مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الجهاد كفعل مرئي

مفردات الصورة البصرية وعناصرها المتحكمة

محمد عبد العزيز / 02-08-2004

بعد أن تحدثنا عن الصراع بأبعاده الماضية والمستقبلية المختلفة والمحتملة، بصدد تلك المنطقة من العالم ذات الأهمية القصوى في خطوات حسم الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب حاليًا، نتوجه إلى تناول تحليلي للصراع، ولكن على مستوى آخر هو المستوى البصري من وجهة النظر الإسلامية والممثلة في فيلمي "انتصارات العيد" و"جحيم الروس3"، التي تقتصر بداية على المستوى الظاهر أو بتعبير أدق: الإجابة على سؤال ما هو الهدف من الفيلم؟ والتي تتمثل في العملية الدعائية، ولكنها دعائية لجمهور ودعوية لآخر، وذلك ما سنتبينه فيما بعد.

ما بين الدعائي والدعوي

يتناول الفيلمان نقطة انطلاق بصدد هذا الصراع، هي أن مسألة خوض الحرب ضد القوات الروسية هي أرقى أنواع العبادة والطاعة لله بالنسبة للفرد المسلم أو المجاهد، وهذا هو العنصر الفارق في وصول الرسالة الإعلامية إلى كل من جماهير الغرب وخاصة الروس، وجماهير العالم الإسلامي، فالمجاهدون يخوضون الحرب من ثابت مرجعي وليس من عابر واقعي مثل المصلحة السياسية الوقتية أو غيرها، ومن ثم فإن الرسالة الأولى الواصلة للغرب تتمثل في أن الحرب لن تتوقف حتى يكتمل المشروع الإسلامي باسترداد كل الأراضي التي كانت تستظل بالحكم الإسلامي على مدى فترة امتداد الحضارة الإسلامية، فالوعد هو بحرب طويلة الأمد، ونجد ذلك في أحد الخطب الموازية للصورة في فيلم جحيم الروس بمنتهى الصراحة، حيث يصنف فرضية العين على كل مسلم بالنسبة لفريضة الجهاد مستمرة حتى استرجاع الأندلس ونصف فرنسا، فالقوى الجهادية هي قوى حماية الثوابت مهما امتد الوقت، حتى أن فترات الهدنة هي فترات لالتقاط الأنفاس.

ولعل هذا المستوى التصريحي غير مخفي، ولكنه ثابت من ثوابت استرجاع الحق المسلوب من الغرب، ومن ثم التعامل معه. بالإضافة إلى ذلك نجد أن عملية التصريح بذلك، وخاصة في ظل تصاعد الخسائر التي مُني بها الجانب الروسي، ليس لها من معنى سوى الفشل الحتمي لهذه الحملة العسكرية. وبذا فإن كل هذه الرسائل ما كانت ستتمكن من الوصول إلى القوى الغربية إلا باقتحام المجاهدين المجال البصري الإعلامي في سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها بالنسبة لهم، فالمركزية الغربية كانت بمثابة المرسل أو بؤرة الإرسال الدعائي لباقي الأطراف الهامشية، ومن ثم فالرسالة والوقائع مرهونة بالمزاجية الغربية وبالتالي إلى أي مدى سيكون من حق الآخر في أن يعلم.

