مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

تحرير المرأة في عصر "الشرق الأوسط الكبير"

 14-06-2004

Image
المشروع الأمريكي عبر هجماته/مبادراته "الإصلاحية" للشرق الأوسط، احتوى على قضية مركزية وهي المرأة. وهذا يطرح تساؤلات مهمة حوله، يجعل من الضروري الالتفات إليها تأملا ومناقشة، فحين نجد أنفسنا بين مطرقة المشاكل الحقيقية التي نعاني منها وسندان الهيمنة الأمريكية التي علينا رفضها.. ماذا نفعل؟ خصوصا أننا أمام تحديات جديدة تنقلنا من نفق التقاليد غير الإسلامية إلى حافة هاوية "الفردية" المتمركزة حول الجسد. وما الذي يمكن أن تضيفه أمريكا في مبادرتها "الشرق الأوسط الكبير" لقضية تحرير المرأة؟ وكيف تخرج المرأة العربية من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل في كل ما يدور حولنا من أحداث؟ وكيف يمكن تفهيم أولئك الذين لا يزالون يدورون في فلك "الجسد/الفتنة" حين يختزلون تحرير المرأة - داخليّا وخارجيّا - في "العري"؟ وكيف يمكن النظر إلى التعديلات التي طاولت -ولا تزال- المرأة الخليجية؟.. أسئلة مهمة تناقشها هبة رؤوف عزت(**) خلال هذا الحوار.

* تعيش المرأة العربية مأزقا خطيرا يتمثل في شعورنا - نحن النساء - بأن هناك مشكلة حقيقية تعاني منها المرأة العربية .. وهي مشكلة الفقر والجهل والبطالة والتمييز.. وهي مشاكل يشترك معنا في كثير منها كثير من الرجال، ولكن تتركز مشكلتنا في ذلك الاستخدام السيئ من قبل قوى خارجية (كأمريكا) وقوى داخلية (أنظمتنا العربية) لهذه المشاكل لمصلحتها. فنجد أنفسنا بين مطرقة المشاكل التي نعاني منها وسندان الهيمنة الأمريكية التي علينا رفضها ... ماذا نفعل حيال هذا الأمر؟

- لا توجد حلول فورية لتغيير أوضاع الفقر والجهل والبطالة والتمييز الجاهلي (التقليدي والمستورد) ضد المرأة؛ فالتغيير يأخذ وقتا ويحتاج إستراتيجيات ولن نستطيع تغييره، ولن تستطيع أمريكا تغييره ببيانات أو مشروعات أو تصريحات.

أعتقد أننا بحاجة حقيقية أولا لمعرفة الواقع، وهذه مهمة تقوم بها -بنشاط- هيئات دولية تدرس وتجمع الإحصاءات وتحلل البيانات، ولا تقوم بها هيئاتنا الإسلامية التي تنصرف إلى كتابة المقالات وإعداد الدراسات النظرية والانتقاد القوي لأطروحات الاستعمارية دون رصد حقيقي وواقعي للتحولات التي تشهدها تلك المرأة العربية.

ويجب التذكير بأن هذه المرأة التي نتكلم عنها، تشكل الفتيات النسبة الغالبة في تكوينها، وأن النسبة المتزايدة هي من سكان الحضر والمدن، ونحن أمام تحديات جديدة تنقلنا من نفق التقاليد غير الإسلامية التي بها تمييز ضد المرأة، إلى حافة هاوية "الفردية" المتمركزة حول الجسد؛ سواء لإعادة صياغة التصورات حول معنى الحرية أم بتفكيك البنى الاجتماعية والمؤسسات المختلفة الجماعية.

بين المطرقة والسندان يمكن أن يكون هناك عجينة لينة قابلة للتشكيل، ويمكن أن يكون هناك كتلة صلبة من الحديد تكسر المطرقة والسندان، والفعل الذي يتم السؤال عنه - في نظري - هو الفعل اليومي، والفعل المتراكم والفعل الممكن الذي يدفع سقف المستحيل، وربما في لحظة معينة تصبح مواجهة الإمبراطورية عن طريق الأفعال الصغيرة أكثر تأثيرا من الخطاب الضخم الذي لا يدل الناس على آليات يومية بسيطة.

