مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

سيد قطب.. والتكفير والعنف

سيد قطب.. وجماعات العنف

أول ما يُلحظ في التعامل مع فكر سيد قطب -رحمه الله- أن الكثيرين يقرؤونه بمعزل عن سياقه زمانًا ومكانًا وظروفًا، وتكوينًا شخصيًّا. وهذا يرتد إلى النزعة الإطلاقية السائدة لدى كثير من الإسلاميين حين يتصورون الأفكار متعالية تهبط من السماء، لا تنبع من الأرض. وهذه الملحوظة المنهجية لها تأثيرها الكبير في الموقف الذي سنتخذه مع أو ضد، ومن الأفكار التي سنناقشها سواء وصفناها بالتطرف أم بالاعتدال، فهما وصفان غير كافيين بذاتهما؛ دون النظر إلى بيئة تشكل ذلك الفكر، وروافده، وفي مواجهة من وماذا؟. هذا النظر سيؤدي بنا -على مستوى الفكرة- إلى مسألة أخرى لصيقة به وهي: هل يصلح لزماننا هذا كلاً أو جزءًا؟ وإن كان يصلح جزئيًّا فما التعديل الواجب عليه؟ وما الذي تغيّر؟.

وعلى مستوى الموقف سيؤدي بنا إلى تقدير أهمية الرجل في زمنه، وعدم غمطه حقه، لا تقديسًا ولا تهوينًا!. فقطب برز في خضمّ الصراعات الفكرية، وحصول "المثال" الغربي على قدر كبير من السيادة في القيم السياسية وفي العادات وأساليب العيش، وفي ظل صعود نجم الاشتراكية والفكر القومي لدرجة ظهور محاولات تحمل الربط بين الإسلام والاشتراكية والقومية، ولو عنوانًا.

فكر قطب.. وسياقه التاريخي

كانت الصراعات الفكرية الدائرة آنذاك، سواء التغريبية أم الإسلامية الإصلاحية، تعكس -في أحد جوانبها- حالة نفسية تجاه الغرب، انبهارًا بمنجزاته، ومع سقوط الخلافة وقيام الدولة الوطنية العلمانية، سادت أجواء من اهتزاز الثقة بالنفس، وفي هذا السياق جاء السؤال الكبير والمؤثر الذي صاغه أبو الحسن الندْوي (1950م) -رحمه الله- "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"، واعتبره سيد قطب "من خير" ما قرأ من الكتب التي تتناول الإسلام كـ"عقيدة استعلاء، من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كبر، وروح الثقة من غير اغترار، وشعور الاطمئنان من دون تواكل، وتشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة"، بعد أن انتكس المسلمون "إلى الجاهلية الأولى" -على حد تعبير سيد قطب في مقدمته للكتاب-.

سيد قطب كانت كتاباته مشبعة بالحديث عن زيف الحضارة الجديدة، وجنايتها على الإنسان، وفقدان الرجل الأبيض لدوره. كان يكتب من منطلق استعلاء إيماني، وكان مشروعه هو تجديد إيمان المؤمن بدينه، وشحذ همته؛ ليكون مؤهلاً لدور الوصاية، فأعاد تعريف مفهوم "الجهاد"، وحمل على القائلين بكونه دفاعيًّا بشدة، واتخذ موقف المفاصلة من الأنظمة التي وصفها بـ"الجاهلية"، وتحدث عن ضرورة بناء الطليعة المؤمنة التي ستكون نواة للمجتمع الإسلامي على صورته الأولى، ونقاؤه لا يتأتى إلا من عزلته عن "الجاهلية" السائدة، ومن ثَم فإن الحديث عن الاجتهاد الفقهي هو -بمنظوره- عبث قبل إنشاء المجتمع الإسلامي؛ فالاجتهاد يكون لمجتمع إسلامي لا جاهلي!.

من باب الحاكمية والجاهلية (العقديتين) دخلت إلى الفكر الإسلامي جميع أفكار المقاطعة والتكفير والاستحلال واستباحة الدماء والأموال، وعدد من النتوءات التي نُسبت إلى الإسلام!.

