مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

فروض الكفاية في المجتمع الإسلامي المعاصر

هشام منور / 15-05-2004

Image
ما من شك في أن ولادة "المجتمع المدني" -مفهوما وممارسة- كانت نتيجة طبيعية تمخضت من رحم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي خبرتها وعايشتها منظومة المجتمعات الأوربية، إبان قيام الثورتين الصناعية والسياسية الأيديولوجية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. فقد اعترت السياق الاجتماعي الأوربي -منظومة وقيما وممارساتٍ- سلسلةٌ من التغيرات المتسارعة، والهائلة الحجم والتأثير على صعيدي الفكر والممارسة، بلورت تلك الرغبةَ الحثيثة في الجهر بتحقيق قطيعة واقعية مع الأزمنة القروسطية والتخلص من أوابدها وترسباتها الإقطاعية المتخلفة، والانتقال تاليا إلى تأسيس وإنشاء منظومة جديدة، تتأسس على العقل بمفهومه الكلي المفارق للمفاهيم السائدة، والعقلانية بوصفها ممارسة وفعالية، قبل كونها مبدأ لا يجوز التخلي أو التغاضي عنه.

"المجتمع المدني".. تحولات المفهوم

قُصد بمفهوم "المجتمع المدني" على مدار القرنين 17-18 تلك المحاولات الدؤوبة لتتبع ظهور الدولة, وإمكانية صياغة نظام مدني خارج عن هيمنة (الإكليروس) الديني المسيحي.

وعلى الرغم من ذيوع قناعة أساسية مفادها أن "مفهوم المجتمع المدني قد اكتسب معانيَ مختلفة، واكتسى بمضامين سياسية وأيديولوجية ودلالات معرفية متنوعة، وذلك وفقا للظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي كان يتم تعريفه فيها، ووفقا للتشكيلات المعرفية القائمة آنذاك؛ فهو يكتسب معنى ومضمونا معينين يغايران -إلى حد كبير- ما كان قد اكتسبهما في مرحلة سابقة، وفي ظل أوضاع اجتماعية وتاريخية مختلفة".1

فالمفهوم المعاصر للمجتمع المدني يومئ -بشكل عام- إلى جملة المؤسسات الطوعية أو التطوعية التي تحاول مَلء الفراغ الاجتماعي الناجم عن عدم مد سلطة "الدولة" أو النظام السياسي الرسمي في العديد من المجالات الاجتماعية الجزئية "كالمنظمات الأهلية والنقابات والجمعيات وأجهزة الإعلام والأحزاب السياسية، على خلاف بين الباحثين في مدى صحة انطباق ذلك عليها بوصفها تنظيمات ساعية إلى السلطة وتسلمها في نهاية المطاف". أي تلك التنظيمات الاجتماعية المشاركة في إحداث تحولات سياسية ديمقراطية في المجتمع. 

لكن هذا المفهوم وعلى مدار القرنين السابع عشر والثامن عشر قُصد به تلك المقاربات والمحاولات الحثيثة والدؤوبة لتتبع ظهور الدولة والحكم المدني، وإمكانية صياغة نظام اجتماعي وسياسي مدني خارج عن نطاق الثيوقراطية الكنسية، وهيمنة "الإكليروس" الديني المسيحي في الغرب بالتساوق مع محاولات التوصل إلى صيغة عقد اجتماعي بين أفراد المجتمع و"الدولة"، متضمنا التزام كلا الطرفين بما ينبثق عن ذلك العقد من حقوق وواجبات.2

ربما يكشف ذلك عن سبب رفض بعض الإسلاميين لهذا المفهوم؛ إذ فهموا منه مدلوله "البدائي" خلال القرنين: السابع عشر والثامن عشر، ونازعوا في مدى احتياج المجتمعات الإسلامية له، في ضوء خلو الاعتقاد والفكر الإسلامي من وجود مؤسسة دينية رسمية، نظير مثيلتها في العالم الغربي المسيحي، وفضلوا مصطلح "المجتمع الأهلي" للدلالة على سياق التفاعلات الاجتماعية الهادفة إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية والحضور للمجتمع، في ظل تغول الدولة الوطنية في العالم الإسلامي، وتسرطن أجهزتها ومؤسساتها في مرافق المجتمع.

"الحكم التكليفي" و"المجتمع المدني".. سؤال المفهوم

يمكن التأسيس لفكرة (المجتمع المدني) - عمليا - من خلال ما يُعرف - في آليات الاستنباط الأصولي - بمفهوم "الحكم التكليفي" المتعلق أساسا بالفعاليات البشرية اليومية والمباشرة.