ماذا نفعل؟ أنا شخصيا بالأمس كنت في لقاء أشارك فيه بتقرير عن أوضاع المرأة العربية، مع إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة، التي لا أرى من المفيد تركها للهيمنة الأمريكية؛ لأنها ليست ملكا خاصا لأمريكا، لكنني اليوم طوال الصباح كنت في اجتماع مع مجموعة من النشطاء نسعى لتجاوز الاختلافات الأيديولوجية وتسجيل منظمة أهلية ضد الفساد في مجتمعي، فالانعزال في دوائر مغلقة لا يفيد، وإنما حركة واسعة لكل واحد منا في مجاله ثم التشبيك والتنسيق حتى يتراكم الفعل.

لننظر حولنا.. في أسرتنا وفي الحي وفي مجال العمل، ولنفكر: كيف يمكن الدفاع عن حقوق المضطهدين وتحسين أوضاع الناس بآليات بسيطة؟ باختصار: ما هو الفعل الممكن الذي يبني زخما لتغيير ديمقراطي يومي يحترم إنسانية الإنسان؟. إننا لا نستطيع أن نواجه الهيمنة الأمريكية ومشاريع الشرق الأوسط الكبير - أو الصغير - ببشر لا يشعرون بآدميتهم، وإذا شعروا بها لا يتشاطرونها مع الآخرين بشكل عادل وكريم!.

لكن مع هذا نحتفظ دائما بالأمل وشعلة النشاط في القلب؛ لأن الله غالب على أمره، ونحن حتى الآن لم نستوف شروط النصر؛ لأننا أهملنا (اقرأ)، وأهملنا (وقل اعملوا)، ولم نبذل كل الوسع بعد.

* لكن ما هي الإضافة الأمريكية في مبادرتها "الشرق الأوسط الكبير" لقضية تحرير المرأة، خصوصا أن الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة قد غطت الجانب النظري والتنفيذي لما يخص الجوانب المختلفة لقضية المرأة؟.

- الخطط الأمريكية قديمة والتدخل الأمريكي جارٍ على قدم وساق منذ فترة طويلة، والتعليم تم إعادة هيكلته لخلق كوادر ـ رجال ونساء ـ تقبل القيم الاستهلاكية، هذه هي الإضافة المستمرة التي يتم تجديد إستراتيجياتها كي نصبح سوقا بلا ثقافة ولا هوية تستطيع المقاومة.

إن ما تود الولايات المتحدة الأمريكية الآن تحقيقه هو تجاوز مرحلة خلق النخب التي تحدث منذ مائة عام أو يزيد عبر التعليم وبرامج التدريب وطرح الرؤى والأفكار واختراق المجتمع المدني، إلى أن يصبح هذا المد الاستهلاكي عامّا وجماهيريا.

وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمرأة العربية في المستقبل هو إبعادها عن الثقافة الإسلامية، في الطبقات الوسطى والعليا، ووضع هؤلاء النساء في مواقع صنع القرار فتتم سرقة واختطاف رؤى التحرير والمساواة للمرأة لتخرج خارج إطار النضال الديمقراطي، وهذا حدث بالفعل في بعض البلدان ومنها مصر، فقد تم تأميم الحركة النسائية بالمعنى الذي كان سائدا في الستينيات والسبعينيات، والتي كانت ذات توجه يساري لكنه كان وطنيا وعروبيا.

أما الآن، فالاتجاه إلى الفكر والخيال النسوي، وفصل جهد تمكين النساء عن معركة الديمقراطية الواسعة حتى يظن الناظر إلى الخريطة العربية أن النساء قد حققن مكاسب وهو ليس صحيحا خاصة حين تتولى المناصب القيادية نساء من نفس النخبة السائدة المتأسسة على روابط قبلية أو فئوية أو عرقية أو طبقية.

إن إعادة تشكيل النخبة وإعادة تشكيل الثقافة عبر تهميش التعليم الوطني العام والاحتفاء بالتعليم الأجنبي في المراحل ما قبل الجامعية والجامعية: مسألة حاسمة في خلق أجيال مستفيدة من الاندماج في دوائر الأعمال الأجنبية بأوطاننا وتوسيع هامش الفئات التي تحمل هوية هجينة ملتبسة، وحين يتم الدفع بها إلى مواقع صنع القرار لن تكون أولوياتها وطنية، وقضية المرأة لا تنفك عن كل هذه التحولات.

