مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

هل يكفّر "سيد قطب" مسلمي اليوم؟

"المجتمع الجاهلي" ومنهج "قطب" في مواجهته!

ويعود الشهيد سيد قطب إلى الموضوع في كتابه "معالم في الطريق" ليتحدث عنه في أكثر من مناسبة. ونختار هنا فقرات من فصل "لا إله إلا الله منهج حياة" يقول رحمه الله:

ولكن ما هو "المجتمع الجاهلي"؟ وما هو منهج الإسلام في مواجهته؟

"إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم! وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده.. متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية..

وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار "المجتمع الجاهلي" جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا!!

تدخل فيه المجتمعات الشيوعية.. أولا: بإلحادها في الله -سبحانه- وبإنكار وجوده أصلا، وإرجاع الفاعلية في هذا الوجود إلى "المادة" أو "الطبيعة"، وإرجاع الفاعلية في حياة الإنسان وتاريخه إلى "الاقتصاد" أو "أدوات الإنتاج"، ثانيا: بإقامة نظام العبودية فيه للحزب -على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعة!- لا لله سبحانه!

وتدخل فيه المجتمعات الوثنية وهي ما تزال قائمة في الهند واليابان والفلبين وأفريقية؛ تدخل فيه أولا: بتصورها الاعتقادي القائم على تأليه غير الله -معه أو من دونه- وتدخل فيه ثانيا: بتقديم الشعائر التعبدية لشتى الآلهة والمعبودات التي تعتقد بألوهيتها.. كذلك تدخل فيه بإقامة أنظمة وشرائع، المرجع فيها لغير الله وشريعته. سواء استمدت هذه الأنظمة والشرائع من المعابد والكهنة والسدنة والسحرة والشيوخ، أو استمدتها من هيئات مدنية "علمانية" تملك سلطة التشريع دون الرجوع إلى شريعة الله..

وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض جميعا.. تدخل فيه هذه المجتمعات أولا: بتصورها الاعتقادي المحرف الذي لا يفرد الله -سبحانه- بالألوهية بل يجعل له شركاء في صورة من صور الشرك، سواء بالبنوة أو بالتثليث، أو بتصور الله سبحانه على غير حقيقته، وتصور علاقة خلقه به على غير حقيقتها.

وأخيرا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها "مسلمة"!

وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضا، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها. فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله؛ فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها وقيمها، وموازينها، وعاداتها وتقاليدها. وكل مقومات حياتها تقريبا!

كما أنه -سبحانه- قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دونه؛ لمجرد أن جعلوا للأحبار والرهبان ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم إنهم "مسلمون" لناس منهم! واعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركا كاتخاذهم عيسى ابن مريم ربا يؤلهونه ويعبدونه سواء. فهذه كتلك خروج من العبودية لله وحده؛ فهي خروج من دين الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله.

وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة "علمانيته" وعدم علاقته بالدين أصلا، وبعضها يعلن أنه "يحترم الدين"، ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلا، ويقول: إنه ينكر "الغيبية" ويقيم نظامه على "العلمية"؛ باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية! وهو زعم جاهل لا يقول به إلا الجهال، وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء، ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه: هذه شريعة الله!.. وكلها سواء في أنها لا تقوم على العبودية لله وحده..

وإذا تعين هذا فإن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره.

إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه المجتمعات على اختلافها.. إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة.. وهي أن الحياة فيها لا تقوم على العبودية الكاملة لله وحده. وهي من ثم تلتقي -مع سائر المجتمعات الأخرى- في صفة واحدة.. صفة الجاهلية"[1].

الجهر بتوقف "وجود" الإسلام.. ضرورة!

ولا تقتصر النصوص التي تحمل معنى تكفير مسلمي اليوم في مشارق الأرض ومغاربها إلا من آمن بأفكار الشهيد حول معنى "لا إله إلا الله" وما يتعلق بالحاكمية، ودخل فيما دخلت فيه "العصبة المؤمنة" التي تقوم بما قام به الصحابة من قبل على "الظلال" و"المعالم" بل نجد ذلك في كتب أخرى كثيرة. ومنها: كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" الذي ألفه في المرحلة السابقة على مرحلته الأخيرة هذه، ولكنه أضاف إليه فصلا مهمًّا ضمّنه أفكاره الأخيرة تحت عنوان "حاضر الإسلام ومستقبله"، ونكتفي هنا بنقل فقرات منه قال:

"نحن ندعو إلى استئناف حياة إسلامية، في مجتمع إسلامي، تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي، كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي.

ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية -على هذا النحو- قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك!

ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة -على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل للكثيرين ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا "مسلمين"[2]!- ونجهر بها على هذا النحو في الوقت الذي ندعو فيه إلى استئناف حياة إسلامية، في مجتمع إسلامي، تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي.

ولا نرى أن في رؤية تلك الحقيقة والجهر بها كذلك ما يدعو إلى خيبة الأمل، أو اليأس من هذه الدعوة ومن هذه المحاولة. على العكس نرى أن الجهر بهذه الحقيقة المؤلمة -حقيقة أن الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك- نرى أن الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام، ومحاولة استئناف حياة إسلامية.. ضرورة لا مفر منها.