إلا أن اقتحام المجاهدين هذا المجال المرئي قد جعلهم بصدد تقويض هذه القوى المركزية، خاصة بعد رخص وتوافر وانتشار وسائل صنع وعرض الأفلام، فالمسألة هنا هي عرض صورة أخرى مناقضة لصورة المركز الغربي المهيمن، فنظام الحجب المتبع بات يستحيل التعايش معه، فبودريلار قد وصف المعركة الدعائية أو وسائل الإعلام التي ملكها التيار الجهادي بأنها "من بين أسلحة السستام التي قلبوها عليه، استغل الإرهابيون ( يقصد   المجاهدين) الزمن الواقعي للصور، وبثها العالمي الفوري. وقد تملكوها كما تملكوا المضاربة في البورصة، والإعلام الإلكتروني والنقل الجوي"[1]؛ فكل التدابير العولمية التي تعمل بصدد تصفيد وتصفية كل القوى الأخرى المناهضة وعلى رأسها القوى الإسلامية، قد أصبحت في نفس الوقت الوسائل المساعدة في انتقال الآخر (المسيطر عليه) من الطرف الهامشي الهامد إلى المشاركة الفعالة في المركز البصري وذلك لأن "دور الصورة على درجة كبيرة من اللبس؛ لأنها في الوقت الذي تعظم فيه الحدث تتخذه رهينة، إنها تلعب دور التكثير إلى ما لا نهاية، وفي الوقت نفسه دور الإلهاء والتحييد. وهذا ما نغفل عنه دائما في معرض حديثنا عن (خطر) وسائل الإعلام"[2]؛ لكن عندما تكون الصورة وفق إطار من المشاعية والتداول فإن الحقائق والرسائل والأفكار ستتغير تبعا لذلك، فالقضية التي نحن بصددها (الشيشان) ما كانت ستأخذ تلك الأبعاد الحالية والمعلنة، وبالتالي ردود الأفعال المختلفة والمتعددة بشأنها دونما العامل البصري، فالحجة الغربية بأن المشكلة الشيشانية مشكلة داخلية روسية أصبحت غير ذات جدوى في الإقناع، خاصة بعد ظهور العامل البصري الذي أظهر عقيدة وكيان الشيشان المستقل والمقاوم وكذلك إلى أي مدى يؤثر في الجيش الروسي.

بالنظر لفيلم انتصارات العيد نجد أن الحرب التي يخوضها المجاهدون ما هي إلا مجموعة من الكمائن المنصوبة ضد القوات الروسية، فالعدو بالنسبة للقوات الروسية هو الغيب بعينه، فهو مجهول المكان والزمان والشكل، وكذلك جزء حرب الألغام في جحيم الروس (ج: 3) ما هو إلا للتدليل على التغيير النوعي لأشكال المقاومة والحرب ضد القوات الروسية، حتى إن فيلم انتصارات العيد جاءت عملية تصويره بسبب مفارقة كوميدية، فالكاميرا التي تم تصوير هذا الفيلم بها تم أخذها كغنيمة من عتاد إحدى كتائب الجيش الروسي بعد إبادتها بالكامل، حيث إن هذه الكاميرا كانت مرافقة لهذه الكتيبة لتسجيل انتصاراتها على المجاهدين الشيشان.

ولا أدل على قوة هذه الرسالة الإعلامية من عرض جزء من أحد الأشرطة المصورة من قبل القوات الروسية لاستعدادها لمقابلة المجاهدين الشيشان، ويظهر بالصورة القادة والضباط الروس قبل المعركة، وبعد ذلك تعرض لقطات لنفس الأشخاص (القادة والضباط الروس) من وجهة نظر المجاهدين الشيشان (بعد اغتنام الكاميرا)، ولكن كجثث وأشلاء بين الأشجار وفي نفس الموقع، لذلك فالمجاهدون الشيشان قد لعبوا لعبة دعائية قوية بصدد القوات الروسية أثبتت نجاحها حتى الآن، من خلال الأفلام المصورة لعمليات القتال.

لينين

فالنظم التوتاليتارية ذات المعرفة الاحتكارية لا تستطيع الاستمرار بنفس منهج التعمية مع التقدم التقني لوسائل الاتصال، "فالتخلص من الماركسية، هو النتيجة الأولى لإشاعة الإلكترونية في العالم الشرقي المتعلم. إن هيرتز - بيل Hetrz - Bell قد قتلا ماركس - لينين. فالحزب الواحد لم يكن ليتلاءم مع الهاتف. الإذاعة بإمكانها أن تتآلف، بينما الترانزيستور شكل الحد الفاصل"[3]؛ فالنظام الشمولي ما عادت مقولاته تستطيع أن تستمر بغير حجج بصرية، ولعل هذا ما فعله المجاهدون في الشيشان بصدد الكيان الروسي، فتصريحاته الإعلامية وخططه الإجرائية المعلنة ما عادت تنطلي على الجماهير الداخلية بعد أن كُذبت من قبل المجاهدين مرئيا. هذا من جانب.