والجديد ليس اختراعا لمفهوم أو لقضية، بل تحويل المسارات وتغيير الأشكال والتكتيكات، وهنا يجب أن نتابع أوضاعنا جيدا ونرصد تحولات المجتمع والثقافة؛ لأنها أخطر من تصريحات السياسة أو خطب الأنظمة في المناسبات المختلفة.

التغيير من أسفل وضرب البنية التحتية الاجتماعية على هذا النطاق هو الجديد والمتجدد.

* كيف تخرج المرأة العربية من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل في كل ما يدور حولنا من أحداث؟

- "التسلط الذكوري" أحيانا يكون ضاغطا جدّا جدّا، لكنه - أحيانا - أسطورة نبكي بسببها دون أن نرى مصادر القوة في بنيتنا التقليدية الأسرية. أعتقد أنه في ظل أكثر العلاقات استبدادا مع الذكور في الأسرة أو الدائرة الاجتماعية يمكن التماس مسارات للتمكين وللفعل، بالنسبة للسيدات العاديّات مثلا.

السياسة ليست الوصول إلى سدة الحكم، بل هي المشاركة في التأثير على توزيع الموارد المادية والمعنوية في المجتمع بشكل يسمح بعدالة أوسع، في تقاسم السلطة، والثروة. وعلى ذلك فإن كل امرأة يمكنها أن تؤثر في تلك المعادلة، لكننا إما أن نحبس أنفسنا في البيوت، أو نتطلع لرئاسة الوزراء!

في حين أن الفعل المدني الأهلي اليومي قد يكون أكثر تأثيرا وأوسع مدى من الانضمام إلى أي من الأحزاب أو الخروج إلى الترشيح في الانتخابات على أهمية كل هذه الأشكال.

وبالنسبة للأم، من المفيد أن تعلم أنها يمكن أن تكون مسئولة ومشاركة في المجتمع، بل ومؤثرة في السياسات العامة من خلال "الحضور المستمر" في حياة أسرتها، والخروج لمتابعة مصالح تلك الأسرة.

ويمكن لي التمثيل هنا بالتعليم والصحة. في مدرسة أولادي مجلس للآباء، وهو غير يوم لقاء الآباء بالمدرسين، ورغم أن المرأة المصرية في الطبقة الوسطى يمكنها الحركة والمشاركة فإننا يوم الاجتماع الأول لمجلس الآباء في مدرسة بها ألف تلميذ لم يحضر سوى عشرة، منهم ثلاث نساء. وقد استوقفني هذا الأمر؛ فقد كنت دائما أدعو إلى المشاركة السياسية القوية للمرأة والتي أعتقد أنها واجب شرعي وليس ترفا، ولي في ذلك كتابات عديدة شرعية وسياسية، لكنني وجدت نفسي في موقف أتساءل فيه: كيف يمكن أن تشارك المرأة في الجدل الديمقراطي وفي الشأن العام السياسي وفي الدفاع عن حقوقها وحقوق الإنسان وفي المطالبة بتوزيع أكثر عدلا للسلطة وللثروة إذا كانت لا تخرج أصلا لمتابعة السياسة التعليمية في داخل مدرسة أولادها؟

ولا أظن أنه في أي مجتمع ذكوري سيمنعها أحد من ذلك. لكن المشكلة أن المرأة لا تريد أن تكون أكثر فاعلية وأكثر مسئولية في أحيان كثيرة لأسباب مختلفة، منها ما هو مرتبط في بعض المجتمعات العربية بالرفاهة الزائدة، ومنها ما هو مرتبط في مجتمعات أخرى بالفقر، ومنها ما هو قرين السلبية واستمراء دور الضحية المقهورة.

دعوني أؤكد لكم أنني قابلت كثيرا من النساء هن شعلة من النشاط والفعل والمشاركة، رغم أنهن أميات لا يقرأن ولا يكتبن لكنهن على علم باحتياجات المجتمع الصغير الذي يمارسن فيه دورا فاعلا، كما أنهن يدركن الأمومة بشكل إيجابي ونشيط.

