مثل الأيديولوجيات الزائفة تغرق السوق بعملات زائفة (مفاهيم وكلمات وشعارات وأسئلة ومشكلات وقضايا) فتحدث تضخمًا يعيق الحركة، والأمر يبدو في سوق التربية والثقافة أكثر فداحة؛ لأنها تعيق حركة العقل حين يفكِّر من أجل أن يفهم أزمته لإيجاد مخارج حقيقية لها.
لنرى، كيف تعمل هذه المجازات في هذا الخطاب التمويهي "ما نقدمه من آيات قرآنية وأحاديث وقطع أدبية وغيرها يجب ألا تؤدي بالنشء إلى أن يفكر تفكيرًا متعصبًا يؤدي إلى أخذ مبادرات عدوانية أو أن ينمي فيه كره الناس والشعوب والأديان. هذه الجوانب إن كانت موجودة (في المناهج) فيجب التخلص منها"[3].
تكشف استعارة التخلُّص -حين نقرأها تزامنيًّا مع استعارة الإزالة والحذف- عن طبيعة فهم عملية تغيير المناهج، وعن الدوافع التي تحرِّكها، فهي لا تتجاوز أن تكون حملات تفتيش وتنظيف، تصطاد مقتطفات من نصوص غير مرغوب فيها، بغرض تلافي الشبهات. "المناهج (قبل التغيير) لا تدعو إلى التطرف، وقد يفهم بعض الشباب الشيء في غير موضعه، لكن لدي قناعة بأن مناهجنا منذ زمن طويل معتدلة، غير أنه في ظل الأوضاع والمتغيرات لا بد من النظر في المناهج لمواكبة المستجدات وحتى نتلافى الشبهات"[4].
وتلافي الشبهات لا يمكنه أن يكون دافعًا حقيقيًّا يُشعر صاحبه بمسئولية التغيير وأهميته ويكشف له عن طبيعته، إن أقصى ما يمكن أن ينتجه هذا الدافع هو عمليات تقصيص مبتسرة، تخفي حقيقة المشكلة باستخدام مجازات مراوغة وتصريحات تقوم على النفي "المناهج (قبل التغيير) لا تدعو إلى التطرف" لتخلي مسئولية المناهج عما يحدث في المجتمع من صراعات واحترابات وأفعال.
لذلك لا عجب أن يصرِّح هذا الخطاب بلغة البيانات السياسية قائلاً: "لم نعثر على أي نص يدعو إلى التطرف الديني أو إلى العنف أو يشجع فكر الإرهاب. إن وزارة التربية كانت على ثقة دومًا بأن مناهج التعليم في الكويت لا يمكن أن تكون عنصرًا في الفكر المتطرف، وأن تشكيل فرق لمراجعتها، جاء بعدما طرحت تساؤلات في الساحة الكويتية عما إذا كان ممكنًا لبعض ما يدرس في المدارس أن تكون له علاقة بأطروحات الجماعات المتطرفة، فقمنا بالمراجعة من باب قوله تعالى: (ولكن ليطمئن قلبي)"[5].
هل يمكن لهذه الذرائعيات والتبريرات أن تنتج معرفة جديدة، وهي لا تتوفَّر على قدر من الاعتراف؟!
مشكلة هذه التصريحات أنها تنتمي إلى خطاب، يفهم الإرهاب في المنهج، فهمًا يجعل منه شيئًا يشبه أسلحة الدمار الشامل، أي أنها تفهمه وكأنه شيء مادي له حيِّز وحدود يمكن الإمساك بها للتخلص منها وإزالتها، من أجل إبعاد أي شبهة أو تهمة. وكأن بِنية خطاب المناهج لا تختلف عن بِنية أسلحة الدمار الشامل في وجودها الحسي المادي، وهذا ما جعل اللغة المستخدمة في الحديث عن موضوع المناهج وموضوع الأسلحة واحدة حتى في مجازاتها وصورها ومفرداتها وحجاجها!.
هكذا يتمُّ فهم تغيير المناهج بوصفها عملية إزالة وحذف، وهي أشبه شيء بكنس ما لا يرغب فيه، وهذا الفهم المبتسر ينتجه سياق هذا الخطاب المحكوم بالحدث السياسي المباشر الذي يحيل إلى كل ما يتعلق بالوضع العالمي، وهو خطاب يستجيب إلى متطلبات التكيُّف مع النظام السياسي العالمي الذي تتحكم فيه القوة الأمريكية السياسية والعسكرية (وليس أمريكا) ؛ إذ مجاز الكناية هنا مهم الالتفات له، فحين نتحدث عن أمريكا ننطلق من سياق مختلف عن السياق الذي نتحدث فيه عن القوة الأمريكية السياسية والعسكرية.