أما من الجانب الآخر فإن هذه الأفلام تلعب لعبة أخرى قد تكون أشد تأثيرًا، ولكن على جمهور مخالف، ألا وهو جمهور العالم الإسلامي، وهذا ما نسميه بالدور الدعوي حيث تأليف الآراء حول فكرة العقيدة كباعث لقيم التعامل السياسي مع الغرب، ومن ثم تصفية فكرة المصلحة الوطنية أو القومية كنظام قيمي يمثل أساس التعامل، سواء مع القضايا السياسية أو الدينية، لذا؛ فالدعوية تأتي من خلال تصفية الكيانات السياسية الهزلية الحاكمة لدول العالم الإسلامي، فلو نظرنا نجد كل دولة من دول العالم الإسلامي تحكم بواسطة نظام سياسي مخالف، وأحيانًا مناقض، لنظام الدولة الإسلامي الأخرى مما جعل المقاصد العامة والخاصة بكل قطر مختلفة عن الأخرى، وبالتالي انعكس ذلك على الحلول المطروحة من قبل كل قطر بصدد المشاكل المهمة التي تواجه العالم الإسلامي، ولسنا نحن فقط نقول "العالم الإسلامي" فالغرب يدعونا كذلك على الرغم من اختفاء الكيان السياسي ذي البعد الجغرافي.

ولعل ذلك ما تدعو إليه الصورة الفيلمية في تلك الأفلام، حيث يتحرك المجاهدون لإنقاذ الكيان الخفي أو الكيان غير المعلن للدولة الإسلامية، أو بتعبير أدق: الخلافة المستترة كمفهوم. فالمسألة تتلخص في تقديم الأدلة الشرعية المصاحبة للفعل المعلن: مشروعية فعل القتال والدفاع عن الدولة، حيث إن أحكام العقيدة الخاصة بالجهاد سارية حتى مع اختفاء الكيان السياسي وانقطاعه في إحدى الفترات الزمنية والتي نمر بها الآن، فحركة المجاهدين هي عملية تعطيل للظرف الزماني الآني والمعلن، وإخضاعه لثوابت العقيدة. فالمسألة تتلخص في إخضاع التاريخ الرسمي لشروط العقيدة من خلال استرجاع الخلافة الإسلامية الذي هو دافع عقيدي وحلم تطبيقي مرجو، ولن يتحقق ذلك إلا بتفعيل فريضة الجهاد، ولعل ذلك ما قدمته الصورة الفيلمية بتقديم الجهاد بشكل مرئي، فالحدود الجغرافية للخلافة ما تزال قائمة بالنسبة لحركة المجاهدين على الرغم من اختفاء الكيان السياسي.

الجهاد كفعل مرئي

 "الجهاد ينبوع العفة، ومعين الكرامة ومورد الصفاء، وموطن ثقل النفس البشرية وارتفاعها من إرهاقها وتحطيم قيودها وأثقالها. الجهاد كما شبهه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذروة سنام الإسلام".

هذه الكلمات هي جزء من إحدى الخطب المكونة لشريط الصوت في فيلم جحيم الروس (ج: 3)، ولعل هذه الكلمات التي تصف هذه الفريضة هي بمثابة تعريف مبسط ختم بتشبيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجهاد بسنام الإسلام، ومن ثم فالجهاد هو فريضة يصعب تفسيرها خارج الإطار الإسلامي؛ فظاهر هذه الفريضة هو تطابق الإيمان مع العمل أو مثالية الاعتناق وتفعيله، فالجهاد هو الانتقال بالعقيدة من حيز الفكرة المعتنقة إلى حيز التطبيق. وتكمن قيمة الفيلمين [انتصارات العيد، جحيم الروس] في تقديم الجهاد كفعل مرئي محدد بالإضافة إلى عرض أشكاله ودوافعه وغاياته. فالفعل هنا (بصريًّا) أصبح مفهومًا مركبًا.

