مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

سيد قطب.. والتكفير والعنف

دفاع عن "قطب" أمام محكمة الإخوان

من الإنصاف أن نعترف للشهيد بثباته المتميز وتماسكه الفريد أمام الغزو الفكري والاجتياح الثقافي، كما يجب أن نعترف بعبقريته -بين المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين- في نظرته الشمولية للمعرفة، ومن ثَم في صنع "الحضارة" وعلاقتها بالعلم التجريبي من ناحية -وهو من صلاحية العقل البشري- والإيمان من ناحية أخرى: كبديل إلهي عن حتمية عجز هذا العقل عن التشريع خاصة، أو الخوض في العلوم الإنسانية عامة، مما قاده منطقيًّا في تسلسل معين إلى وصف المجتمع الإنساني المعاصر بـ"المجتمع الجاهلي"، أو "جاهلية القرن العشرين"، ومن ثَم إلى تشكيكه في جدوى الاجتهاد الفقهي لهذا المجتمع.

تورط مجتمع "قطب" بمقولات تنافي الشهادتين!

أحسب أن المجتمع الإسلامي في الثلث الثاني من القرن العشرين خاصة -قبل الصحوة الدينية التي ينسب الفضل فيها إلى حسن البنا والغزالي وسيد قطب والقرضاوي وأمثالهم الكرام- كان متورطًا على نطاق واسع فيما لا يتفق -اعتقادًا- مع الشهادتين من طريق اللزوم غير البين من مقولات عن:

ذاتية الطبيعة في وجودها وتطورها، والرجعية الدينية، والتقدمية التنويرية، والتطورية الحيوية، والإنسانية والتاريخية والاجتماعية والأخلاقية والتشريعية والعلمانية.. والحداثة بما تعنيه من القطيعة مع الماضي، وتعددية الأديان السماوية هكذا بغير تفرقة بين معنى الدين ومعنى الرسالة، و"تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأعراف" هكذا بغير تمحيص لمحتوى الزمان والمكان والعرف ومدى ارتباطه بالشريعة أصلاً. و"حيثما تكون المصلحة تكون الشريعة" هكذا دون تحرير لمعنى المصلحة ومدى تطابقها مع الشريعة أو انبثاقها عنها والذين باعوا المجاهدين -والشهيد- بفتاوى عن الحرابة بثمن بخس... وما لقيته هذه الفتاوى من قبول واسع جماهيريًّا آنذاك، مع التعتيم المتعمد على خطر مجموعة العقائد والأفكار والنظريات المنتشرة التي تدخل تحت حكم الكفر: بدعوى محاربة التطرف.

كنت تجد هذه الاتجاهات والتيارات واسعة الانتشار على مستوى المفكر وعلى مستوى رجل الشارع، كلٌّ بطريقته، وعلى تفاوت في العلم والوعي والإرادة، إلا من رحم ربك. ومن هنا جاءت مصداقية وصف المجموع بالجاهلية أو جاهلية القرن العشرين، في نطاق أوسع من العمل والسلوك، دون وصفه بالكفر الصراح بالضرورة.

بين الجاهلية والتكفير

إن جاهلية المجتمع لا تعني التصريح بكفره ما دمنا التزمنا بالمصطلحات العلمية الشرعية، ولا أحسب الشهيد إلا قاصدًا للبعد عن مصطلح التكفير عمدًا. والحكم على "المجموع" -مجموع المجتمع- لا يعني الحكم على الجميع: جميع الأفراد، وهي قاعدة مقررة منطقيًّا وشرعيًّا. ولا أعلم أن الشهيد سيد قطب صرح بتكفيره مسلمًا بعينه. وإن يكن.. فقد يكون له سند فيما قد يكون داخلاً من ذلك تحت مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (صحيح مسلم وللبخاري مثله).

وله مخرج فيما اشترطه فيمن "لا يكون مؤمنًا"، حيث صرح بأن هذا الوصف إنما يلحقهم إذا كان اتّباعهم لتشريع العباد لهم (بغير إنكار منهم يثبت منه أنهم لا يتبعون إلا عن إكراه واقع بهم لا طاقة لهم بدفعه)، وهو شرط محوري لا يصح التعتيم عليه ونحن نعرض فكر الشهيد. وله فسحة فيما اصطلح عليه العلماء من القول بدرجات من الكفر "لا تخرج من الملة"، وله فسحة في بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من تكفير لا يُخرج من الملة.