يلهج بعض الإسلاميين في الدفاع عن وجود مدلول "المجتمع المدني" بغض النظر عن الدال اللفظي عليه، من خلال تجذر نظام الوقف الإسلامي وبسوق أغصانه في المجتمع الإسلامي قديما وحديثا. لكن يمكن التأسيس لفكرة "المجتمع المدني" عمليا من خلال ما يُعرف -في آليات الاستنباط الأصولي- بمفهوم "الحكم التكليفي" المتعلق أساسا بالفعاليات البشرية اليومية والمباشرة.

و"الحكم التكليفي" هو عند الأصوليين يتجلى في "خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء طلبا أو تخييرا"، أو "أثر هذا الخطاب" كما هو عند الفقهاء، ثم ينقسم هذا المفهوم إلى خمسة مستويات من الدلالة بحسب صيغة الخطاب المتضمن والمحتوي له: "الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة".

ما يعنينا في هذا السياق المستوى الأول "الوجوب" وانشطاره وتفرعه -بحسب الأصوليين-  إلى عدد من الأقسام3، لعل من أهمها تفريعه بحسب المخاطبين به "الخطاب أو مفهوم الوجوب" إلى عيني وكفائي. ويقصد الأصوليون بالواجب العيني ذلك الفعل الذي "طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين بعينه". أما الواجب الكفائي فهو ذاك الذي يروم الشارع حصوله "من جماعة المكلفين" من غير نظر إلى من يفعله أو يقوم به، وإنما مقصوده تحقق وقوعه من مجموع المكلفين، ويُمثل له بجملة من الفعاليات والأعمال الاجتماعية الطابع والدور التي تسهم في تحقيق مدنية وتحضر المجتمع الإسلامي، بصرف النظر عن المباشِر والممارس لها، "كتعلم الحرف والصنائع، وبناء المستشفيات، والقضاء، والإفتاء، والصلاة على الجنائز، ورد السلام، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمفهومه الاجتماعي الواسع".

وفيما يتفق الأصوليون على توجه الخطاب في الواجب العيني إلى المكلف بعينه بحيث لا تسقط عهدة التكليف عنه إلا بأدائه بنفسه، فإنهم، وإن كانوا متفقين على سقوط إثم المحاسبة والجزاء الأخروي والدنيوي بقيام البعض بأداء الواجب الكفائي، يختلفون في كيفية توجه الخطاب فيه، فجمهور الأصوليين يرون توجهه ابتداء إلى كل فرد بعينه، شأنه في ذلك شأن الواجب العيني، إلا أن بعض الأصوليين يصر على أن الواجب الكفائي ينفرد بتوجه الخطاب فيه إلى جملة المكلفين ومجموعهم، أو إلى الهيئة الاجتماعية الناظمة لهم، متجاوزين ذلك المفهوم الضيق في توجيه الخطاب، والسمة الفردية التي لازمت تبلور الأحكام الشرعية ودلالاتها التجزيئية المعنية بالفرد وشؤونه على حساب التشريع الجمعي الشامل للتعامل مع مجموع المكلفين بصفة اعتبارية مختلفة عن نظيرتها الفردية، ومفارقة للرؤية الكلاسيكية السائدة في العقل الفقهي، والتي تجعل من المجتمع حاصل جمع أفراده المكررين.4

إن مما يثير انتباه المتابع لتفريعات وتقسيمات الأصوليين وسجالاتهم حول مفهومي "العيني والكفائي" للواجب، أن جمهورهم وغالبيتهم يرون تقديم العمل بالواجب العيني على الكفائي، ولهم في ذلك استدلالات ومناقشات مطولة ترى في عينية توجه الخطاب الشرعي للمكلف مرجحا معتبرا في تغليب السمة الفردية في الرؤية التشريعية على السمة الجمعية، والمؤسسة على إيلاء قدر أكبر للفرد على حساب المجتمع، إنْ على صعيد دفع المضار وسقوط الإثم، أو على صعيد جلب وتحصيل المنافع والمصالح. فيما رأى كل من الجويني "الأب" -ونَسَبه إلى الإمام الشافعي- وأبو إسحاق الإسفراييني تقديم العناية بفرض الكفاية على الفرض العيني حال تعارضهما. وحاول بعض المُحْدثين حل وفض جهة الاشتباك بالعمل بقول الجمهور من العلماء، حال عدم التعارض، فيما يعمل بالقول الثاني حال تعارض واجبين، أحدهما عيني والآخر كفائي، فيرجح الثاني لما فيه من سقوط الإثم والمطالبة بالأداء عن نفسه وغيره.5

