سيد قطب.. والتكفير والعنف
متى تعود الجماعة عن التبرير الاعتذاري للقطبية؟ *
بين "فتية قطب" .. وتنظيم لينين الصلب!
| حاول "إخوان 65" في ضوء "المعالم" أن يعيدوا بناء الجماعة في طور محنتها الكبرى على أساس تنظيمٍ تكفيريٍ راديكالي طليعي جديد. |
في رسالة "دعاة لا قضاة" يرد الهضيبي على مفاهيم الأستاذ أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في الباكستان بالاسم، ويبدي قلقه من أن يتحول مصطلح الحاكمية - "الذي بلوره المودودي كمعادلٍ "إسلاميٍ" لمفهوم "السيادة" الأوروبي في نظرية الدولة الحديثة - إلى الحكم الكلي الجامع الذي تتفرع عنه مختلف الأحكام التفصيلية" فـ "يجعل بعض الناس أساساً لمعتقدهم مصطلحاً لم يرد فيه نص في كتاب الله أو سنة الرسول"، لكنه لا يذكر اسم سيد قطب ولا مرةً واحدةً، مع أن إستراتيجية الرسالة موجهة برمتها للرد على أفكار قطب التي طرحها في "المعالم"، وأعاد فيها تأويل مفاهيم المودودي في منظومةٍ تكفيريةٍ انقلابية راديكاليةٍ، تفتح الباب على مصراعيه إلى اعتبار المجتمعات الإسلامية مجتمعاتٍ مرتدة عن الإسلام بعد الإسلام، وتحولها من "دار إسلام" إلى "دار حرب"، وبالتالي لا تتوقف عند حدود تكفير الدولة بل تمضي فعلياً إلى تكفير الأمة، والدعوة إلى "أسلمتها" من جديد على أساس تنظيمٍ طليعيٍ نخبويٍ راديكاليٍ إسلاميٍ، استعاره فعلياً من نمط التنظيم اللينيني الصلب في الأحزاب الشيوعية.
| شحن قطب مفهوم "الحاكمية" في "معالمه" تحت تأثير المحنة، بتأويلٍ يصل إلى حدود التأويل التكفيري، الذي سيغدو أخطر مراجع التنظيمات الإسلامية الشبابية الراديكالية في السبعينيات، التي دمجت ما بين أدلوجة قطب وبين فهمٍ دوغمائيٍ للسلفية. |
لم يكن قطب بعيدًا عن معرفة ذلك النمط؛ إذ سبق له أن كان ممثلاً للجماعة في الجبهة الحزبية-السياسية التي تشكلت في عام 1954 بين الإخوان والشيوعيين والوفد لإسقاط المجلس العسكري" الثوري" بقيادة عبد الناصر، وفي حدود أوائل الخمسينيات كان قطب قد استخدم مصطلح الحاكمية تحت تأثير الترجمات العربية المبكّرة لكتب المودودي، لكنه لم يعنِ به أكثر من مفهوم مساواة البشر أمام الله، في حين أنه شحنه في "معالم في الطريق" الذي كتب معظمه في المعتقل تحت تأثير المحنة، بتأويلٍ يصل إلى حدود التأويل التكفيري الراديكالي، الذي سيغدو أخطر مراجع التنظيمات الإسلامية الشبابية الراديكالية في السبعينيات، التي دمجت ما بين أدلوجة قطب وبين فهمٍ دوغمائي للسلفية، يحوّلها من رؤية إلى إسلام القرون الثلاثة الأولى بوصفها خير القرون إسلامياً لدى عموم المسلمين، إلى مذهب متصلب قائم بحد ذاته، يقوم على التصادم مع المجتمع، ويعبر عن العسر وليس عن اليسر.
"الحاكمية" .. في مقابل "الوسطية"
إنه واضح لشيوخ الجماعة يومئذ، وفي طليعتهم الأستاذ الهضيبي، أن سيد قطب قد بلور منطلقاتٍ أو معالم نظرية لا تستمد مرجعيتها من الرؤية الإخوانية التاريخية التي تمثل في بنيتها الأساسية رؤيةً "وسطيةً" أو "اعتداليةً"، بل ترتكز على مرجعيةٍ جديدة ستتكثف برمتها في نظرية الحاكمية الجديدة، التي تحولت فعلياً هنا مع قطب إلى نوعٍ من الأصول "الاعتقادية" وليس الفروع "الفقهية". من هنا شكّلت هذه المنطلقات النظرية "منحنىً خطيراً في فكر الإخوان يتناقض مع رسالة المرشد العام الأول المؤسس حسن البنا" على حد تعبير الدكتور عبد الله النفيسي، والذي يمكننا القول: إنه وضع الخلاف ما بين المسلمين في حيز "خطأ وصواب" وليس في حيّز "كفر وإيمان". وشكلت "فكراً جديداً أوجد مساراً له بين نفرٍ من الإخوان وغيرهم في ظروف سياسية واجتماعية معقدة" على حد تعبير الشيخ محمد الغزالي .