أحسب أنه لم يقل الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي بأن سيد قطب كفـَّر مسلمًا بعينه؛ لأنه يعلم أن من كفر مسلمًا فقد باء بها أحدهما، وتقريظه للشهيد سيد قطب وثناؤه عليه ودعاؤه له لا يسمح بذلك.

أما ما ينسب إلى الشهيد سيد قطب من نقد طائفة من العلماء والمفكرين المحدثين مثل محمد عبده ومحمد مصطفى المراغي ومحمد فريد وجدي... إلخ فمقبول مبدئيًّا على أساس التشكيك، والتشكيك يعني أن الأفراد يشتركون في أصل المعنى ويتفاوتون في حظهم منه: شدة أو لينًا، قوة أو ضعفًا، يقظة أو غفلة، ظهورًا أو خفاء، كثرة أو قلة... إلخ. وعلى سبيل المثال فقد كان بعض هؤلاء قد انتسب في فترة من حياته إلى الماسونية، وتعاون بعضهم تعاونًا واضحًا مع رأس الاستعمار كما هو معروف.

الجاهلية والاجتهاد الفقهي

ينبهنا الشهيد إلى سؤال يأتي سابقًا -في تقديره- على سؤالنا الذي يتردد كثيرًا ويبحث كثيرًا في المؤتمرات ومجالس البحوث: عمن تصدر الاجتهادات الفقهية والإصلاحية؟  في أي شيء تكون الفتوى الاجتهادية أو الرأي الإصلاحي؟ وهذا السؤال الذي ينبغي أن يأتي أولاً هو: إلى من توجه هذه الفتاوى والاجتهادات؟.

وذلك إذ نبه الشهيد إلى أن المجتمع الإسلامي -في وقته- كان قد انحط  إلى درجة غير مسبوقة، وهي أنه صار مجتمعًا جاهليًّا حسب وصفه -وهو وصف لا يقتضي بالضرورة تكفير الجميع- وأنه قبل الخوض في بعض الاجتهادات الفقهية أو الإصلاحية الجديدة التي تساق لهذا المجتمع يجب أن يتأهل المجتمع للتعامل معها بإيجابية، وشرط ذلك أن يخرج المجتمع أولاً من حالة الجاهلية، وإلا فالتجربة ظهرت أمام أعيننا في اجتهادات تتخبط  في موضوعات الاقتصاد والجهاد والسياسة والتعليم والمرأة والفن والثقافة، وهي لا مفر من أن  تتأثر باتجاهات هذا المجتمع في حالته الراهنة: إما أن "تيسر" له جاهليته وهذا هو الغالب، وإما أن تنحرف عند التنفيذ إلى ما لم يكن مقصودًا عند الفتوى:

أ - ومن ذلك ما حدث في الفتاوى التي أقامت البنوك الإسلامية؛ إذ تعامل معها الجمهور بالنفسية الربوية ذاتها التي ذاق فوائدها في البنوك الربوية، مما أدخل البنوك الإسلامية في مأزق حتمية توزيع الأرباح، وأصابها بالأنيميا أو التبعية.

ب - من تلك الفتاوى أو الاجتهادات ترديد مصطلح "التكفير" و"التكفيريين" و"الفكر التكفيري" وصمًا لبعض المفكرين ممن يتهمون بالتطرف -ومنهم الشهيد جدلاً- مما وصل إلى طرح مصطلح: "تعددية النجاة" في ذيل "تعددية الأديان"، ويكاد يضعنا في تصور مغلوط عن دين الإسلام، وأصبح يوحي بعدم جواز اتهام الكافر بالكفر، وهو أمر خطير يقول فيه أبو حنيفة رضي الله عنه: "من قال لا أعرف الكافر كافرًا فقد كفر"، والله سبحانه وتعالى يخاطب من يقول لهم: "لكم دينكم ولي دين".. بتصدير قوله تعالى: "قل يا أيها الكافرون".

ج - ومن ذلك محاولات الإصلاح في مؤسسة كالأزهر لن يستقيم حالها ما لم تَعُد إلى ما كانت عليه في عنفوانها من إمكانية استمداد طلابها من المستوى الأرقى أو الأعلى ذكاء وتعليمًا وتدينًا، وهيهات في مجتمع كالذي يصفه الشهيد سيد قطب.