كان الخيار الراديكالي للأمة حسب ما تُصوره نخبها في ذلك الوقت هو إما التغريب الذي كان يعني التقدم، أو الأسلمة والتي تعني لدى التغريبيين التخلف والرجعية، وكانت مظاهر المجتمع تسير باتجاه التغريب؛ الأمر الذي أدى إلى نشوء فكر الهوية، وهنا مثّل قطب أحد أركانه فبعث الكثير من الثقة في نفوس قرائه بدينهم ونصرته وعظمته، وزهّدهم بالنموذج الغربي وحضارته، وبيّن لهم أن الإسلام هو الحضارة حين رفض وصفه بـ"المتحضر". واللافت أن قطبًا كان يرى أن دور الإسلام المنتظر يقتصر على دائرة القيم فقط والتي ترتكس فيها الحضارة المعاصرة، فقيادة العالم الغربي أوشكت على الزوال؛ لأنه "لم يَعُد يملك رصيدًا من القيم يسمح له بالقيادة"، و"لا بد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوربية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة" هذه القيادة هي الإسلام كما يقول قطب[1].

لكن في المقابل لم يكن نقاء تصورات قطب ونزعته الطهورية لتعكس بالضرورة واقعيتها، وصحتها أيضًا، فقد كان مسكونًا بالمفاصلة الحدية مع جاهلية المجتمع، وبهاجس أن الصراع مع العالم بأسره ومع الأنظمة هو عقدي، وأن نقطة البدء في إقامة المجتمع الإسلامي هي تعبيد الناس -بحق- لله وفق مدلول الحاكمية عنده والتي هي من العقيدة (كلمة لا إله إلا الله)، ومن هنا كانت المفاهيم المركزية التي ميزت فكره هي: الجاهلية، والحاكمية، ومن باب هاتين الفكرتين (العقديّتين) دخلت إلى الفكر السياسي الإسلامي والعمل الحركي جميع أفكار المقاطعة والتكفير والاستحلال واستباحة الدماء والأموال، وعدد من النتوءات التي نُسبت إلى الإسلام!.

لم تكن أفكار قطب تتناول مسائل فقهية فرعية، بل كان ينأى بنفسه عن ذلك أيضًا، ليس لأنه ليس بفقيه فقط، ولكن بناء على رؤيته الخاصة بخصوص "حضور" الفقه في المجتمع "الجاهلي"، وهو وإن لم يكن يهدف -كما يبدو وكما صرح هو في بعض شهاداته- إلى الحكم على الناس، لكن أصول أفكاره هي أفكار عقدية، فهو قد جعل نظرية "الحاكمية" مسألة عقدية لصيقة بالإيمان والكفر، بل داخلة في مفهوم "التوحيد" الذي هو أخص خصائص مسائل الاعتقاد، وربما يكون متأثرًا في تقرير هذا بعكوفه على كتب الإمامين الكبيرين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- في سجنه[2]، حيث بلور "حاكميته" في صورتها الأخيرة في كتاب "المعالم"، وهو بهذا قدم للسلفية الجهادية المعاصرة معينًا ثريًّا أدركت من خلاله "الشرك المعاصر" الذي يعكر صفاء التوحيد، ولزم منه تكفير الحكام والأنظمة.

هذا فضلاً عن أنه شكّل مع المودودي -ومن قبلهما البنا- ريادة لفكرة "النظام الإسلامي الشامل" طوالَ الخمسينيات والتي كان لها كبير أثر على رؤية الحركات الإسلامية لدورها، وذلك عندما كتبا في مكافحة الرأسمالية، ومحاسن النظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي، كما كتب محمد الغزالي والسباعي -رحمهما الله- في مكافحة الشيوعية، وفي القراءة النقدية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا أن قطبًا سقى ذلك النظام بفكره الثوري، وأمده ببرنامج عمل لتنفيذه في "معالمه"، وبيئة ذلك كانت أجواء القطيعة والاشتباك مع النظام الحاكم.