إن المرأة في أشد أوضاع التسلط الذكوري قادرة على توسعة هامش الحرية والفعل والتواصل مع ثقافتها من أجل التغيير واستكشاف مواطن الضعف في تلك البنى الذكورية والضغط عليها، وأزعم أن هناك أفقا دائما للتغيير، وأزعم أيضا أن الله أرحم بكل امرأة من أن يجعلها عاجزة تماما عن أي فعل.

لكن المهم أن تنظر كل واحدة إلى مساحات الممكن وتوسع هامشها بدلا من أن تتطلع إلى المستحيل وتظل تتباكى على أنها مقهورة، وأنا أعتقد أن تغيير الخطاب يجب أن يتأسس على ربط اليومي بالمدني، وإتاحة الفرصة لأشكال مختلفة من الفعل وعدم التعميم في تجارب التمكين الفردي والجماعي وتبادل التجارب في نفس الوقت.

ويمكن تبادل الأفكار ونشرها عبر الشبكة، أو الاندراج في برنامج للتعليم المستمر، أو مراسلة "إسلام أون لاين.نت" في قضايا تهمك وجمع المعلومات من على الشبكة في هذا المجال أو الانضمام إلى ساحة من ساحات الحوار الثقافي حول قضية ما.

هناك آفاق كثيرة وهناك دائما.. الإمكانية. دعونا نفكر كيف يمكن أن نتحرك خطوة ولو صغيرة إلى الأمام، وكيف يمكن أن نساعد على رؤية بصيص أمل.

* الغرب واليهود يريدون أن يشاهدوا المرأة العربية والمسلمة تمشي في الشارع شبه عارية - إن لم نقل: عارية - أهذا هو الإصلاح الذي يريدون؟.

- لا شك أن هناك اختلافا في منظومة القيم، والعري جزء من الحرية الفردية في الثقافة الغربية، رغم أنه عندهم أيضا له مساحات وحدود، وهناك تقنين لحقوق الجسد أو - على الأقل - مسيرة من السعي لتوسعة التقنينات.

الأطروحة الغربية تقوم على أولوية الوجود في المجال العام كمؤشر على الفاعلية والقوة، في حين أننا في تصورنا الإسلامي نعتقد أن المجال العام المدني وأيضا المجال الاجتماعي الأسري لا يقل أهمية، وأنه أيضا مساحة حرة حتى إن كان فيها في جانبٍ مساواة، وفي جانب آخر توزيع لبعض (وأكرر: بعض) الأدوار.

حين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة هي رحمة للعالمين لم تكن قريش يعجبها أن تخرج المرأة، وكان الدور الأسري للمرأة القرشية هو الدور الأول وربما الوحيد، ونذكر أن الموسرات كن يستأجرن الرجال من أجل المتاجرة في أموالهن كما فعلت خديجة رضي الله عنها، لكن المرأة في المدينة كانت تشارك في المجال العام زراعة وتجارة، وكن متواجدات بالرأي وبالحضور في خارج أدوارهن الأسرية، رغم أنهن كن أمهات رائعات ـ لكن زوجات قويات.

التحول الاجتماعي الذي أدى إليه النهج النبوي لم يدفع باتجاه نموذج المرأة القرشية أو المكية، بل دفع باتجاه نموذج المرأة في المدينة، وإن شئت فعد إلى سيرة أم سليم التي هي أم أنس بن مالك، تر نموذجا فريدا لامرأة قوية ومؤمنة صلبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب زيارة بيتها، بل ودعوة الصحابة إليه للطعام، ويحتفي بمشاركتها في مجالس النساء في المسجد تسأل وإن أحرجت أسئلتها عائشة!

لم يقل أحد حينئذ إن الخروج يعني السفور، وهذه النقلة تمت مصادرتها تاريخيا حين مُنعت النساء من المساجد في المرحلة الأخيرة من عصر الخلفاء، على اختلاف بعدها تاريخيّا في درجة مشاركة المرأة في المجال العام والسياسي والاقتصادي في المجتمعات الإسلامية بعد الفتوح بحسب الثقافة الأصلية للبلدان.

هذه المقدمة ضرورية حتى لا يكون رد فعلنا تجاه "تحرير المرأة" الغربي والهجمة الأمريكية على المنطقة على هذا المسار هو أن نخون تصوراتنا الإسلامية، ونخون الله ورسوله بالتضييق على النساء بزعم أن أي مساحة للفعل توافق المخطط الأمريكي.

