مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

أحكام الأسرى في الإسلام

وقفة مع آية المن والفداء

الشيخ الكبيسي (من علماء المسلمين بالعراق)مع الصينيين المفرج عنهم
الشيخ الكبيسي (من علماء المسلمين بالعراق)مع الصينيين المفرج عنهم
وأود أن أقف وقفة متأنية عند الآية الكريمة من سورة محمد، وهي قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فَضَرْب الرقاب، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منًّا بعد وإما فداء) محمد: 4.

فالآية الكريمة ترسم للمؤمنين منهج الحرب: كيف تبدأ، وكيف تنتهي. فهي تبدأ بضرب الرقاب -أي بالقتل الذي يراد به إضعاف العدو وإثخانه، حتى إذا تم هذا الإثخان بالقتلى والجراحات، وظهر ضعف العدو: هنالك يشرع الأسر- وهو ما عبر عنه القرآن بـ(شد الوثاق) فلا أسر إذن قبل الإثخان، ولهذا عاتب الله النبي والمسلمين في بدر: أنهم بادروا إلى الأسر قبل الإثخان، فقال تعالى: (وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) الأنفال: 67.

وبعد أسر العدو المحارب يكون فيه أحد خيارين ذكرتهما الآية: المن أو الفداء، والمراد بالمن: إطلاق  الأسير (مجانا) لوجه الله تعالى، لترغيبه وقومه في الإسلام، فالإنسان أسير الإحسان، وقد قال الشاعر:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمو فطالما استعبد الإنسان إحسان!

والمراد بالفداء: أن يقبل المسلمون فدية الأسير لديهم بمال يدفعه لهم، أو بأسير أو أكثر عندهم من المسلمين، وفي هذا وذاك مصلحة للمسلمين، فالمال قوة لهم، وقد جعله الله للناس قياما، وكذلك مفاداة أسرى الأعداء بأسرى المسلمين، فيه تحرير لرقاب المسلمين من ذلك الأسر، وهم مأمورون أن يخلصوا أسراهم، ويفكوا عانيهم. وهذه المفاداة إحدى الوسائل الميسورة لهم.

ومن تدبر القرآن حق التدبر: وجد أن هذه الآية لا تتعارض قطعا مع أيّة آيةٍ أو بعض آية أخرى في القرآن؟ لأنه لا يوجد نص آخر في القرآن يقرر حكم التعامل مع الأسرى غير هذه الآية. أما آية سورة الأنفال (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) فهي لا تتعرض لحكم الأسرى، ولكن لحكم الأسر نفسه، أنه لا يجوز أن يعمد إلى الأسر إلا بعد الإثخان في الأرض، وهو نفس ما تقرره هذه الآية.

والذين يدّعون نسخ هذه الآية، يقولون: نسخها قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم) التوبة: 5.

وهذه الآية إنما نزلت بخصوص مشركي العرب، الذين نزلت سورة براءة - وخصوصا أوائلها - في البراءة منهم، ونبذ معاهداتهم المطلقة، وإمهالهم مدة أربعة أشهر يختارون فيها لأنفسهم، ثم قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم (وهي أشهر الإمهال الأربعة) فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).

على أن مضمون هذه الآية لا يناقض آية (فإما منا بعد وإما فداء) حتى نقول: إن هذه الآية نسخت تلك الآية. فآية التوبة في شأن القتل، وآية محمد فيما بعد القتل، وهو الأسر، والتعامل مع الأسرى، والنسخ إنما يكون عند التعارض المقطوع به.

قال العلامة الآلوسي في تفسيره لآية المن والفداء: وظاهر الآية -على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم- امتناع القتل بعد الأسر، وبه قال الحسن.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن أنه قال: أُتي الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- رجلا يقتله، فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا، إنما قال الله تعالى: (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء)[1].

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن نافع: أن ابن عمر أعتق ولد زنية (ابن زنى) وقال: قد أمرنا الله ورسوله، أن نمن على من هو شر منه، قال الله: (فإما منا بعد وإما فداء)[2]! يعني: أن الكافر المقاتل بلا شك شر من ولد الزنى، وقد أمر الله تعالى بالمن عليه بلا مقابل.

وروى أبو جعفر النحاس عن أشعث قال: كان الحسن يكره قتل الأسير، ويتلو: (فإما منا بعد وإما فداء)[3].