يقوم النزاع هنا كثيرًا حول مسألتين أساسيتين: الأولى هل لفكر قطب علاقة بجماعات العنف والجهاد التي ظهرت؟ والثانية: هل يتحمل قطب مسؤولية هذا كله؟

فكر قطب.. والفكر الحركي والجهادي

فكر قطب شكل مَعينًا لكل الفكر الجهادي والحركي. وأي حركة تغييرية عنفية لا يمكن لها أن تزهد بالمعين الثوري الذي تركه قطب.

فيما يخص المسألة الأولى: يبدو للعديدين ولي أن فكر قطب شكل مَعينًا لكل الفكر الجهادي والحركي، ومن السهل أن نلحظ كاريزما قطب لدى عدد من الحركات الإسلامية بدءًا من الحديث عن علاقته بالتنظيم الخاص الإخواني ودوره في الانشقاقات التي حدثت داخله أثناء فترة سجنه حتى قيل: إن تنظيم الإخوان غصّ بفكر سيد فلا هو قدر على هضمه ولا هو قدر على لَفظه، مرورًا بعبد الله عزام رائد "الجهاد الأفغاني"، الذي يقول: "وجهني سيد قطب فكريًّا وابن تيمية عقديًّا وابن القيم روحيًّا والنووي فقهيًّا، فهؤلاء أكثر أربعة أثروا في حياتي أثرًا عميقًا" [3]. وكذلك يذكر أبو قتادة عن الظواهري أنه عاش شبابه "منفعلاً بما كتبه سيد قطب" [4] إلى أن التقى شبابًا مثله وأسسوا التنظيم، كما أن أبا قتادة شديد الاحتفاء بفكر سيد قطب ويقول: إن "الحركات الإسلامية توقفت عمومًا في التقدم نحو الأفضل، ومن الأمثلة الصريحة على ذلك صنيع الإخوان المسلمين، فقد كان سيد قطب رحمه الله تعالى هو النتيجة الجيدة، والموقع المتقدم بعد حسن البنا"[5]. وهو يعتبر الحركات "الجهادية السلفية" هي "الطائفة المنصورة"، وأن أول أسس شرعية عملها هو أن دار الإسلام "قد انقلبت إلى دار كفر وردة؛ لأنها حُكمت من قبل المرتدين، ولأن الكفر قد بسط سلطانه عليها من خلال أحكامه ودساتيره"[6]، وهذا ذاته مضمون ما نجده لدى قطب في كتبه، ومع ذلك فهذا ليس حكمًا على الأفراد كما ينبه.

كما أن صالح سرية وهو صاحب أول تطبيق فعلي للعنف في مصر عام 1974 (تنظيم الفنية العسكرية) يقول في "رسالة الإيمان" التي كتبها سنة (1973م): "إن كل الأنظمة، وكذلك كل البلاد الإسلامية التي اتخذت لها مناهج ونظماً وتشريعات غير الكتاب والسنّة فقد كفرت بالله، واتخذت من نفسها آلهة وأرباباً. فكل من أطاعها مقتنعاً بها فهو كافر"، معتبرًا هذا "الفرض الأول لأنها أساس التوحيد والشرك في هذا العصر" [7]، ومحيلاً إلى سيد قطب. بل إنه اعتبر في مقدمة رسالته تلك أن من خير التفاسير لمعرفة التفسير الحق للقرآن "في ظلال القرآن" في طبعاته الأخيرة.

وبالرغم من أن محمد عبد السلام فرج صاحب الدور البارز في اغتيال السادات، لم يأتِ على ذكر قطب في "الفريضة الغائبة" الذي كتبه 1981م وشحنه بنقول عن ابن تيمية فإن جوهر الكتاب يقوم على البدء بجهاد الأنظمة الكافرة، وأن "الأحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام الكفر" على حد قوله، ففكرة الحاكمية وروح كتابات سيد قطب غير خافية في رسالته وإن لم يذكره، فهو يتحدث عن تكفير الأنظمة وجهادها، ومفاصلة المجتمع، و"دعوة الناس إلى الإسلام" وغير ذلك.