مجاز الحذف والإدخال
لقد رأينا كيف يتمثل الخطاب الرسمي مفهوم تغيير المناهج -من خلال تحليل مجموعة من مجازات قوله- بوصفه عملية حذف وتخلص غايتها رفع الشبهة وتجنب الحرج، وفي مقابل عملية الحذف هذه (أي حذف بعض محتويات المنهج المحرجة سياسيًّا) هناك عملية الإدخال، وهي أشبه شيء بالإقحام، لكننا نستخدم المصطلح الذي يستخدمه الخطاب الرسمي. وهذه العملية تتعلق بالمفاهيم التي أخذت رواجًا إيجابيًّا في محيط التداول الإعلامي مثل: التسامح وحقوق الإنسان والتعددية.
لا يمكننا أن نجادل في أهمية هذه المفاهيم، ولكن في الوقت نفسه لا يمكننا أن نثق بعمليات تمثلها في خطابنا المؤسسي، خصوصًا وأنها تأتي في سياق سياسي ضاغط، يجرد الأشياء من معانيها ويحيلها إلى عملات زائفة، لا يمكنها أن تمكننا من تصريف واقعنا أو رؤيتنا للأشياء تصريفًا يتيح لنا أن ننتج معرفة جديدة؛ لذلك يحق لنا أن نتساءل:
هل "إدخال الكثير من المفاهيم، مثل التسامح، واحترام الرأي الآخر، وتقدير الشعوب والأديان" في المقررات الجديدة، يعني إعادة تمثيل هذه المقررات (بما هي نصوص لخطاب المؤسسة التربوية وثقافتها المتمركزة) للعالم وعلاقاته وأناسه وطريقة فهمه؟ أي ألا تغدو هذه المفاهيم عملات زائفة كما يشي بذلك سياق توظيفها السياسي؟
إن مجاز الإدخال (أي إدخال هذه المفاهيم) المحفوف بتبريرات التلاؤم والتكيف مع المستجدات الدولية، قد يصنع مزاحمة بسبب المجاورة، تزيح بعضًا من تشنجات آليات تمثلنا الأحادية للأشياء، وقد تخفف منها عمليات الحذف (أو التخلص حسب تعبير وزير التربية الكويتي)، لكنه لا يمكن أن يعيد طريقة تمثيل المقررات (المناهج) للعالم. بل إن عملية الحذف والإدخال ستصنع مشكلة معرفية وثقافية واجتماعية تضاعف من أزمة تلقينا لأي عملية تغيير حتى لو كانت من الداخل (رغم ما في هذا المفهوم من مراوغة)، فالتغيير يحكمه تأطير ذهني في ثقافتنا يربطه بالتهديد والضياع والتآمر والسلب.
إن "التأطير" الثقافي الذي نتمثل من خلاله الأشياء ونتصوَّرها ونحكم عليها ونفهمها ونقيمها ونحدد موقفنا منها، يصوغ موقفنا مما يحدث من عمليات تغيير في مناهجنا، فيحدد طريقة تلقينا لها ويفسِّر معناها ويحكم عليها.
ويبدو هذا منسجمًا مع الدراسات الأمريكية التي تقول: إن تسعة أعشار المعرفة والقيم والمهارات تُكتسب خارج أسوار المدرسة، أي أن ما يُكتسب خارج أسوار المدرسة (ثقافة المجتمع) يصوغ، ولو بالغلبة الكمية، ما يُكتسب داخلها. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل: هل ما يُحذف من المناهج يُحذف من الخطاب الثقافي؟ أي هل ما يُحذف من 10% يُحذف من 90%؟
بالطبع لا، والـ (لا) تعني هنا أن ما نحذفه من مناهجنا من نصوص يحرض ظاهرها على الإرهاب والعنف ونبذ الآخر، لا يُحذف من الثقافة التي يعيش فيها الطالب خارج أسوار المدرسة، أو لنقل بمعنى أدق: خارج أغلفة الكتب المدرسية، ففي داخل أسوار المدرسة وخارج أغلفة الكتب ثقافة لا يمكن ملاحقتها، ولا تطاولها عمليات الحذف والتخلص، والأخطر من ذلك أن ما يُحذف تتمثله ذاكرة الخطاب الاجتماعي بوصفه الحق والحقيقة المضطهدة والمظلومة التي يجب الاحتفاء بها والعمل على إحيائها.