وهذا الرأي كما جاء عن الحسن: جاء عن عطاء أيضا، كما في الناسخ والمنسوخ عن ابن جريج عن عطاء: (فإما منا بعد وإما فداء) قال: فلا يُقْتل المشرك الأسير، ولكن يمن عليه ويفادى إذا أسر، كما قال الله عز وجل[4].

وكذلك روى عن الضحاك: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) قال: نسخها (فإما منا بعد وإما فداء).

ونسبه النحاس إلى السدي أيضا[5].

وروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وإن رده مجاهد، فقد ذكر السيوطي ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث: قلت لمجاهد: بلغني أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يحل قتل الأسارى؛ لأن الله تعالى قال: (فإما منا بعد وإما فداء) فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئا. أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ينكر هذا ويقول: هذه منسوخة[6].

وقول مجاهد هذا يرده ما جاء عن ابن عمر، وما قاله للحجاج.

والقول بنسخ الآية جاء عن ابن عباس نفسه وقتادة والضحاك كلهم يقول: نسختها آية: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) التوبة: 5.

وقد رأينا قول الضحاك: أنها ناسخة لا منسوخة!

واختار الإمام أبو جعفر النحاس: ما جاء عن ابن زيد: أن هذه الآية محكمة، وأن الآية التي قيل: إنها نسختها محكمة أيضا، قال: الآيتان محكمتان معمول بهما. قال: وهو قول حسن؛ لأن النسخ إنما يكون بشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبير قبل الأسر قتلناهم، فإذا كان الأسر جاز القتل والمفاداة والمن، على ما فيه الصلاح للمسلمين[7]. أ. هـ.

وكلام أبي جعفر صحيح ومقبول، إلا قوله: فإذا كان الأسر جاز القتل والمن والفداء، لأنه الآية التي قال إنها محكمة معمول بها، لم تخير إلا بين أمرين: المن والفداء.

على أن هذه الآية التي يزعمون أنها ناسخة تقول: (فاقتلوا المشركين) وهذا أمر بالقتل، والأمر يفيد الوجوب، وهؤلاء لا يقولون بوجوب قتل الأسير، بل بجواز قتله، فلم يمتثلوا الأمر التي تضمنته الآية الكريمة.

وكذلك كل الآيات التي ذكروا أنها ناسخة لهذه الآية، مثل قوله تعالى: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) الأنفال: 57 أو قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) التوبة: 36 كلها آيات آمرة، والأمر يفيد الوجوب.

فما قيل في آية (فاقتلوا المشركين) يقال في هذه الآيات، وأنه لا تعارض قط بين هذه الآيات وآية المن والفداء.

وقال محقق الحنفية العلامة الكمال بن الهمام: قد يقال: إن ذلك - يعني ما في سورة براءة (فاقتلوا المشركين) - إنما هو في حق غير الأسارى، بدليل جواز الاسترقاق فيهم، فيعلم أن القتل المأمور به حتما في حق غيرهم.[8]

اختلاف الفقهاء في حكم الأسارى

وقد اختلف الفقهاء في حكم الأسارى، فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم إن لم يسلموا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قتل صبرا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث الذي قالت فيه أخته أبياتا منها تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:

ما كان ضرك لو مننت وربما   منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

ولأن في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية. وقتلهم إلى الإمام، وليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيرا بنفسه، فإن فعل بلا ملجئ (أي بلا ضرورة ملجئة) كخوف شر الأسير: كان للإمام أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده، ولكن لا يضمن شيئا.

وإن شاء استرقهم؛ لأن فيه دفع شرهم، مع وفور المصلحة لأهل الإسلام.

وإن شاء تركهم ذمة أحرارا للمسلمين، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك في أهل السواد، سواد العراق، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر: لا يقتلهم لاندفاع شرهم بالإسلام.

حكم المفاداة عند الأئمة

ولا يفادي بأسارى (أي من المسلمين) في إحدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، لما في ذلك من معونة الكفر؛ لأنه يعود الأسير الكافر حربا علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم؛ لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين.

والرواية الأخرى عنه: أنه يفادي، وهو قول محمد، وأبي يوسف، والإمام الشافعي، ومالك، وأحمد، إلا بالنساء فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية (السير الكبير) قيل: وهو أظهر الروايتين عن الإمام أبي حنيفة.

وقال أبو يوسف: تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وعند محمد تجوز بكل حال.

ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة: أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به، ولأن حرمته عظيمة، وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم: يدفعه ظاهرا المسلم الذي يتخلص منهم؛ لأنه ضرر شخص واحد، فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهرا، فيكافئان، وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى، فإن فيها زيادة ترجيح.

ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد بن حميد، وابن جرير عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين، ويُحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضا عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة (ابن الأكوع) قال: خرجنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أمّره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: فلقيني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الغد في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة، يعني: التي نفّله أبو بكر إياها - فقلت: يا رسول الله، لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبا، ثم لقيني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الغد في السوق، فقال: "يا سلمة، هب لي المرأة، لله أبوك!" فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوبا، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففدى بها ناسا من المسلمين أسروا بمكة.

ولا يفادى بالأسير إذا أسلم وهو بأيدينا؛ لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه، وهو مأمون على إسلامه، فيجوز، لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار بمسلم آخر.

وأما المفاداة بمال، فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية؛ لما بُيّن في المفاداة بالمسلمين من ردهم حربا علينا.

وفي "السير الكبير": أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، قيل: استدلالا بأسارى بدر، فإنه لا شك في احتياج المسلمين بل في شدة حاجتهم إذ ذاك، فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال.

الخلاف في المن على الأسرى

وأما المن على الأسارى، وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء، فلا يجوز عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم منّ على جماعة من أسرى بدر، منهم (زوج زينب بنت الرسول) أبو العاص بن الربيع، على ما ذكره ابن إسحاق بسنده، وأبو داود من طريقه إلى عائشة، لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنائه عليها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رق لها رقة شديدة! وقال لأصحابه: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها الذي لها!" ففعلوا ذلك مغتبطين به، ورواه الحاكم وصححه وزاد: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي زينب إليه، ففعل".

ومنَّ صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وحديثه متفق عليه عن أبي هريرة.[9]

ويكفي ما ثبت في صحيح البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام: "لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى -يعني أسارى بدر- لتركتهم له" فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر -وهو الصادق المصدوق- بأنه يطلقهم لو سأله المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعا، لمكان العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعا.

واستدل أيضا بالآية التي نحن فيها، فإن الله تعالى خيّر فيها بين المن والفداء، والظاهر أن المراد بالمن: الإطلاق مجانا. وكون المراد: المن عليهم بترك القتل، وإبقائهم مسترقين، أو تخليتهم لقبول الجزية، وكونهم من أهل الذمة: خلاف الظاهر.

وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) من سورة براءة، فإنه يقتضي عدم جواز المن، وكذا عدم جواز الفداء، وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كان في قضية بدر، وهي سابقة عليها، وإن كان شيء من ذلك بعد بدر، فهو أيضا قبل السورة.

والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس. وقتادة. والضحاك. ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في الدر المنثور.

وقال العلامة ابن الهمام: قد يقال إن ذلك -يعني ما في سورة براءة- في حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق فيهم، فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم[10].

وقد ناقشنا قضية النسخ فيما سبق.

وفي عصرنا وجدت مواثيق دولية، واتفاقات عملية، تتعلق بمعاملة الأسرى وتحرم تعذيبهم والقسوة عليهم ، كما تحرم قتلهم.

وإن كنا للأسف الشديد، نرى الدول القوية لا تبالي بهذه الاتفاقيات، عندما يتحكم فيها الهوى والتحيز، كما فعلت الولايات المتحدة في أسرى (جوانتناما). وقد عاملتهم معاملة ليس فيها ذرة من الإنسانية، عندما قبضت عليهم، وعندما ساقتهم إلى (كوبا) مكبلي الأيدي والأرجل، وقد غطت أعينهم، وسدت آذانهم، وعزلوا تماما عن العالم من حولهم، فلا يبصرون ولا يسمعون. إلى آخر ما كتبته الصحف وتناقلته وكالات الأنباء.[11]

ورأيي أن هذه الاتفاقات، تتواءم مع ما جاء به الإٍسلام من الوصية بالأسرى ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالأسارى خيرا" كما في أسارى بدر، وكما حكى ذلك أبو عزيز بن عمير، في رعاية المسلمين له، واختصاصه بأفضل الطعام عندهم، تنفيذا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن كنا نرى بعض الكتاب الذي يتبنون تيار التشدد والانغلاق يعمَوْن تماما عن الجانب الإنساني الأخلاقي الذي تميز به الإسلام في معاملة الأسرى، وينكرون الاتفاقات الدولية؛ لأنها تحرم قتل الأسرى.