كما أن أفكار وإصدارات الجماعة الإسلامية المصرية عن الجهاد وتحكيم الشرع والمواجهة مع الأنظمة لا بد أن تتماس مع فكر سيد قطب، وليس بالضرورة أن يكون الشكل الوحيد للتفاعل هو النقل والاقتباس، ففكر العنف يبدو لي بطبيعته لا يقف عند مرجعية ثابتة، بل يطوّر نفسه وفق تعقيدات مختلفة تتعلق بالظرف والزمان والأشخاص، ولا يمكن السيطرة عليه، وهو الأمر الذي يفسر الانشقاقات التي تحصل داخل بعض التنظيمات الجهادية والعنفية.

إن أي حركة جهادية أو تغييرية عنفية لا يمكن لها أن تزهد بالمعين الثوري الذي تركه قطب، ومن هنا نجد أنه حتى حركات الجهاد الحقيقي كحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين تحتفي بسيد قطب مع علي شريعتي، ومالك بن نبي، وثلاثتهم يشكلون وفق تعبير زعيمها الشهيد فتحي الشقاقي "مثلثاً خطيراً في الفكر الإسلامي الحديث"، وكان كتاب "المعالم" من ضمن ما استند إليه الشقاقي في "كيفية الصياغة الثورية للفكر الإسلامي". فسيد قطب تم النظر إليه في حركة الجهاد من زاوية تحقيقه "للشرط الذاتي" لعمليتي البعث والنهضة، الشرط الذاتي كمحرك للذات الإسلامية التي أرادها متميزة وواعية بأزمة التحدي الغربي للأمة[8].

إذن إن ثورية قطب وأفكاره تشظت على مجموعات ورجالات مختلفة التوجهات والعمل الحركي الإسلامي.

اعتذاريات القطبيين.. ومنهجية قراءة فكر قطب

أما فيما يخص المسألة الثانية فيميل المدافعون عن قطب، إلى أن المسألة لا تعدو أن تكون مشكلة قرائه، لا مشكلته هو. ويعتذرون بأدبيته عن فقهيته، وبليونة تعبيراته عن دقة مدلولاتها، وبأفعاله مع أقواله عن أقواله فقط، وبالجمع بين نصوصه عن بعضها فقط، وبظروف المولعين به عن مدلولات أفكاره في ذاتها، وأن الظروف أوصلتهم إلى ما أوصلتهم إليه. وهنا يحسن أن نذكر ملحوظات منهجية في التعامل مع الأفكار، ومع فكر سيد رحمه الله تحديدًا.

1 - ضرورة النظر لملابسات تأليف الكتاب:

إنه لا بد من النظر مرة أخرى في ملابسات تأليف الكتاب الذي يُرجع إليه، وأن مصنفات كاتب ما ليست جميعها على الدرجة نفسها من العمق والتحرير أولاً، فمنها ما يكون في ابتداء الأمر، ومنها ما يكون لأغراض أخرى؛ فقد كان من عادة العلماء قديمًا أن يصنفوا الكتب في بداية طلبهم، لمجرد النفع الذاتي، وثانيًا لأن الكاتب نفسه قد يطرأ عليه تغيير في فكره فيرجع عن شيء دوّنه قبلُ. وهذا لا بد من تحريه بالوسائل المنهجية المعروفة لدى المعنيين بهذا الشأن.

نضرب مثلاً للأول، بالإمام الحافظ ابن حجر الذي قال في أََخِرةٍ من حياته: "لست راضيًا عن شيء من تصانيفي؛ لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتسنَّ لي تحريرها سوى شرح البخاري ومقدمته والمشتبه، والتهذيب، ولسان الميزان. وأما سائر المجموعات فهي كثيرة العَدد، واهية العُدد، ضعيفة القوى، خافية الرؤى"[9].

ونضرب مثلاً آخر بالإمام الحافظ الذهبي الذي قال: "كتاب مستدرك الحاكم كتاب مفيد، وقد اختصرته ويعوز عملاً وتحريرًا"[10]. وأمام هذه النصوص يتبين لنا الخطأ الذي يقع فيه عديد من الباحثين المعاصرين حين يتجاهلون هذه الكلمات أثناء تعاملهم مع تلك المصنفات، فيشنع بعضهم على الذهبي مثلاً لكونه سكت عن حديث ضعيف أو موضوع في المستدرك!، أو لخطأ وقع من ابن حجر في كتبه التي لم يحررها ومات غير راضٍ عنها!.