فمع انقطاع المرجعية الإسلامية في المجتمع أصبح مفهوم الجهاد أو كلمة الجهاد كلمة آتية من التاريخ، أي بمثابة طيف غير محدد الصورة الذهنية، فالكلمة بذلك تصبح لمدلول ماض، خاصة أنها كلمة مقروءة أو مسموعة، سواء في القرآن أو السنة، من خلال الخطب الأسبوعية أو البرامج الدينية، ومن ثم فالكلمة كدال كانت تحمل مدلولا نسبيًّا خاضعًا لدرجة تلقي وتفاعل وتصور الإنسان له، فالفعل الجهادي كان منقطعًا، خاصة أنه مرتبط بعقيدة خاضعة لعمليات تهميش، ولدولة غير موجودة على المستوى الرسمي، فعند تقديم الجهاد من خلال أفلام أو صيغة بصرية، فإن تأثير الصورة يسهم في تأطير المفهوم وذلك من حيث استيعاب المتلقي له، حيث الانتقال من مرحلة الطيف والنسبية إلى مرحلة التحديد والتعيين، حيث محاولة وضع شروط إدراك الفعل فضلا عن الانتقال به من مرحلة الانقطاع، إلى مرحلة الاستمرار والتوالي والرغبة في محاكاته، وهنا يتحقق الدور الدعوي.

بالنظر إلى الفيلمين، وخاصة مشاهد تجمع المجاهدين قبل خوض المعارك، نلحظ أول ما نلحظ المكان الذي يتم التجمع فيه وهو الأرض الشيشانية موقع دوران الأحداث والمعمعات، فهو مكان ثلجي في أحد الغابات يقع في شمال القوقاز، حيث الظروف المناخية المتناقضة والمتباينة؛ وبالتالي الشديدة، ثم بإمعان النظر في المجاهدين نجد أنهم ينتمون لجنسيات إسلامية شتى، وقد قطعوا مئات بل آلاف الأميال في سبيل خوض معركة، أو بتعبير أدق تطبيق فريضة، ومن هذه الصورة نستشف أول معنى بصري ظاهر هو القتال كأحد مدلولات مفهوم الجهاد وهذه هي أهم رسالة يطرحها العمل الفيلمي.

فلو نظرنا في مشاهد التجمع -ونحن لم نتكلم بعد عن مشاهد المعارك والاشتباك- نجد أن الرسالة الواضحة الأولى هي التجمع على فكرة واحدة أو عقيدة واحدة على مستوى التطبيق والتصرف والسلوك، ومن ثم الاصطلاح على خوض الصعاب من خلال الجهاد كفعل حركي ظاهر، يعد أول مدلول اقترن به هو القتال أو البعد العسكري الإسلامي، لذلك فإنه قبل أن نتكلم على المستوى الظاهر يجب ألا نقلص المفهوم في هذا البعد بداية، بل يجب أن نتطرق إلى دافع الفعل ومحركه، أو بتعبير أدق ما هي الإحالة التي يقودنا إليها فعل الجهاد الحركي الممثل في القتال؟ ولعل ذكر مشاهد تجمع المجاهدين والتي تحمل تفاصيل قد يجملها المتلقي في عملية تلقي ونفسية الصورة التي تتمثل في الاستفسارات الداخلية له عن أسباب الهجر لوسائل الترف أو لرغد العيش أو الحياة المستقرة، ومن ثم كيفية الحياة في هذه الأرض التي لا يملك فيها أهل أو عزوة أو زوجة أو... إلخ، كل هذه الاستفسارات تساعدنا على استيعاب مفهوم الجهاد كبعد عقيدي بداية يتم تجسيده بصريًّا، ومن ثم محاولة إدراك نماء هذا المفهوم في الإنسان المجاهد وتراكمه بداخله حتى يصبح عملا حركيًّا، ولعل الصورة الفيلمية قد أسهمت في فهم واستيعاب المفهوم الديني من خلال طرح الاستفسارات بصدده، ومن ثم فالجهاد - كمفهوم - نجد أنه مركب ومتصاعد تكون المرحلة القتالية هي مرحلة ظاهرة فيه وليست كلا له، ولعل تحركنا معه سيبدأ من المرحلة المفهومية العقيدية الباطنة حتى تجلياته وحركته القتالية العلنية.