ويشن هؤلاء الغارة على كل العلماء والدعاة والكتاب الذين يدافعون عن الإسلام، وينفون عنه تهمة القسوة وتعمد إيذاء الأسرى.

يقول أحد هؤلاء منددا بالكتاب المعتدلين، فينقل السيد العلياني في كتابه: (أهمية الجهاد) عن الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه (آثار الحرب في الإسلام) قوله: (الثابت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يمن على بعض الأسارى، ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال أو بالأسرى، وذلك حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، ويراه ملائما لحال المسلمين، فهل كان ذلك الفعل تشريعا دائما، أم هو من قبيل الأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان)[12] ويعلق العلياني عليه صارخا: يا سبحان الله! ألا يعرف الدكتور أن تشريعات الرسول صلى الله عليه وسلم إذا مات قبل أن تنسخ، فإنها دائمة إلى يوم القيامة؟ وهل يعقل أن تصبح الخمر في يوم من الأيام حلالا بعد أن كانت في عهده صلى الله عليه وسلم حراما؟[13].

والكاتب يجهل أو يتجاهل: أن الأحكام في الإسلام تتفاوت، فمنها: ما لا يقبل التغيير بحال، مثل إيجاب الزكاة، وتحريم الخمر، وتحريم الربا، وفيها ما يقبل التغيير، مثل الأحكام التعزيرية والسياسية الإدارية، ولهذا اختلفت أحكام بعض الخلفاء الراشدين في بعض المواقف عما وقع في عهد النبوة، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولم يقسم عمر أرض السواد، قال العلامة ابن قدامة: لأن النبي فعل ما هو الأصلح في زمنه، وعمر فعل ما هو الأصلح في زمنه.

وقال الإمام ابن القيم: (الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع ينوّع فيها بحسب المصلحة، فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة.

وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية.

وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب.

وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله.

وعزر بالعقوبات المالية في عدة مواضع.

وعزر من مثَّل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه عليه.

وعزر بتضعيف الغرم على سارقٍ مالاً قُطع فيه، وكاتم الضالة.

وعزر بالهجر منع قربان النساء.

ولم يعرف أنه عزر بدرة، ولا حبس، ولا سوط، وإنما حبس في تهمة، ليتبين حال المتهم.

وكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده.

فكان عمر رضي الله عنه يحلق الرأس وينفي ويضرب، ويحرق حوانيت الخمارين والقرية التي تباع فيها الخمر، وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية.

وكان له رضي الله عنه في التعزير اجتهاد وافقه عليه الصحابة لكمال نصحه، ووفور علمه، وحسن اختياره للأمة، وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما يردعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كانت، ولكن زاد الناس عليها وتتابعوا فيها.

فمن ذلك: أنهم لما زادوا في شرب الخمر وتتابعوا فيه، وكان قليلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعله عمر رضي الله عنه ثمانين ونفى فيه.

ومن ذلك: اتخاذه درة يضرب بها من يستحق الضرب.

ومن ذلك: اتخاذه دارا للسجن.

ومن ذلك: ضربه للنوائح حتى بدا شعرهن.

قال ابن القيم:

وهذا باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما).[14]

والذي أراه: أن الحكم الأساسي في معاملة الأسرى هو ما قرره القرآن بعبارات صريحة فيما جاء في (سورة محمد) في قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) محمد: 4 ، فقرر القرآن واحدة من خصلتين في معاملة الأسرى بعد شد وثاقهم، إحداهما: المن عليهم بإطلاق سراحهم لوجه الله تعالى، بلا مقابل، إلا ابتغاء مثوبة الله ورضاه، وتحبيب الإسلام إليهم، حين يرون حسن معاملة المسلمين لهم.

والثانية: مفاداتهم بمال كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم فداء أسرى بدر بالمال، وكانوا ثلاثة وسبعين أسيرا، أو بأسرى من المسلمين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوات أخرى.

ودعوى بعضهم أن هذه الآية من سورة محمد، (منسوخة) إنما هي: دعوى بلا برهان، فالأصل في آيات القرآن هو (الإحكام) وادعاء النسخ لا يقبل إلا بدليل يقطع الشك باليقين، وإلا لأبطلنا النصوص الإلهية بالظنون، وهي لا تغني من الحق شيئا.

وقد نقلنا من قبل عن أبي جعفر النحاس: أن الآية محكمة، ولا نسخ فيها، وأن النسخ لا يكون إلا بقاطع.