وللثاني نضرب مثالاً بالإمام الكبير الشافعي رضي الله عنه، ومعلوم أنه تراجع عن مذهبه القديم ولم يُحلّ الرجوع إليه باستثناء مسائل معدودة يعرفها أهل الفقه.

وفيما يخص سيدًا، وهو قاصر عمن سبق ذكره مكانة، غير أن المنهج نفسه ينطبق عليه، فقد ذكر القرضاوي في مذكراته[11] فقال: "حدثني الأخ د. محمد المهدي البدري أن أحد الإخوة المقربين من سيد قطب -وكان معه معتقلاً في محنة 1965م- أخبره أن الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله، قال له: إن الذي يمثل فكري هو كتبي الأخيرة: المعالم، والأجزاء الأخيرة من الظلال، والطبعة الثانية من الأجزاء الأولى، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته، والإسلام ومشكلات الحضارة، ونحوها مما صدر له وهو في السجن، أما كتبه القديمة فهو لا يتبناها، فهي تمثل تاريخًا لا أكثر. فقال له هذا الأخ من تلاميذه: إذن أنت كالشافعي لك مذهبان: قديم وجديد، والذي تتمسك به هو الجديد لا القديم من مذهبك؟.
قال سيد رحمه الله: نعم، غيرت كما غير الشافعي رضي الله عنه. ولكن الشافعي غير في الفروع، وأنا غيرت في الأصول!".ا.هـ

هذه الشهادة التاريخية لها قيمتها التي لا تنكر، ومع ذلك يجب أن نحتاط منهجيًّا فيها، ويكون ذلك بالدراسة المتأنية لأفكاره قبل السجن وبعده، ورصد المتغيرات التي طرأت عليه، ويدعم تلك الشهادة شهادة أحمد عبد المجيد الذي كان من الدائرة الأولى التي تجالس "قطب" وتأخذ منه مباشرة، وتأثرت بأفكاره تأثرًا كبيرًا، وهو يقرر أن التغير طرأ في السجن وفي أصول أفكاره (الجاهلية، الحاكمية، المفاصلة الشعورية،...). ولا شك أن آخر ما يكتب الرجل هو آخر ما ينتهي إليه فكره في كمال نضجه.

2 - تأريخ الأفكار وخطأ الجمع بين الأقوال:

بناء على ما سبق فإن من الخطأ الجمعَ الاعتباطي بين أفكاره، وحمل بعض نصوصه على بعض، فمعلوم أن فكر سيد مر بمراحل وظروف مختلفة، وتأريخ أفكاره هنا بالغ الأهمية، فلا يمكن مثلاً الاستدلال على فكره بنصوص من رسائله لأخته أيام إقامته في أمريكا (48 - 1950م) والتي نشرت في كتابه "أفراح الروح" للبرهنة على أن قائل هذا الكلام لا يمكن أن يكفّر المجتمع!. فلا بد لمن يريد أن يفهم سيد قطب أن يحيط بمراحل حياته وتطوره فيها، حتى يعرف حقيقة موقفه الذي انتهى إليه.

إن مشكلة البعض[12] ممن تحدث عما أسماه بـ"المنهج الإسلامي في الجمع بين الأقوال المتعارضة" للجمع بين أقوال سيد قطب: أنه يقع في مشابهة مذمومة، فيستعير المنهج الإسلامي للتعامل مع نصوص الوحي؛ ليطبقها على أقوال البشر!!. والفوارق المنهجية -فضلاً عن الدينية- كبيرة، فالجمع والترجيح والنسخ والتوقف، وهي الخيارات المطروحة بضوابطها للتعامل مع نص الوحي (قرآن أو سنة) المتعارضة أو التي "ظاهرها التعارض": مبنية أصلاً على نزاهة النص الديني لأنه لا ينطق عن الهوى، وعلى براءة القائل من الوقوع في التناقض أو النسيان الذي هو شأن البشر، وعلى عصمة التشريع الإلهي من خضوعه للتطور، أو اكتشاف مجهول ونحو ذلك من الفروق، دون أن ندخل في الفروق المرجعية بين نص وحي لا مناص من الاحتكام إليه، وبين نص بشري لا يضير تجاهله وعدم معرفته أصلاً!.