إن سد الذرائع لا يجب أن يؤدي إلى سد الشرائع. ويعنيني أكثر من الذي تريده أمريكا: ماذا نريد نحن؟ في زمن خرجت فيه المرأة للتعليم والعمل ولديها مساحات من الحرية، هل ما يقدمه الخطاب الإسلامي هو مشروع يحترم المرأة - أمّا وفتاة وامرأة عاملة وناشطة في المجتمع - ويدفعها إلى أن تدافع لا عن حريتها فقط وإنما عن حرية الأوطان، وحرية أبنائها السياسية في المستقبل واحترام حقوقهم في فرص متكافئة في التعليم والعمل من أجل مستقبل أفضل لأغلبية الشعوب وليس لأقليات فيها؟

هل تأتي قضية الكرامة والحماية من التمييز والتحرش وضمان الحقوق النقابية والمكتسبات القانونية للأمهات العاملات وللطالبات وللنساء العاملات في المجال المدني والأهلي على رأس قائمة الهموم، أم ندور فقط حول قضية السفور والحجاب، وكأن الحجاب هو قرين الحجب لأن الخروج هو قرين السفور والانحلال؟!

القضايا لا تعالج هكذا، وأخشى ما أخشاه أن تكون الهجمة الأمريكية معوقا للتجديد الإسلامي الشرعي المنضبط المستقيم، ويكون رد فعلنا هو غلو وتبسيط، نكون نحن الخاسرين فيه وليس أمريكا، بل أزعم أنه سيحول دون أن نطور مشاريع ناجحة للمقاومة والتعبئة.

خريطة القضايا واسعة، وتعميق التصورات مهمتنا معا، فلنفكر سويّا في كيف نضبط مساحات الحرية حتى لا نرى العري في شوارعنا، ولكن دون أن نختزل فكرة الحرية إلى الجسد. ثم كيف نضبط مساحات الحرية بحرية وبمراهنة على الفطرة السوية داخل نفوس الغالبية كما كان يعلمنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله؛ لأن الإفراط في استدعاء القانون أو استدعاء الدولة يفتح مجالا لها في مساحات المجتمع فتدخل لتصادر الحرية على جميع المستويات.

وفي عصر العولمة كيف يمكن أن نصوغ رسائل واضحة ومركبة في نفس الوقت تكون أفقا للكرامة للناس فنكتسب الأنصار، ونفتح دوائر لا يمكن أن يفتحها خطاب الإدانة.

الاجتهاد هنا فريضة؛ لأن سياقات المدن وجسور الاتصال لا ينفع معها كثير من طرقنا في التناول. والتحدي هو كيف نستطيع تطوير رؤانا بشكل واثق للتعامل مع تلك المستجدات؟

ربما نحتاج إلى أن نتبادل الأفكار أكثر، فالمسافة لم تعد فارقة لهذه الدرجة؛ لأن قانون المدنية الحديثة يحكم الأمكنة.

* هل الإصلاحات - فيما يخص المرأة الخليجية - هي إصلاحات وهمية ومنساقة لرغبات أمريكا فقط، دون رغبة حقيقية من النظام هناك في إصلاح وضع المرأة؟

- إن وضع المرأة الخليجية لن يتحسن فعلا إلا في ظل تحول ديمقراطي واجتماعي عميق، وأخشى أن بعض الإصلاحات الجزئية قد تستغل لحجب الإصلاح العميق المطلوب في دول الخليج. ولا أقصد فقط الثقافة التي تقوم - حتى الآن - على إقصاء المرأة من المجال العام، بل أقول أيضا: الثقافة الاستهلاكية لمجتمعات نفطية، وهي ثقافة تنذر بأن خروج المرأة من بيتها - غالبا - لن يكون لدعم قضايا العدل الاجتماعي والمشاركة السياسية، بل سيكون في دعم دوائر الأعمال في اقتصاد يزداد ارتباطا باقتصاد السوق العالمية.