وقد من الرسول الكريم على ثمامة بن أثال، وأبي غرة الشاعر أول مرة، وأبي العاص بن الربيع (زوج ابنته زينب) وقال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا، وسألني هؤلاء النتنى لأطلقتهم له، ومنّ على أهل مكة يوم الفتح، وقال لهم كلمته الشهيرة: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ومنّ على سبي هوازن، وهم جم غفير.

هديه عليه السلام في الأسارى

قال ابن القيم في بيان هديه عليه السلام في الأسارى: كان يمن على بعضهم، ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسرى المسلمين، وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة، ففادى أسارى بدر بمال، وقال: "لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له"[15].

وهبط عليه في صلح الحديبية ثمانون متسلحون يريدون غِرَّته، فأسرهم ثم منّ عليهم[16].

وأسر ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، فربط بسارية المسجد، ثم أطلقه فأسلم"[17].

واستشار الصحابة في أسارى بدر، فأشار عليه الصديق أن يأخذ منهم فدية تكون لهم قوة على عدوهم ويطلقهم، لعل الله أن يهديهم إلى الإسلام، وقال عمر: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر، فلما كان من الغد، أقبل عمر، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي هو وأبو بكر، فقال: يا رسول الله! من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء، تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)[18] الأنفال:67.

وقد تكلم الناس، في أي الرأيين كان أصوب، فرجحت طائفة، قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقة الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى[19] ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء، ولموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أولا، ولموافقة الله له آخرا حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق، فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا، وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة.

قالوا: وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم، لا تصيب من أراد ذلك خاصة، كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: "لن نغلب من قلة"[20] وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة، ثم استقر الأمر على النصر والظفر، والله أعلم.

واستأذنه الأنصار أن يتركوا للعباس عمه فداءه، فقال: "لا تدعوا منه درهما"[21].

واستوهب من سلمة بن الأكوع جارية نفّله إياها أبو بكر. في بعض مغازيه، فوهبها له، فبعث بها إلى مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين[22]، وفدى رجلين من المسلمين برجل من عقيل، ورد سبي هوازن عليهم بعد القسمة، واستطاب قلوب الغانمين، فطيبوا له، وعوض من لم يطيب من ذلك بكل إنسان ست فرائض[23]، وقتل عقبة بن أبي معيط من الأسرى، وقتل النضر بن الحارث[24] لشدة عداوتهما لله ورسوله.

وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى لم يكن لهم مال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة[25]، وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل، كما يجوز بالمال.[26]

وما خرج عن (المن والفداء) فهو -عند التأمل- من باب (السياسة الشرعية) التي يتخذ ولي الأمر فيها قراراته وفق المصلحة، التي تحقق للناس مطالبهم وحاجاتهم، ولا تخالف قواعد الشرع.

فمن ذلك: الاسترقاق للأسرى، وقد قال الإمام ابن القيم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسترق في حياته ذكرا بالغا قط[27]، وإنما استرق النساء والصبيان، ومعنى هذا: ضم المرأة والأطفال إلى أسرة مسلمة ترعاهم وتسأل عنهم، كما جاء الحديث الصحيح في معاملة الأرقاء: "إخوانكم خولكم" (أي خدمكم) جعلهم الله قنية تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه".[28] وقد كان الرق نظاما سائدا في العالم كله، ولم يكن من مصلحة المسلمين أن يلغوه وحدهم، وأعداؤهم يتعاملون به، لهذا أبقوه، مع إدخال إصلاحات عليه، حصرت أسبابه في أضيق نطاق، وهو: أسرى الحرب الشرعية على سبيل الجواز، لا على سبيل الإلزام، ووسعت من أبواب تحريره، حتى جعلت أحد مصارف الزكاة تحرير الرقاب، ووضعت من القواعد الإنسانية ما يجعل الرقيق (إنسانا مكرما) لا مجرد أداة للعمل، أو ماشية للأمة، كما سماه بعض فلاسفة اليونان.

ومن ذلك: القتل للأسرى، والمتأمل في سياق الحوادث التي وقع فيها القتل للأسرى من النبي صلى الله عليه وسلم، يجد أن هؤلاء الأسرى ليسوا أشخاصا عاديين، بل هم أناس لهم تاريخ أسود في معاداة الدعوة الإسلامية ومقاومتها، وشدة إيذاء الرسول والمؤمنين، فهم أشبه بمن يسمونهم في عصرنا: (مجرمي الحرب) الذي يستثنون من سائر الأسرى، ويخصون بالعقوبة، جزاء لهم على ما قدموا من إساءات للإسلام وأهله.