يبدو أن الرؤية الفردية في هذا الموضوع ظلت حاكمة حتى على المرجحين لأداء الواجب الكفائي على العيني، بدليل نزوعهم في تعليل ذلك الترجيح إلى صيغة "الخلاص" الفردية المنشأ والمآل ومقايستها به، على اعتبار أن في أداء الواجب الكفائي تحقيقا لخلاص عدد أكبر من المكلفين "الأفراد"، فيما كان الأولى أن تتم الموازنة بين الفعلين باعتبار ما قد يترتب على تحققهما من منافع ومصالح تعود آثارها على المجتمع بشكل لا يقارن مع نظيره في الواجب العيني "الفردي"، ولو تم تحقيق ذلك لاعتبر نقلة نوعية على صعيد التخفيف من الرؤية الكلاسيكية التجزيئية في التشريع، والتأسيس لقيام مجتمع مدني عصري ينزع أبناؤه جميعا إلى تحصيل منافعه ومصالحه ولو على حساب مصالحهم الفردية والشخصية.

ورغم اعتراف العلماء بسلطة الحاكم أو الإمام الأعلى في تعيين الواجب الكفائي وتحويله بالتالي إلى واجب عيني يتعين القيام به على فرد ما، وذلك بأمر أو قرار صادر منه، فإن الرؤية الكلية لمفهوم الكفاية في الواجبات لا تنزع عن هذه الواجبات الشرعية دلالتها الاجتماعية على مستوى التأصيل والممارسة، فتدخل الحاكم أو "الدولة" في هذا النوع من الواجبات هو تدخل آني وظرفي، مؤقت ومؤطر بضوابط الضرورة والحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة الفردية، بحيث يُبقي على فروض الكفايات معينا أصيلا لخدمة المرافق الاجتماعية المتعددة "الوقف، المستشفيات، المدارس، الجمعيات الخيرية"، في الوقت الذي تعبر فيه عن خصوصية هذه الواجبات "الكفائية"، وعدم توقف العمل بها على وجود هرم سياسي ناظم ومعين لها؛ الأمر الذي يجعل من هذا اللون من الجهاد فريضة اجتماعية باقية إلى يوم القيامة، وواجبا اجتماعيا لا يتوقف على وجود إمام أو حاكم "سواء كان عادلا أم جائرا"؛ وهو ما يسهم في توضيح جانب من ملامح التصور الإسلامي حول هذه القضية.

"الحكم التكليفي" و"المجتمع المدني".. سؤال المشروعية

لكن يبقى السؤال المعرفي الذي يثيره موضوع "فروض الكفايات ودورها في المجتمع الإسلامي المعاصر" متمفصلا في مدى شرعية اللجوء والاعتماد على هذا الصنف التكليفي من الأحكام الشرعية للتأسيس لمجتمع مدني معاصر، في ظل معرفتنا المسبقة بمفارقة الظرف التاريخي السياسي الحاكم لفترة تبلور وتقعيد هذه الفروض الكفائية "زمن الخلافة الإسلامية"، للظرف السياسي التاريخي الذي رافق وأسهم في ظهور مفهوم المجتمع المدني زمن "الدولة الوطنية".  

لا يمكننا، ابتداء، إنكار اختلاف النظام السياسي والمفاهيم والممارسات السياسية في كلا الجانبين، ففيما كان في نظام الخلافة الإسلامي مؤسسا على رابطة الدين ومتمحورا حول خدمته، فإننا نجده في نظام الدولة الوطنية، العلماني الطابع والمنشأ، مؤسسا حول مفهوم المواطنة وموجها لخدمة أهداف الدولة - الأمة، كمفهوم ونظام سياسي يعتمد رابطة الولاء للنظام والدولة بدل الدين والعقيدة.

إن طبيعة الفروض الكفائية ذاتها، أنها قائمة على أساس التقعيد والتقنين لجملة من النشاطات والممارسات الاجتماعية الداعمة لنشوء مجتمع "مدني"، يمارس دور الحماية الذاتية لكيانه من الانهيار والتفكك حال سقوط السلطة السياسية الرسمية أو انهيارها، وبالتالي محاولة الحفاظ على وحدة هذا المجتمع وتنظيم مقاومته ضد صنوف الغزو الفكري والعسكري. تلك الطبيعة كفيلة بنفض غبار الشك الذي يحيط بالأنظمة السياسية واختلافها حول نشوء هذه الفروض ونموها.