إن الأمر المستيقن في هذا الدين أنه لا يمكن أن يقوم في الضمير "عقيدة"، ولا في واقع الحياة "دين" إلا أن يشهد الناس: أن لا إله إلا الله. أي لا "حاكمية" إلا الله.. حاكمية تتمثل في قضائه وقدره كما تتمثل في شرعه وأمره -وهذه كلها سواء في كونها أساسا للعقيدة لا تقوم ابتداء في الضمير إلا به- كذلك هو لا يمكن أن يقوم في واقع الحياة "دين" إلا أن تتمثل العقيدة في نظام واقعي للحياة هو "الدين"، فتفرد فيه شريعة الله بالهيمنة على حياة الناس جملة وتفصيلا؛ ويبرأ فيه الحاكم والمحكوم من ادعاء حق "الألوهية" عن طريق ادعاء حق "الحاكمية" ومزاولة التشريع فعلا بما لم يأذن به الله؛ مما يتخذه البشر لأنفسهم من أنظمة وأوضاع وتشريعات وقوانين، غير مستمدة من شريعة الله، نصا حين يوجد النص، واجتهادا -في حدود المبادئ العامة- حين لا يوجد نص. طاعة لأمر الله سبحانه {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}..

ونحن لا نحدد مدلول "الدين" ولا مفهوم "الإسلام" على هذا النحو من عند أنفسنا.. ففي مثل هذا الأمر الخطير الذي يترتب عليه تقرير مفهوم لدين الله؛ كما يترتب عليه الحكم بتوقف "وجود" الإسلام في الأرض اليوم؛ وإعادة النظر في دعوى مئات الملايين من الناس أنهم "مسلمون".. في مثل هذا الأمر لا يجوز أن يفتي الإنسان فيما يقصم الظهر في الدنيا والآخرة جميعا!

إنما الذي يحدد مدلول "الدين" على هذا النحو، ومفهوم "الإسلام" هو الله -سبحانه- إله هذا الدين ورب هذا الإسلام.. وذلك في نصوص قاطعة لا سبيل إلى تأويلها ولا الاحتيال عليها:

"إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" يوسف: 40.

"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ" [المائدة: 49].

"وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [المائدة: 45].

"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65].

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" [النساء:59].

وكلها تقرر حقيقة واحدة؛ أنه لا إسلام.. لا إيمان بغير الإقرار بالحاكمية لله وحده؛ والرجوع إليه فيما يقع عليه التنازع مما لم يرد به نص؛ إذ لا رأي مع النص ولا نزاع، والحكم بما أنزل دون سواه في كل شئون الحياة؛ والرضا بهذا الحكم رضا قلبي بعد الاستسلام له عمليا.. وأن هذا هو "الدين القيم".. وهذا هو "الإسلام" الذي أراده الله من الناس.

وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم -على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام- لا نرى لهذا الدين "وجودا".. إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر؛ وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شئون الحياة.

ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وألا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين".. فهؤلاء من حقهم أن يستيقنوا: كيف يكونون مسلمين!

إن أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون كثيرة وما يزالون يبذلون جهودا ضخمة ماكرة خبيثة؛ ليستغلوا إشفاق الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا مسلمين، من وقع هذه الحقيقة المريرة، ومن مواجهتها في النور! وتحرجهم كذلك من إعلان أن "وجود" هذا الدين قد توقف، منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله؛ فتخلت بذلك عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية (أو بالألوهية)؛ فهذه مرادفة لتلك، أو لازمة لها لا تتخلف.

هؤلاء الأعداء الماكرون الخبثاء يستغلون ذلك الإشفاق وهذا التحرج لتخدير مشاعر الكثيرين في الأرض، الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" وإيهامهم أنهم ما يزالون "مسلمين" فعلا! وأن "الإسلام بخير"! وأن الناس يمكن أن يكونوا "مسلمين" دون أن تحكمهم شريعة هذا الدين؛ بل دون أن يعتقدوا أن الحاكمية لله وحده، من ادعاها لنفسه فقد ادعى الألوهية، وكفر، وخرج من هذا الدين!

وكذلك ينبغي أن نجهر نحن بالحقيقة المقابلة التي قد يشفق منها الكثيرون ممن يحبون أن يكونوا مسلمين، وممن يتحرجون أن يعلنوا أن وجود هذا الدين قد توقف.. لنبطل مفعول "المخدر" الخبيث الذي يخدر به أعداء هذا الدين محبي هذا الدين!!". [3]

الإسلام إذن غير موجود اليوم على الأرض، والمسلمون غير موجودين، وإن كان الكثيرون منهم يحبون أن يكونوا مسلمين، ولكن يجب أن نصارحهم بالحقيقة المرة -وإن كانت مؤلمة- أنهم ليسوا مسلمين، هم إذن كفار ومشركون، ويجب أن يدخلوا في الإسلام من جديد، على أساس جديد!!

تابع في نفس الملف:

شارك في ساحة الحوار حول:


رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[1] معالم في الطريق ص 88-93 طبعة دار الشروق 1968م.

[2] هم إذن ليسوا مسلمين!!

[3] العدالة الاجتماعية في الإسلام: ص244- 247 الطبعة السابقة 1967م.