في "دعاة لا قضاة" رفض الهضيبي "هذا الفكر ومضاعفاته وكتب ضده"، لكن دون الإشارة إلى اسم منظّره سيد قطب كما فعل مع المودودي، لكن كل من قرأ الرسالة في المعتقل وخارجه من الإخوان كان متيقناً من أن المقصود بالرد هو فكر سيد قطب ومضاعفاته، التي بيّن الهضيبي بشكلٍ منهجيٍ محكمٍ، هشاشتها الفقهية". لا ريب أن الهضيبي قد حسم في هذه الرسالة المنهج الحركي للجماعة في كونه منهج "الدعاة" وليس منهج "القضاة"؛ فالداعية -على حد تعبيره- "يقرّر الأحكام الشرعية.. لكنه لا ينصب نفسه قاضياً ليحكم على الأفراد"، فالأصل لدى الهضيبي "ألا نتعرض للأشخاص بحكم"، ورسخ تصور الجماعة لموقعها في خريطة العمل الإسلامي بأنها "جماعة من المسلمين"، وليس "جماعة المسلمين" التي يشكل الخروج عنها أو تركها، خروجاً من الإيمان إلى الكفر على حد التأويل البسيط. ولقد قام الهضيبي في ذلك بشكلٍ مبكّرٍ نسبياً ببلورة معالم الأسس الجوهرية للقطيعة بين التيارين الراديكالي المتطرف والدعوي الوسطي المعتدل.
ربما هذا ما يفسر محاولة الأستاذ الهضيبي بعد الإفراج عنه في عام 1971، إعادة "تمدين الجماعة" بلغة عبد الله النفيسي، أي تصفية آثار عسْكرتها التي تجلت بالنظام الخاص، والذي كان من أعتى خصومه منذ أن تم نشر قرار مبايعته مرشداً عاماً ثانياً للجماعة في أوائل الخمسينيات خلفاً للمرشد الأول المؤسس البنا. ولم ير الهضيبي على الأرجح حين رد على سيد قطب في "دعاة لا قضاة" في فكرة "التنظيم الطليعي" الإسلامي التصادمي أو الانقلابي التي طرحها قطب، أكثر من محاولة لاستعادة النظام الخاص القديم بإهابٍ تعبويٍ جديد، يديم من عمر المحنة.
أدلوجة قطب بين النقد والاستقطاب
لقد أخذ نقد أدلوجة قطب الانقلابية المبسّطة والمتصلبة التي فتحت الباب أمام تكفير المجتمعات الإسلامية القائمة، والقول المتعسف الخطر بارتدادها عن الإسلام بعد الإسلام، يأخذ طريقه عند بعض الإخوان في الخارج، وكان نقد الأستاذ حسن العشماوي، وهو من كوادر الجماعة التي اضطرت للجوء إلى خارج مصر إبان محنة الجماعة، والذي يمثل اليوم أحد مراجع التفكير التجديدي للجيل الجديد للجماعة: من أبرزها. وخلال صعود الجماعات الإسلامية في السبعينيات، كان الاستقطاب يشتد ما بين المدرسة الإخوانية - التي تؤول إلى مدرسة معتدلة وسطية فيما إذا قشرناها من تجربة النظام الخاص التي كانت وبالاً عليها - وبين الاتجاهات الإسلامية الشبابية الراديكالية الجديدة المسحورة بأدلوجة قطب.
في هذا الاستقطاب كان شيوخ الإخوان الخارجين من المعتقل والذين أعادوا بناء التنظيم، قد أعلنوا في سياق منهج "دعاة لا قضاة" - وفق ما يستعيده كمال حبيب من حواراتٍ داخليةٍ في الجماعات يومئذ - "أن سيد قطب لا يمثل الجماعة في أفكاره، وأن الشباب القطبي الذي تبنى أفكاره ليس من الإخوان"، لكن الجماعة لم تجاهر بذلك في أدبياتها قط، إذ انحنت أمام الجائحة الراديكالية التي اجتاحت التنظيمات الإخوانية العربية في المشرق العربي، وانعكس ذلك في تهميش تدريس رسالة "دعاة لا قضاة"، في الوقت الذي أخذت فيه الاتجاهات الراديكالية تذهب إلى حد فتح باب تكفير الوسطية الإخوانية، واتهامهم بممالأة النظم "الجاهلية".