هكذا يتمّ تقديس ما يُحذف، واستهجان ما يدخل، وبحكم هذه المعادلة تتشكل حساسية خطاباتنا التي هي ليست مجموعة نصوص ولا مضامين ولا أقوال يمكن حذفها أو التخلص منها، بل هي آليات بها تتمّ صياغة القول والخطاب والإحساس والرؤية والحكم. وتلك هي الآليات التي لا يطاولها التغيير لفرط لطافة خفائها وصعوبة الإمساك بها من قِبَل لجان التفتيش التي شكلتها وزارات التربية للتأكد من خلو المناهج من الإرهاب!!.
دعونا نقرأ بعضًا من هذه الخطابات التي تمثل هذه الحساسية في نماذجها الأكثر تداولاً وتقبلاً في ثقافاتنا.
الحساسية الثقافية والمهمة المقدسة
جاء في خطاب الأزهر حول موقفه من الدعوة إلى تغيير المناهج نفيه القيام بحذف أي نصوص قرآنية تتعلق باليهود وموضوعات الجهاد، أو بإجراء أي تعديل في مواد ومناهج الشريعة الإسلامية التي يتم تدريسها في المؤسسات التعليمية التابعة للأزهر لتتناسب مع متطلبات التطورات السياسية المختلفة والتزامات مصر الخارجية.
وجاء فيه أن كافة المواد الشرعية التي يتم تدريسها لطلاب المعاهد الأزهرية لها خصوصيتها وهويتها وطبيعتها المعروفة، ويتم تدريسها من خلال كتب التراث التي تعتبر من الركائز والثوابت التي يسعى الأزهر جاهدًا للحفاظ عليها كأساس لسياسته التعليمية. بالإضافة إلى أن الأزهر بهيئاته يعتبر مرفقًا قوميًّا مستقلاًّ يضع من السياسات التعليمية ما يتمشى مع أصالته وخصوصية الدراسة بمعاهده دون خضوعه لأي مؤثرات، ويؤدي دوره داخل مصر وخارجها بدعم من الدولة التي تقدر له توجيهاته وتحرص دائمًا على تعزيزها.
إن الادعاء بحذف موضوعات الجهاد من المناهج الدراسية المقررة لا أساس له على الإطلاق؛ حيث إن موضوع الجهاد من الموضوعات ذات الصلة الوثيقة بالعلوم الشرعية التي يتم تدريسها من خلال كتب التراث.
إن عملية تطوير المناهج الأزهرية من الأمور التي لا يتحدث فيها إلا أهل الأزهر، وإن الأزهر لا وصاية عليه من أحد، وإن أي تطوير يحدث داخل الأزهر لا يمس بأي حال من الأحوال مفاهيم العقيدة والشريعة، وإنما يكون لإضافة جديدة تجعل الطالب الأزهري على دراية بعصره"[6].
خطاب الأزهر مدفوع بهذه الحساسية التي ترى في مقاومة التغيير موقفًا جهاديًّا يعبِّر عن استقلال وأصالة ووفاء وإخلاص. ولكي يعطي لموقفه زخمًا عاطفيًّا وانفعاليًّا، وجد في تأكيد رفضه للحذف مناغاة لحساسية تقديس المحذوف؛ لذلك راح يؤكِّد تمسُّكه المفرط بكل كلِّه وعدم استعداده لحذف أي سطر من هذا "الكل".
ربما نجد في هذا الموقف ما يستحق الثناء والإشادة؛ لأنه يأتي في سياق مقاومة الإكراه الأمريكي، لكن الخطورة تكمن في أننا ننسى أن هذا السياق هو القشرة الظاهرة، وأن السياق الأكثر صلابة يمليه موقف معرفي من التغيير، تناسيناه في لحظة تضامن سياسية، وهذا التناسي هو أحد أشكال عدم اعترافنا الحقيقي، وأحد أسباب عدم إنتاجنا معرفة جديدة، وهروبنا المعتاد.