أعتقد أن تحريك الماء الراكد في وضع المرأة في الخليج مهم، خاصة أن من الإسلاميين هناك من يقفون ضد حصول المرأة على حقوق سياسية مكفولة لها في الشرع، وليس عندي أي استعداد للمداهنة أو التلطف في هذه المسألة، والحالة الكويتية نموذج في كيف تحولت قضية المرأة إلى ورقة في النزاع السياسي رغم أن الإسلاميين أولى بأن يكونوا هم طليعة التغيير الاجتماعي لصالح المرأة؛ لأن النساء حين لا يجدن خطابا إسلاميّا رشيدا منصفا فإنهن سينتقلن إلى مساحات أخرى تقدم عدالة ومشاركة حتى إن كان الثمن هو التحرر الوطني ذاته، وهذا في أي مجتمع.

لا أحد يستطيع أن يعرف نوايا التغيير، لكننا نستطيع أن نضبط مساراته إذا شئنا أن نشارك بقوة في صياغته بدلا من التساؤل ونحن جلوس نضرب أخماسا في أسداس.

* ما المقصود بتحرير المرأة في مفهومكم؟

- إن الحرية تصور مرتبط بالإطار المرجعي؛ فهي في فكرة التنوير بدأت تحررا للفكر من الكنيسة وليس من الدين، ثم تطورت إلى تحرر من الدين، يكفي أن نقارن هنا بين فكر جون لوك المؤمن وفكر روسو العلماني المتطرف، وفي هذا السياق كان تحرير المرأة - في بداياته - حصولها على حقوقها الاجتماعية والاقتصادية في ظل التحول الرأسمالي الصناعي حيث كانت النساء والأطفال يعانون من ظروف غير إنسانية في داخل الآلة الاقتصادية (وهو ما أنشأ النقد الماركسي للرأسمالية).

وكانت قيمة المساواة هي الحاكمة، ثم ما لبث الفكر النسوي أن تطور عبر أجيال مختلفة وتفرقت سبله لنجد فيها المتطرف الذي يرى الرجال مصدر الشر والعنف، والنساء مصدر السلام والرحمة، في رؤية أقرب إلى العنصرية النسوية المعادية للرجال، أما الأسرة فمبكرا تفككت بعد أن سحبت الدولة وظائفها، ثم اختلت العلاقات بداخلها لصالح فك الارتباط ما بين الحب والزواج والجنس والإنجاب، ولذلك أبعاد طبية وأبعاد نفسية وأبعاد اقتصادية ليست بعيدة عن صعود ثم هبوط نموذج دولة الرفاهة.

من المهم أن نفهم سياقات فكرة تحرير المرأة وعلاقتها بالاقتصادي والسياسي. ويمكنني بإيجاز أن أقول: إن الحرية عندي مقترنة بالعدل، يتم تسكينها في أبنية اجتماعية تتوازن فيها الحقوق والواجبات، وتبني هذه الوحدات مجتمعا يحترم العدل في المال والشورى في الأمر، وبذلك تنبني علاقة مركبة بين الشخصي والأسري والاجتماعي، والمدني والسياسي، في شكل دوائر متتالية وأيضا متقاطعة، وتوجد منظومة من القيم الأخلاقية على مستويات شتى تضم هذه الدوائر حتى لا تتشظى.

هذا أقرب إلى متن شديد التركيز - على نهج علماء السلف - يحتاج إلى هامش طويل لشرحه، يدخل فيه تفصيل معنى القوامة والاستخلاف والولاية وإنسانية المرأة في علاقتها بأنوثة المرأة وتداخل الأدوار وتفاعل المساحات وتنوع مضمون القيم ودلالتها حين تنتقل من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي وهكذا.

ولكون الإجابات الموجزة في مثل هذه القضايا المركبة عادة تكون مضللة تماما، لا بد من مطالعة - على سبيل المثال - دراسة لي حول القوامة في صفحة (الإسلام وقضايا العصر) على الموقع هنا لتعطيك نموذجا لكيفية تناول المفاهيم واستكشاف مساحتها ثم علاقتها بمفاهيم أخرى في أنساق فكرية وأيديولوجية مختلفة تقاربا أو ربما تنافرا.

اقرأ نص الحوار الحي كاملا:


(**) الحوار في أصله "حوار حي" عبر الموقع، تمّ اختيار المهم من أسئلة الجمهور، وإعادة تحريرها مع إجاباتها لنقدمها بصيغة جديدة.