الجهاد كمفهوم معنوي

الرجوع إلى أصل كلمة "جهاد" قد يسهم في عملية جلاء واستيضاح هذا المفهوم المركب الذي نحن بصدده بصريًّا، فالجهاد "مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة، يقال: جاهد يجاهد جهادًا ومجاهدة، إذا استفرغ وسعه، وبذل طاقته وتحمَّل المشقة في مقاتلة العدو ومدافعته"[4].

هذا التعريف قد ربط مفهوم الطاقة بالعملية القتالية والحربية، دونما النظر إلى مرادفاته الأخرى المتعددة، أي دون التطرق إلى المدلولات الأخرى له، ولكن ابن عباس قال: "هو استفراغ الطاقة فيه وأن لا يخاف في الله لومة لائم"[5]، والمقصود هنا المؤمن أو المجاهد، وهذا التعريف نجده أكثر عمومية وشمولا، حيث يدل على أن الجهاد نمط من السلوك بالنسبة للمؤمن عامة في حياته ودنياه التي يحيا فيها، ولكن أيضا نخلص من التعريفين السابقين إلى أن العملية الجهادية أو الجهاد عامة عملية تحريك للطاقة، فالتعريفان يتفقان على صيغة تفعيل للطاقة أو الجهد وانتقالها إلى التداول العملي، فكلمة جهاد على وزن فِعَال ومجاهد على وزن مُفاعِل، لذا فالكلمتان هما عبارة عن عملية تحريك وتضخيم وتوجيه لمسمى أو جذر لغوي متأجج وحركي أصلا ألا وهو الجهد، فهي إذن عملية ربط الأصل المعجمي واللغوي بدور اصطلاحي هدفه التربية والإرشاد، وما كان له أن يتم إلا في إطار العقيدة والدين.

فالجهاد هو تفعيل وتوجيه لطاقة الإنسان الروحية والمادية من خلال العقيدة، حيث إن "جهاد أعداء الله في الخارج فرع عن جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلا له فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لن يمكن جهاد العدو في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يجابهه في الله"[6].

ومما سبق نجد أن البداية بالنسبة للجهاد هي المتمثلة في جهاد النفس، وذلك بتوجيه الطاقة الدافعة إلى ارتكاب المعصية: إلى طاقة سامعة ومنفذة للأوامر الإلهية، وما دام الإنسان قد وصل بتوجيه ذاته أو نفسه أو عدوه الأول كما وصفه ابن القيم حتى يتمكن من مجابهة ومجاهدة عدو الخارج، فالمسألة هي تحرك من الداخل إلى الخارج أو من الأصل الباطن إلى الفرع الظاهر، حيث إن الجهاد ببدايته بالنفس حتى الخارج ما هو إلا عملية تنامي بالإيمان من الخفاء إلى العلن ومن الفكرة إلى المزاولة، لذا فالنفس (العدو الأول) وعدو الظاهر (العدو المحارب) ما هما إلا "عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويرجف به ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الخطوط وفوت اللذات والمشهيات ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما وهو الشيطان"[7].