هكذا حين يطرح سؤال التغيير، يتم تسميمه بتقديس ما سيحذف واستهجان ما سيدخل، وتبقى الآليات التي بها نستهجن وبها نقدِّس والتي هي خطابنا، لا يطاولها الحذف أو تدخلها الإضافة ؛ لذلك لم يكن خطاب الأزهر يتحدث عن هذا الخطاب (أي الخطاب بما هو آليات الرفض والقبول) بل إنه لم يكن يراه.
لا شيء يُحذف، ومن العبث أن ننشغل بالدفاع عن محذوفات وهمية، لكن كل شيء يعاد تركيبه. والمعركة الحقيقية هنا حيث التركيب يتطلب منا قدرة على التصرف بكل الأشياء. أما تحدي مقاومة الحذف وإشعال مقاومة مقدسة حوله، فهي عملية تنسينا مهمة التركيب التي هي نقيض مهمة التقديس.
وضمن هذه المهمة المقدسة يندرج هذا الخطاب: "ومع التغريب جاء هدف العلمنة ونزع الإسلام بأشكاله من الكتب المدرسية العراقية بحجة محاربة الطائفية رغم أنه لا يوجد في العراق سوى الإسلام، وكان التركيز الأمريكي على التعليم مثيرًا للتساؤل؛ لأنه أتى في أولوية تفوق اهتمامهم بالبترول رغم الحديث الكثير على البترول باعتباره الهدف الأمريكي الأسمى من الغزو والاحتلال، والواقع أن الحرب الحقيقية على العراق كانت حربًا ضد العقول والضمائر، وضد الإسلام قبل كل شيء؛ ولهذا الهدف كانت الأولوية المعطاة لمسألة التعليم والفكر.
وسمعنا من العلمانيين أصحاب أمريكا من يعلن -بكل فخر- أن التعليم هو مشروعه النهضوي للأمة، وكان في ذلك يعني كلمة واحدة هي فقط علمنة وتغريب الأمة، ومحصلة هذا الأمر كله هو أن الحرب على الإسلام أصبحت تدور الآن على ساحة التعليم باعتباره مجال صنع العقول والضمائر للأجيال القادمة، وقد انتقلت من ساحة السياسة"[7].
هل صحيح أنه لا يوجد في العراق سوى الإسلام؟!
كيف يمكن أن تتجنب تسميم هذا الخطاب لبئرك التي لا علاقة لها بآبار البترول التي تضعها القوات والشركات الأمريكية ضمن أولوياتها؟ كيف يمكننا أن نقدم اعترافًا حقيقيًّا وسمُّ هذا الخطاب يتهدَّدنا، ويتهدَّد آبارنا؟!
إن استنفار هذا الخطاب باسم الأمة وحماية عقولها، يضع كل الآبار (مهما كانت نقاوتها وصفاؤها وصدقها وأصالتها و..و..و) تحت رحمة جنون مهمته المقدسة التي لا يمكن أن يحول بينه وبين حرقها شيء.
إن هذه الحساسية المحكومة بغضبة الحرق، لا يمكنها أن ترى في عقول الأمة غير مخازن تعبئة تفجِّرها في وجه الأمة نفسها. وتلك مهمة دونها سُم الشوكران الزعاف.
طالع أوراق الملف:
- تغيير المناهج الدينية.. لمصلحة من؟
- مناهجنا الدينية: جدل التغيير.. وجداله
- تغيير المناهج المدرسية وتسميم الخطاب
- تغيير المناهج بين جدل الداخل والخارج
- المقررات الدراسية الدينية.. أين الخلل؟
[1] الكويت. إسلام أون لاين.نت/ 27-12-2003.
[2] اللغة والاقتصاد - عالم المعرفة 263، ص31.
[3] الكويت. إسلام أون لاين.نت/ 27-12-2003
[4] وكيل وزارة التربية الكويتي الدكتور حمود السعدون، الحياة 2004/01/7
[5] من حديث للسعدون، الحياة 2004/01/7
[6] الأزهر ينفي حذف "الجهاد" بمناهج التعليم ،القاهرة، إسلام أون لاين.نت/29-1-2003
[7]الحرب الأمريكية على ساحة التعليم، د. محمد يحيى، موقع الإسلام اليوم، 26/10/2003




