فكيف بعد هذه الفوارق لو علمنا أن فكر سيد نفسه تعرض لتطورات وتغيرات حكمت بها ظروفه النفسية والفكرية والوجدانية، قبل وبعد السجن؟ ضميمةً إلى ما نقل من شهادة عنه سابقًا؟!.

3 - لغة الكاتب وبناؤه المفاهيمي:

مسألة أخرى تثار في الاعتذاريات عن قطب، وهي أدبيته، ولا بد أن نقرر أن المعاني تُطلب من المفاهيم لا من الألفاظ، فمن طلب المعاني من الألفاظ ضل وتاه، وقوام الأدبية قائم على التشبيه والتخييل والتمثيل، ورقة العبارة، وسعة التعبير، وفي هذا غلبة للحس على اللفظ، وللعاطفة على الفكر، ومشكلة قطب أنه خاض بعباراته المرنة هذه في قضايا عقدية ولا بد، والمسائل العقدية يطلبها الناس من الألفاظ، والأحكام الشرعية تقوم في الحدود والعبارات، فلا يمكن تبرئة الأديب سيد قطب رحمه الله من مسؤولية عباراته.

ثم إن المفاهيم التي شرحها ونظّر لها حين تُضم إلى بعضها لا يمكن إلا أن تؤدي إلى نتائج عنيفة، من الجاهلية والحاكمية -على ما شرحه وأفاض فيه- والجهاد وفق شرحه، والبرنامج الحركي الذي رسمه في معالمه، ومنعه الاجتهاد الفقهي بتعليله السابق، والقول بتوقف وجود الإسلام، وبإنشاء المسلمين من جديد، وحصر الإسلام في الطليعة المؤمنة التي ستشكل نواة المجتمع المسلم المنشود، إلى غير ذلك.

إن إطلاقية قطب الصارمة في مجمل ما يصدر عنه بوصفه يقينًا لا يحمل الاجتهاد، وصوابًا لا يحمل شائبة من الخطأ، كل هذا يبني تصورًا ويُشيد قلاعًا، ويحطم كل الجسور؛ لأن المسألة لديه أبيض وأسود فقط والثالث مرفوع!.

أقول هذا مع علمي بأنه هو نفسه حين سُئل عن التكفير قال: إن "المسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر مما تتعلق بالحكم على الناس!"[13]، وهو بالفعل كان معنيًّا بهذا في فكره وكتاباته، وكذلك أنا لست معنيًّا هنا بأن قطبًا يكفر المجتمع أو لا، غير أن مفاهيمه لم تكن لتقف عند حدود المقدمات التي تبنيها دون النتائج التي تسكت عنها، بل كان من المنطقي أن يأتي من يستنتج من تلك المقدمات ما تحمله في طياتها وفي ذاتها!.

فكر قطب.. وضرورة المراجعة

أميل إلى النظر إلى الفكر الإسلامي -بما هو نتاج بشري- كحركة كلية بكل تنويعاته وانشقاقاته، مع ربطها في سياقاتها زمانًا ومكانًا وأفكارًا، وبأن كل فصيل يؤدي دورًا في زمنه، اتفقنا أو اختلفنا معه، وهذا يكمن في بحث التساؤل الكبير أمام نشأة كل فكر أو اتجاه: لماذا نشأ هنا والآن، زمانًا ومكانًا وفكرًا؟ وفي مواجهة من.. وماذا؟ ولماذا ينمو ولماذا يخبو؟ غير أن الحركة (الكلية) للفكر لا بد أن تحصّل فوائد في نهاية النظر، بحسب النتائج التي أنتجها هذا الفكر أو الاتجاه، والأغراض التي أداها، سلبًا وإيجابًا، وهكذا يمكن أن تُقرأ المسارات البارزة في الفكر الإسلامي من ظهور الشافعي -مثلاً- إلى ابن تيمية إلى.. سيد قطب مع حفظ التفاوت في المكانة بينهم.