الجهاد إذن مفهوم متنامٍ ومتتالٍ، ومن ثم فهو بنائي ومتراكم، لذا فالجهاد كمفهوم مطروح من خلال الكلمة لا يدل على ما يندرج تحته إلا بالممارسة بالنسبة للمؤمن، فحياة المؤمن هي شكل من أشكال الجهاد أو هي مرحلة ظاهرة (بالنسبة للسلوك) من مفهوم عام مشكل للحياة، فتصنيفات ابن القيم لأعداء المؤمن (الشيطان، النفس، عدو الخارج) ما هي إلا المراحل الثلاث التي يعمل بصددها الجهاد، والتي يتم فيها استفراغ الطاقة أو الجهد بشكل مختلف عن الآخر وبمتطلبات متنوعة، فطاقة مواجهة النفس لها متطلبات تختلف عن إجراءات عدو الخارج الواضحة أو عن مواجهة الشيطان العدو الخفي والمثبط للهمم والدوافع، ومن ثم فعلى الرغم من أن الطاقة الفاعلة بصدد الأعداء واحدة، ألا وهي طاقة الإيمان بالعقيدة، إلا أنها قادرة على التصاعد والتشكل لمواجهة الأخطار المحيطة بالمؤمن، حيث فاعل الأوامر الإلهية في الأرض، فالجهاد نوع من الطاعة والطاعة خلق بالنسبة للمؤمن، "والأخلاق هي طريق إدراك معنى اللامتناهي"[8].

فالتخلق بالعقيدة هو أسلم طريق للوصول لله عن طريق التصاعد بالمجاهدة، فالجهاد يمثل منظومة كاملة من الأفعال الخلقية الممثلة لصلب وأساس العقيدة، حيث إن "هناك ضربين من الأخلاق "أخلاق السطح" و"أخلاق العمق". فأخلاق السطح هو ما انحصر من الأفعال في التعلق بالمتناهي، بينما أخلاق العمق هي ما ارتقى من الأفعال إلى صلب اللامتناهي، إلا أن الفصل بينهما ليس هوة لا تتخطى، بل قد يتخطاها من ركب شعيرة من الشعائر الإلهية، فتعرج به من وضع له نهاية إلى أفق ليست له نهاية، وهيهات أن يتخطاها الإنسان بشعائر يضعها من عنده؛ لأن المتناهي لا يأتي منه إلا المتناهي"[9].

إن الفعل يفقد قيمته المثالية، أو بتعبير أدق يفقد صموده، على مر الزمن إذا كان مقترنًا بأهداف دنيوية أو دوافع عرضية، ولعل ما يميز الإسلام عامة أو ما يرجع سبب عودة الإسلام كحضارة هو أن منظومته الأخلاقية قائمة على الغيب حتى إن فكرة الجهاد الظاهر والممثل في القتال كما نرى في الأفلام هي مسألة تطبيق عقيدة ارتبطت باللامتناهي (الله سبحانه وتعالى) ومن ثم قيم الثبات والأبدية، والالتفات عن القيم الوقتية والممثلة في المصلحة السياسية القريبة أو المفهوم الوطني المتحول والمتغير تبعاً لعقائد وأفكار حاكمية. فالجهاد -فضلا عن كونه عادة- هو خلق ومنهج للحياة، ومن ثم مجموعة من الانضباطات التي يسير عليها الإنسان، والتي تعتمد بداية على النوايا، فصلاح الأفعال مرهون بإخلاص النية والقلب.

الجهاد كفعل ظاهر

عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر وهو يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". رواه مسلم.

تحوي أي عملية عسكرية مجموعة من الشروط حتى تتحرك وتتم، ومن أهم هذه الشروط:

أولا: العقيدة القتالية وهي تحوي بداخلها الهدف من الحرب.

ثانيا: عمليات التأهيل والتدريب بالنسبة لأفراد الجيش.

ثالثا: شكل وطريقة المواجهة.