فقد قبل الرسول الفداء من جميع أسرى بدر، واستثنى منهم اثنين من عتاة المشركين من قريش الذين طالما آذوا النبي وصحبه، وصدوا عن سبيله: عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث.

وفي فتح مكة منّ على أهلها قاطبة، وقال: لا تثريب عليكم اليوم، ولكنه استثنى نفرا منهم لهم سوابق في إيذاء النبي والمؤمنين، أمر بقتلهم، مثل: هلال بن خطل، ومقيس بن صباية، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقال في شأنهم: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة!

قال ابن القيم: (ولما استقر الفتح، أمّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كلهم إلا تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان لابن خطل، كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب.

فأما ابن أبي سرح فأسلم، فجاء به عثمان بن عفان، فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك، وهاجر، ثم ارتد، ورجع إلى مكة.

وأما عكرمة بن أبي جهل، فاستأمنت له امرأته بعد أن فر، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أسلم وحسن إسلامه.

وأما ابن خطل، والحارث ومقيس، وإحدى القينتين، فقتلوا، وكان مقيس، قد أسلم ثم ارتد وقتل، ولحق بالمشركين، وأما هبار بن الأسود، فهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، ففر، ثم أسلم وحسن إسلامه.

واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسارة ولإحدى القينتين، فأمنهما فأسلمتا[29]. أهـ.

فهؤلاء قد اسثنوا من الحكم العام لجرائمهم السابقة في حق الإسلام. فتعميم حكم هؤلاء على كل الأسرى: تسوية بين المختلفين، ومن المقرر لدى المحققين: أن الشريعة لا تفرق بين متساويين، ولا تساوي بين مختلفين.

وأما يهود (بني قريظة) وما وقع من قتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم، فهؤلاء أوخذوا بجريمة كبرى ارتكبوها، كان هدفها استئصال المسلمين، وإبادتهم إبادة كاملة: بالتعاون مع القوات الوثنية المغيرة على المدينة من قريش وغطفان وأتباعهما، وبدل أن يقدم يهود بني قريظة العون الحربي والمالي والبشري للرسول والمسلمين معه ـ حسبما تقضي به المعاهدة التي بينه وبينهم، والمسجلة في الصحيفة الشهيرة ـ نقضوا عهدهم في أحرج الأوقات، وانضموا إلى المهاجمين، على ظن أنها فرصة قد لا تتكرر للقضاء على محمد وأصحابه، والخلاص منهم إلى الأبد. هذا مع أنهم نقضوا العهد قبل ذلك، وسامحهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجلهم مع بني النضير، فأبوا إلا أن يقابلوا الإحسان بالإساءة، والوفاء بالغدر، فلقوا جزاء ما صنعوا. 

كان لا بد من عقوبة لهؤلاء تناسب جريمتهم، وقد رضوا بالتحكيم، وعينوا هم الحكم، وهو حليفهم السابق سعد بن معاذ، فكان حكمه عليهم: أن نقتل مقاتلتهم، ونسبي ذراريهم.

ولقد وقعت معارك قبل ذلك وبعد ذلك، مع اليهود، ولم يحدث معهم ما حدث مع بني قريظة، وقع قبل ذلك مع بني قينقاع حتى أجلوا عن المدينة، ومع بني النضير، حتى أجلاهم الرسول عن المدينة، وخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.

ثم غزا بعد ذلك خيبر، وانتهى إلى أن يبقوا في الأرض ليعملوا فيها، ولهم شطر ما يخرج منها، وللرسول والمسلمين الشطر الآخر.

هذه الحوادث التي قتل الرسول فيها الأسرى لا يمكن أن يستنبط منها: جواز قتل كل أسير، وإن لم يصدر منه شيء، من جنس ما صدر عن الأسرى الذين قتلوا في عهد النبوة. إذ لا يجوز الاستدلال بالخاص على العام، ولا بالمقيد على المطلق.

ومن حسن حظنا: أن جواز قتل الأسير بإطلاق ليس أمرا مجمعا عليه، حتى نتهم بخرق هذا السور المنيع، الذي كثيرا ما يقف حاجزا ضد دعاوى الاجتهاد غير المدروسة (وهو الإجماع).