ربما قاد هذا الهجوم الجهادي الجماعة إلى تخفيف حدة نقدها لأفكار قطب، لكن عدم تطوير الموقف من أدلوجة قطب ارتبط بالركود الفكري للجماعة، التي لم يستطع مكتب إرشادها - على مستوى الوثائق التي تمثل وجهة نظر الجماعة كهيئة وليس كأفراد - أن يبلور منطلقات نظرية ذات روح نقدية جديدة سوى في الوثيقتين المتعلقتين بالمرأة، وبالشورى والتعددية السياسية. وبدلاً من القيام بعملٍ فكريٍ جادٍ ومؤصل لنقض أدلوجة قطب وتبيان قطيعتها المرجعية مع الخطاب الإخواني الدعوي التقليدي الذي يتسم تاريخياً بالوسطية، فإن الجماعة ذهبت إلى حد تفسيرها الاعتذاري المبسط، بأن قطب قد كتبها في ظروف الاعتقال الخاصة، وأن الشباب الإسلامي قد غالى بفهمها الراديكالي. وكان ذلك يعكس تساهلاً خجولاً مع الأدلوجة القطبية، وتركها دون نقدٍ جوهريٍ فعلي، يطور موقف الهضيبي منها.
أدى ذلك إلى وضع المواقع الإخوانية الالكترونية لسيد قطب ضمن مفكري الجماعة، دون التوقف عند نقد أدلوجته في مرحلة "المعالم"، ودون مواصلة تأكيد وشرح مواقف الهضيبي منها في "دعاة لا قضاة". وبرز التساهل أكثر في أن الجماعة كانت تنشر تساهلها، وتتجه أكثر فأكثر إلى عدم المجاهرة بخروج أدلوجة قطب عن منظومتها، فتدرج قطب -واستطراداً أبا الأعلى المودودي - في منظومة المفكرين المرجعيين للعمل الإسلامي، من دون أن تنشر الردود المبكّرة عليها، من نوع نقد حسن العشماوي الذي تم من داخل المجال الإخواني نفسه، والنقد المبكر لمحمد عمارة.
| الجماعة ما تزال في حالة ركود فكري بينما يتطلب تطورها "الوسطي" إعادة القطع الذي بدأه الهضيبي مع الأدلوجة القطبية التي تركت آثاراً مدمرةً على وعي ومناهج عمل الشباب الإسلامي. |
إن التطور الموضوعي للجماعة باتجاه الاستيعاب الإسلامي للمجتمع، يتناقض مع عملية السكوت عن أدلوجة قطب، والتراجع عن عملية نقدها التي بدأها الأستاذ الهضيبي، و يفرض ذلك التطور إعادة النظر بطريقة تدريسها للعقيدة الطحاوية وللعقيدة الواسطية لابن تيمية اللتين ليستا مما أقره الإجماع أو مما أقرته المذاهب الأربعة التي يقول فقهاء الجماعة: إنهم ملتزمون بها، ويغلب عليهما التشدد والتكفير. ولأنهما ليستا من المذاهب الأربعة ولا من الإجماع الذي تلتزم به الجماعة، فإنه يجب أن تدرسا في إطار تاريخ الفكر الإسلامي وليس في إطار التربية العقائدية. فالجماعة ما تزال في حالة من الركود الفكري، بينما تتطلب اتجاهات تطورها الموضوعي "الوسطي" فكراً وأساليب عمل ومنهج رؤية، إعادة القطع الذي بدأه الهضيبي مع الأدلوجة القطبية التي تركت آثاراً مدمرةً على وعي ومناهج عمل الشباب الإسلامي، وتقديم رؤية منهجية تقويمية لتجربة النظام الخاص ما تزال مفتقدة بشكلٍ رسميٍ حتى الآن.
إن جماعة الإخوان في مرحلة تطورها الموضوعي الراهن هي بأمس الحاجة اليوم لإجراء مراجعات جديدة حقيقية، وفي منظور إستراتيجية هذه المراجعات ما تزال الجماعة للأسف الشديد ما قبلها. لكن هذه القطيعة لن تتبلور إجرائياً أو عملياً إلا في شروط الاستقطاب الحركي ما بين التيارين في السبعينيات والثمانينيات.
لقد رسّخ الإخوان في مجرى هذا الاستقطاب الطلاق البائن بينهم وبين الأسلوب العنفي الراديكالي" الجهادي" بالمعنى الضيق والمبتسر لمفهوم الجهاد.
تابع في الملف:
- مقدمة الملف
- سيد قطب.. وجماعات العنف
- دفاع عن قطب أمام محكمة الإخوان
- سيد قطب في الميزان
- متى تعود الجماعة عن التبرير الاعتذاري للقطبية؟
- شهادة سيد قطب نفسه
- شهادة المرشد العام عمر التلمساني
- شهادة زينب الغزالي وعبد الحليم خفاجي
- شهادة "سيد نزيلي" من قيادات تنظيم 65
- شهادة "أحمد عبد المجيد" من تنظيم 65
- شهادات حول "قطب والتكفير"
مقالات:
شهادات:
* المقال سبق نشره في "الوطن" السعودية، بتاريخ 25 -9- 2003م، عدد (1091)، وتم إعادة تحريره.





