د - والمقاومة والثورة أتكون بشرط كفر الحاكم البواح أم يسبقها العصيان بحكم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

هـ - ويمكن تحليل أمثلة أخرى في مجالات المرأة والتعليم الديني والدعوة والترفيه والسياسة... إلخ، وهي مواطن تتعثر فيها الخطوات أو تطيش لا لمحض العجز عن الاجتهاد الفقهي أو الإصلاحي، ولكن لأمراض في المجتمع أبعدته عن جو العقيدة والشريعة، مما كان الدعاة قبل الشهيد وبعده يلحّون في وعظهم على "شدة بُعد المجتمع عن الدين" واستحقاقه من ثَم للهزيمة والبلاء، مما سماه الشهيد جاهلية القرن العشرين، والخطب فيما اصطلح عليه الشهيد يسير لو كنا قد تابعنا مصطلحه بالتوضيح والتفسير.

المسامحة مع عبارات الشهيد

إنه لا مفر من التسامح أو المصالحة أو الإصلاح!! مع بعض عبارات الشهيد التي تأتي في سياق النحت الأدبي والاسترسال الأسلوبي الرفيع بعيدًا عن المصطلحات العلمية والفقهية المقررة: مثل قوله بـ"توقف وجود الإسلام" فهو تعبير ينبغي أن يؤخذ بتجوّز، وهو لا يصلح -إن أردنا الدقة- حتى على مذهبه في وصف المجتمعات الإسلامية المعاصرة بالجاهلية؛ لأنه بالرغم من ذلك فهو -أي الشهيد- يفترض وجود "العصبة الإسلامية" -حسب تعبيره- التي تنطلق منها "عودة الإسلام كما بدأ" كما جاء في الحديث الشريف.

ومن مثل تشبيهه المجتمع الإسلامي الذي يصفه بالجاهلية.. تشبيهه إياه بمشركي الجاهلية، حيث ينبغي أن يفهم على أساس أن التشبيه غير تام، وهكذا...

سبيل التغيير عند قطب

أما عن رأي الشهيد في كيفية خروج المجتمع من حضيض "جاهلية القرن العشرين" حسب تصوره، فقد قدم فيها نظريته حسب رؤيته وحددها متكاملة في كتابه "معالم الطريق" خاصة -بعيدًا عن تلمس الفتاوى الجديدة والتواءاتها واجتهاداتها وتيسيراتها، وتسامحاتها...- وفيها تكمن شخصية الشهيد وتميزه وتفرده وإيجابيته.

وهي للأسف لم تأخذ ما تستحقه من المناقشة الجادة شرعيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا وتاريخيًّا وحركيًّا وعمليًّا.. بعيدًا عن المقتطفات المتناثرة التي تأتي حول هذا المصطلح أو ذاك.

إن كتاب "معالم في الطريق" هو في تقدير الكثيرين الإنجاز الفكري الإسلامي الوحيد تقريبًا الذي يرسم طريقًا حركيًّا إيجابيًّا للتغيير يقوم على بساطة مبدأ "المفاصلة" بأبعادها المختلفة في العلاقة مع خصوم الدعوة الإسلامية. ومن هنا جاءت خطورة الكتاب الثورية كما أدركها قاتلوه، ومن هنا حاكموه وأعدموه لا لشيء من مصطلحات يجهلونها حول التكفير وعدمه وإن استغلوا ذلك إعلاميًّا، ومن هنا كذلك جاءت أهمية الكتاب وتميزه.

لقد كان من واجب المفكرين والعلماء ورفاق الدرب ممن لم يحملوا ضغنًا للشهيد أن يبادروا إلى إزالة ما علق بأفكاره من أوهام الظاهر وحقد الخصوم: حدبًا عليه، وتبرئة له، وتحصينًا للأفهام السطحية التي يمكن أن تحوم حوله وفي أسلوبه ما يشجعهم، خاصة أن الرجل عاجلته المحاكمة، ولم يمتد به العمر لهذه المهمة. ومن هنا كان لإعدامه -لسوء الحظ- أثر في من يقترب من فكره.

والله أعلم.

تابع في الملف:


  العميد السابق لكلية أصول الدين بالأزهر بطنطا.