ومن الضروري، ونحن نقترح هذا التأسيس، التنبيه إلى الخلفيات الفكرية والسياسية والتاريخية -وبالجملة الاجتماعية- التي تتشبع بها مفاهيم من مثل "المجتمع المدني" عند القيام بشرعنة وسائل وممارسات اجتماعية لإنجازه وبلورته، من خلال القيام بعملية "تبيئة" مفهومية وفكرية واجتماعية لهذا المفهوم، بما ينسجم وسياق الظروف والملابسات الجديدة المكتنفة به.

هل شهد المجتمع الإسلامي.. فعاليات مجتمع مدني؟

يرى البعض أن المجتمع الإسلامي عرف - تاريخيا - مجتمعا مدنيا قد يكون في بعض كياناته وجوانبه أكثر اتساعا وتنوعا وشمولا مما هو عليه حاليا.

من المهم هنا -ونحن نبحث فكرة التأسيس لـ"مجتمع مدني"- التساؤل عن وجود فعالياته تاريخيا. ثمة نزاع بين الباحثين العرب والمسلمين حول حقيقة وجود المجتمع المدني على صعيد الممارسات والمنظمات والمؤسسات، لا على صعيد المفهوم الذي لا ينازع أحد في غربية نشوئه وتكونه، فيرى قسم منهم، "كالجابري مثلا"، أن المجتمع العربي الإسلامي لم يشهد ولو حتى صورة من صور المجتمع المدني على النمط الأوربي، الناجم عن تحولات اجتماعية وثورية في القرنين "17-18" بسبب من القطع الخارجي "الاستعمار - الإمبريالية"، أو النخب الحاكمة البرانية التكوين وغير المندمجة أو المنصهرة بالكيان الاجتماعي، مع توقع عدم قيامه في المستقبل في ظل عدم تبديل أي من الظروف السابقة.

فيما يرى آخرون، "كالكوثراني وغيره"، أن المجتمع الإسلامي كان قد عرف تاريخيا مجتمعا مدنيا قد يكون في بعض كياناته وجوانبه أكثر اتساعا وتنوعا وشمولا مما هو عليه حاليا. ويستشهدون في هذا السياق بكتابات الفارابي وابن خلدون، وخاصة الأخير، حول مفهوم "أهل الدولة" في مقابل "أهل العصبية"، أي أهل الحكم والسياسة في مقابل أهل الحرف والصنائع والطوائف والفرق. وكذلك بمفاهيم "السياسة المدنية" في مقابل "السياسة الحكومية"، و"الدولة المستجدة" في مقابل "الدولة المستقرة"، ومن ثم يقرون بوجود مجتمع  لوصف تلك المظاهر الاجتماعية.6

يبدو أن علينا الاعتراف، ابتداء، بقصور التجربة الإسلامية أو انقطاع اتصالها على وتيرة التقدم نحو بناء مجتمع مدني متحضر، بصرف النظر عن الملابسات والظروف التي عملت على ذلك، وبالمقابل علينا -في الوقت ذاته- الإيمان بقدرة المجتمعات العربية الإسلامية على تجاوز راهنية هذا التخلف المجتمعي. فهذا الأمر هو من قبيل "الممكن الذاتي" الذي يجد في تراثنا وبنائنا الإسلامي مؤيدات عديدة تسهل من عملية الاستنهاض الحضاري تلك وتسرع من وقع خطاها، وفروض الكفايات في هذا الصدد كفيلة فيما لو تم تفعيلها مجددا بتحقيق ذلك، لا سيما أن القاعدة الشرعية الشهيرة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" واضحة وصريحة في تشريع عملية تغيير واقع تلك الفروض الاجتماعية الطابع والمهملة على الصعيد العملي، والاعتماد عليها كورقة إضافية تدفع باتجاه الأمام.


  كاتب فلسطيني

1- حسن، أحمد حسين، الجماعات السياسية الإسلامية والمجتمع المدني، الدار الثقافية للنشر، القاهرة ط1، 2000م، ص89

2- م.ن : ص .ن.

3- البيانوني، محمد أبو الفتح، الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية، دار القلم، دمشق، ط1، 1988م،ص 97، وما بعدها

4- البيانوني، الحكم التكليفي، ص104 - 109

5- م.ن : ص103- 104

6- حسن ، أحمد حسين، الجماعات السياسية، ص127-129