الصحوة الإسلامية، ومفهوم "الغرب"، والدور الإسلامي، ومتغيرات أخرى جعلت تشخيصات قطب جزءًا من التاريخ.

وإذا كان فكر قطب قد نشأ في الظرف الذي شرحته ومتزامنًا مع سؤال الندوي، فنشأة ظاهرة "الصحوة الإسلامية" التي اكتسحت المجتمعات الإسلامية برمتها منذ منتصف الثمانينيات لا بد أن تفرض نظرًا جديدًا في تشخيصات قطب للمجتمع والأمة، والتغير الكبير الذي طرأ على الغرب طوال العقود الثلاثة الأخيرة جعل من تشخيصات قطب له جزءًا من التاريخ، وقَصْر قطب الدورَ الإسلامي المنشود ضمن إطار القيم فقط، مُنبنٍ على ذلك التصور البسيط عن الغرب، كما كان شأن الندوي -رحمه الله- في سؤاله وتشخيصه.

أمكن الآن الحديث أيضًا عن ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين معرفيًّا أيضًا[14]؛ فقد نضج العقل العربي والمسلم عبر هذه العقود، وتعمقت معرفته بالغرب، معايشةً ودراسةً، وفهمًا. فنخبنا الثقافية تعلمت هناك، وتجاوزت حالة "الانبهار" به، وبدأت حقبة جديدة أظهرت نقداً لاذعاً وعميقاً للغرب بمختلف أطيافه، وبالتأكيد ساعد على ذلك أيضًا كتابات فلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال هابرماس وفوكو وهايدغر.. وغيرهم. في حين أن سيد قطب عاش سنتين فقط في أمريكا، ويبدو لي تشخيصه لأزمة القيم الغربية الذي هو غير خارج عن التصور العام السائد في ذلك الحين: من خلال اعتماده على أمثال ألكسيس كاريل الذي اعتمد عليه بكثرة في تشخيصه للحضارة الغربية والدور المنشود للإسلام[15]، فضلاً عن إفادته من تشخيص الندوي الذي كانت كتبه معه في سجنه، وقد كانت معرفته بالغرب كما بدت من خلال نُقول بعض الغربيين التي اطلع عليها، ومن خلال "مشاهدات" عابرة وقعت له ولبعض من حوله. وخلص إلى أن الذي يقبله الإسلام من الحضارة الغربية المادية هو الجانب المتعلق بالأمور المادية الصناعية التكنولوجية، وهو التصور البسيط الذي كان سائدًا أيضًا.

إنه انطلاقًا من نقد الحداثة، تفتَّحت معرفة العرب والمسلمين بالغرب فبصروا بالعيوب المزمنة داخل النسق الثقافي والعلمي الغربي، وأصبح ممكنًا الآن بهذه المعرفة إقامة مقارنات بين أنظمة معرفية مختلفة، والتعرف على بنية الأجهزة المعرفية (مفهوم العقل، ونظرية المعرفة)، واكتشاف مميزاتها وعيوبها. ولم تَعُد تلك الرؤية البسيطة للفصل بين الآلة والقيمة في الحضارة الغربية دقيقة، بل هناك حديث عن بعد أنطولوجي للتقنية الآن، وحيادية التقنية ما عادت موضوع تسليم كما كانت.

فضلاً عن أن نظرية المواجهة العنيفة مع الأنظمة الحاكمة، والمواجهة العنيفة مع "الجاهلية الغربية" -وقطب يقول بكل ذلك- أثبتت التجارب فشلها، وبينت الأحداث التي شهدناها داخليًّا في الثمانينيات والتسعينيات، وخارجيًّا بدءًا من أحداث سبتمبر كارثية هذا الخيار، وأضراره على الأمة.