بل وجدنا من السلف من يمنع القتل، وحسبنا ما جاء عن ابن عمر في مواجهة الحجاج، وما روي عن ترجمان القرآن، وحبر الأمة: عبد الله بن عباس، وإن رده مجاهد برأيه، وكلاهما استدل على منع القتل بآية سورة محمد: (فأما منا بعد واما فداء) الآية: 4.

كما نقلنا ذلك عن بعض أئمة التابعين مثل الحسن وعطاء، كما روي ذلك عن الضحاك.

وأضاف صاحب (المغني) مع الحسن وعطاء: سعيد بن جبير: أنهم كرهوا قتل الأسرى، فقالوا: لو من عليه أو فاداه كما صنع في أسارى بدر، ولأن الله تعالى قال: (فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) محمد: آية 4، فخير بين هذين بعد الأسر لا غيره.

على أنا لو أخذنا بما قاله جمهور الفقهاء من تخيير الإمام أو ولي الأمر بين الأمور الأربعة: المن بغير عوض، والمفاداة بمال أو أسرى، والاسترقاق، والقتل، فليس هناك إلزام بواحد من هذه الأمور.

فقد قالوا: إن كل خصلة من هذه الخصال قد يكون أصلح في شأن بعض الأسرى دون بعض، فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين، وبقاؤه ضرر عليهم، فقتله أصلح.

ومنهم: الضعيف الذي له مال كثير، ففداؤه أصلح.

ومنهم: حسن الرأي في المسلمين، يرجى إسلامه بالمن عليه، ومعونته للمسلمين بتخليص أسراهم، والدفع عنهم، فالمن عليه أصلح.

ومنهم: من ينتفع بخدمته، ويؤمن شره، فاسترقاقه أصلح، كالنساء والصبيان.

قالوا: والإمام أعلم بالمصلحة، فينبغي أن يفوض ذلك إليه.

يقول العلامة ابن قدامة: إذا ثبت ذلك، فإن هذا تخيير مصلحة واجتهاد، لا تخيير شهوة، فمتى رأى المصلحة في خصلة من هذه الخصال: تعينت عليه، ولم يجز العدول عنها[30]. انتهى.

ومما لا ريب فيه: أنه في ضوء المواثيق الدولية، وما انتهى إليه العالم من معاهدات واتفاقيات بشأن الحرب والسلم، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك:

تكون مصلحة الإسلام والمسلمين اليوم - التي يجب أن يرعاها أولو الأمر- في احترام هذه العلاقات الدولية وما انتهت إليه من مواثيق، وخصوصا ما كان منها متعلقا بإرساء القيم الإنسانية: قيم العدل والإحسان والرحمة والرفق بالضعفاء، وما إلى ذلك.

وليس من مصلحة الدعوة الإسلامية، ولا الأمة الإسلامية: أن نعلن نحن المسلمين أننا لا نقبل اتفاقيات الأسرى؛ لأنها لا تجيز لنا قتل الأسرى، كأن قتل الأسرى فرض علينا: مع أنه عندنا في فقهنا الإسلامي -كما رأينا- رأيان: رأي يخير ولي الأمر بين خصال أربع، أحدها: القتل، ورأي آخر يمنع من القتل، وهو ظاهر ما قرره القرآن، وهو رأي بعض الصحابة والتابعين، وهو الرأي الذي نؤمن به ونرجحه.

ومن رأى مصلحة الإسلام ومصلحة أمته في غير هذا التوجه، وأصر أن الإسلام يأبى إلا قتل الأسارى ومعاملتهم بقسوة وعنف - فهو أعمى عن الحقيقة، وعن المصلحة، كما هو أعمى عن الإسلام وعن العصر.

وإن المرء ليعجب من هؤلاء الذين يكتبون عن الإسلام وشريعته، فيصورونه كأنه وحش كاشر عن أنيابه، يريد أن يفترس الناس كل الناس، فهو يحاربهم وإن سالموه، ولا يكف عنهم وإن كفوا عنه، وإذا انتصر عليهم أخذهم بالشدة التي لا تلين، والقسوة التي لا ترحم، ومن ذلك: معاملته للأسرى بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فالإسلام في نظر هؤلاء يجيز القسوة على الأسرى، وقتلهم، وإن كانوا من الأفراد العاديين.

هذا مع أن "الرحمة" هي أليق عنوان لهذا الدين الذي خاطب الله رسوله بقوله:

(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء:107، وعبر الرسول الكريم عن نفسه، فقال: "إنما أنا رحمة مهداة"[31].

وقد كان العرب منذ جاهليتهم يفاخرون بالمن على الأسرى، ويهجون القبائل الأخرى بأنها تقتل الأسرى، وقال في ذلك أحدهم[32]:

ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكهم    إذا أثقل الأعناق حمل المغارم!

وقال آخر: 

 ملكنا، فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
 وحللتمو قتل الأسارى، وطالما مررنا على الأسرى نمن ونصفح
فحسبكمو هذا التفاوت بيننا وكل إناء بالذي فيه ينضح

تابع محاور البحث:


رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[1] روح المعاني للألوسي (26/40) وانظر: جامع البيان (260/42) والدرالمنثور (6/46) .

[2] الدر المنثور (6/46) .

[3] الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (493) و(672).

[4] المصدر السابق.

[5] المصدر نفسه.

[6] الدر المنثور (6/46) .

[7] الناسخ والمنسوخ (672، 673) .

[8] فتح القدير (4/ 308) . وانظر: روح المعاني (26/46) فما بعدها.

[9] رواه البخاري (4041) ومسلم (3310).

[10]  انظر: فتح القدير (4/207، 308) وروح المعاني للألوسي (26/40،41).

[11]  انظر: ما كتبه الأستاذ فهمي هويدي.

[12]  آثار الحرب للزحيلي ص420.

[13]  انظر: أهمية الجهاد للعلياني ص389.

[14] انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم (1/346-349)تحقيق محمد سيد الكيلاني. طبعة مصطفى البابي الحلبي.

[15] رواه البخاري 6/173 و 7/249 و أبو داود (2689) وأحمد 4/80.

[16] رواه مسلم (1808) في الجهاد: باب قول الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهمعنكم) وأحمد 3/124 من حديث حماد عن ثابت عن أنس، وأخرجه أبو داود والترمذي 3264 والنسائي من طرق عن حماد بن سلمة به.

[17] رواه البخاري 1/462 في الصلاة: باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسيرأيضا في المسجد، وباب دخول المشرك المسجد، وفي الخصومات: باب التوثق ممن تخشى معرته، وباب الربط والحبس في الحرم، وفي المغازي: باب وفد بني حنيفة، ومسلم (1764) في الجهاد: باب ربط الأسير وحبسه، وأبو داود (2679) من حديث أبي هريرة.

[18]  رواه مسلم (1763) في الجهاد والسير: باب الإمداد بالملائكة في غزوةبدر، وأحمد 1/30، 31 من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال محقق زاد المعاد: وسنده حسن.

[19]  رواه أحمد في "المسند" 1/383، 384، من طبق الأعمش عن عمرو بن مرة،عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود وانظر ابن كثير 2/325.

[20] انظر الطبري 10/99، 100 والدر المنثور 3/224.

[21] رواه البخاري 7/247، 248 في المغازي: باب شهود الملائكة بدر، وفيالعتق: باب إذا أسر أخ الرجل أو عمه هل يفادي إذا كان مشركا، وفي الجهاد: باب فداء المشركين من حديث أنس بن مالك.

[22] رواه مسلم في صحيحه (1755) وقد تقدم.

[23]  رواه البخاري 8/24، 27 في المغازي: باب قول الله تعالى: "ويوم حنينإذ أعجبتكم كثرتكم" من حديث مروان، والمسور بن مخرمة، وأخرجه ابن هشام 2/489 من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وسنده حسن.

[24]  ذكره ابن هشام في "السيرة" 1/644 عن ابن إسحاق، وأخرج أبو داود(2686) بسند حسن عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط، فقال: من للصبية قال: "النار".

[25] رواه أحمد 1/247(2216) من حديث ابن عباس، وفي سنده علي بن أبيعاصم بن صهيب الواسطي، قال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ ويصر، وداود بن أبي هند كان يهم بآخرة.

[26] انظر: زاد المعاد (3/110-112).

[27] زاد المعاد (3/ ).

[28] رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي ذر. صحيحالجامع الصغير (238).

[29]  زاد المعاد (3/411) .

[30]  المغني: 13/ 47،46).

[31] رواه ابن سعد والحكيم عن أبي صالح مرسلا، والدارمي والحاكموالبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، صحيح الجامع الصغير (2345).

[32] انظر: تفسير القرطبي (16/ ).