كما أن الهيمنة الأمريكية العسكرية على قلب العالم الإسلامي، والمقاومة الفلسطينية، والمحن المتوالية على الأمة، والتحديات التي تواجهها الآن، واتخاذ الصراع عناوين وممارسات دينية: أدت إلى تمسك شديد بالهوية الإسلامية، فما عدنا بحاجة إلى الحفاظ على إسلامنا بالوقوف عند تخوم "المشاعر" ببث الثقة في النفوس، والوقوف عند فكر الهوية والعودة إليه من شأنه أن يزيد من تأخرنا ويضيع علينا المزيد من الوقت لأجل البناء الطويل الذي نحتاجه. والتغيير والتطوير لا يمكن أن يتوقف لأجل أنه يوافق هوىً أو شعارًا خارجيًّا أو داخليًّا، المهم أن نعلم ما نحن بحاجة إليه ونعمل وفق أولوياتنا دون تجاهل لما يجري حولنا، مع الحرص على الفصل والتمييز بين ما هو سياسي داخلي أو خارجي وما هو معرفي يمليه البحث والدرس للواقع.

تابع في الملف:


كاتب وباحث سوري

[1] سيد قطب، معالم في الطريق، القاهرة، دار الشروق، المقدمة.

[2] يقول أحمد عبد المجيد وهو من تنظيم 65 الخاص في شهادته عن قطب: "حدث تغيير في أفكار سيد قطب، فعندما كان في مستشفى ليمان طرة، طلب من أسرته كتب الشهيد "حسن البنا"، والأستاذ "أبو الأعلى المودودي"، فبدأ يتنبه إلى أمور كانت غائبة عنه، خاصة في ضرورة التركيز على موضوع العقيدة، ثم بدأ يطلب كتب "ابن تيمية" و"ابن القيم"، وبدأ التغير في تفكيره وكتاباته، وظهر ذلك جليًّا في الطبعة الثانية من الظلال، بدءا من الجزء (13) والأجزاء الأخيرة، وكتاب "خصائص التصور الإسلامي"، و"مقومات التصور الإسلامي" و"معالم في الطريق". (الشهادة منشورة ضمن هذا الملف).

[3] عبد الله عزام، عملاق الفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب، باكستان، مركز شهيد عزام الإعلامي، ط1، ص27

[4] في تصريح مع كميل الطويل، أبو قتادة": الظواهري "حكيم الحركة الإسلامية" وكتاب الزيات عنه "انتقام" و"حالة شاذة"، الحياة 2004/05/12

[5] أبو قتادة (عمر محمود أبو عمر)، الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج، (نسخة إنترنت) فصل (الجهاد والتغيير)، ص45

[6] المرجع السابق، ص48

[7] انظر: صالح سرية، رسالة الإيمان، ضمن: رفعت سيد أحمد، النبي المسلح 1991م.

[8] انظر أنور أبو طه، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، رسالة جامعية في علم الاجتماع السياسي، الجامعة اللبنانية، 1999م، فصل: "أيديولوجيا الإسلام المحارب". سنة 1999م.

[9] قال ذلك في المعجم المؤسس له، ونقله عنه السخاوي أيضًا، ونقله: الكتاني، فهرس الفهارس، تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ج1ص337 .

[10] الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج17ص167.

[11] مذكرات القرضاوي، وقفة مع سيد قطب، موقع إسلام أونلاين.نت.

[12] كصلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب، (أعلام المسلمين)، دمشق، دار القلم، ط1، 2000م، ص580

[13] سيد قطب، لماذا أعدموني، الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، ص36

[14] عالج هذا السؤال: عبد الرحمن الحاج، في مقاله: فلسفة العلم.. أزمة المعـرفة في سـياق الحـداثة ، مقال منشور في موقع "إسلام أونلاين.نت".

[15] نقل عنه مثلاً في "المستقبل لهذا الدين" الذي صدر سنة 1960م نحو 10 صفحات، وفي "الإسلام ومشكلات الحضارة" الذي أصدره سنة 1962م نحو 15 صفحة في فصل بعنوان كتاب كاريل نفسه "الإنسان ذلك المجهول"، فضلا عن تكرار نقله عنه في مواضع متعددة من الكتاب.