وهذه الشروط بالطبع نجدها في العسكرية الإسلامية، فأول إذن بالقتال أو بتفعيل الجهاد في أحد معانيه الحركية قد جاء بعد الهجرة إلى المدينة، أي عند بداية استقرار الإسلام ككيان حيث الدولة والدعوة، ومن ثم جاء القتال كهدف لحماية الإسلام من كافة أعدائه فقال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)، فإذن الجهاد قد ورد من الله عز وجل، وشرط المواجهة العسكرية خاضع للنص، ولعل شرط القتال لم يأت لحماية الإسلام ككيان جغرافي أو كمغنم سياسي تم اكتسابه، ولكن "كل قيمة للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج الله وسلطانه فيها. وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهاج و"دار الإسلام" ونقطة الانطلاق لتحرير"الإنسان".." [10].

فالشرط الأول في خوض المعارك أو العقيدة القتالية والهدف من الحرب نجد أنه في الإسلام خاضع ومأمور بالنص ومشروط به، أما الشرط الثاني في خوض المعارك والخاص بالتأهيل والتدريب فبالنظر في السنة الشريفة نجد أنها تناولت عملية التأهيل بشكل متتال ومتصاعد وذلك بعد نص الاستعداد (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). فالرسول صلى الله عليه وسلم -في حديثه الذي افتتحنا به حديثنا عن العسكرية الإسلامية- يتضح من خلاله تذكيره وإبرازه صلى الله عليه وسلم لشرط الاستعداد هذا، وهو تعلم الرمي الذي يسبق العملية القتالية بصدد الأعداء، وهذه هي المرحلة الثانية لعمل المفهوم الجهادي بالإنسان المؤمن، فمن الحديث الذي أسلفنا ذكره (المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) المركّز على فاعلية البعد الإيماني في الإنسان، ينتقل بعد ذلك في وجوبية البعد الإجرائي أو شروط الاستعداد لملاقاة العدو، والتي هي في ذات الوقت منسوبة إلى التوفيق الإلهي حيث (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، فالعقيدة تتعامل مع التأهيل العملي، وتنص عليه كأحد أركانها، بل إنه بعد وجوبي في تمامها وكمالها بالنسبة للفرد المسلم، ثم بعد ذلك يكتمل المفهوم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من لم يغزُ أو يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية)، وهذا الحديث يركز على تأثير تفاصيل العقيدة (الغزو) في نوايا المؤمن، أي البعد الجواني، فالاستلهام والطاعة تتساوى بين الكلي (الإيمان) والجزئي (الغزو) ما دام ارتبط بالنص.

 كذلك لو نظرنا في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة -أي دقيقة- وجبت له الجنة)، انتقلت المسألة هنا من النوايا إلى الفعل، أي النص صراحة على فضائل تفعيل العقيدة عمليا، فالنصوص النبوية قد صاغت المفهوم العسكري بشكل متراتب فالسنة الشريفة ركزت على الجهاد بشكل كلي وعام في حياة المؤمن، ثم بعد ذلك تم تخصيص الجهاد من الوجهة العسكرية من خلال حديث الرمي هذا والأحاديث الأخرى، فالرمي هو شرط للقوة في حالتها الأولى والكلية، والرسول صلى الله عليه وسلم قد ساوى وكافأ بين القوة والرمي بل وجعل كلا منهما مرادفا للآخر، وذلك حتى يكون المجتمع الإسلامي في وضعية الاستعداد دوما، ومما سبق نجد أن السنة قدمت المعاني وشروط التحفيز والتأهيل بالنسبة للمؤمن المجاهد، حيث تيقنه بأن الاستعداد وملاقاة العدو هي أسمى درجات الإيمان.

فالعقيدة هنا ليست كيانًا وأفكارًا مجردة يقوم الإنسان باستنباط الأحكام المنظمة منها فقط، ولكنها في ذات الوقت تحتوي على بعض التفاصيل الحركية النافعة والحارسة لاستمرار العقيدة وحمايتها، لذلك يعد العمل العسكري وإتقانه جزءًا لا يتجزأ من العقيدة والإيمان بالله.

أما العامل الثالث وهو شكل وطريقة المواجهة فإننا سنتركه لما بعد التعرف على شكل وفلسفة المواجهة الغربية، أو العسكرية الغربية.

العسكرية النظامية:

مما سبق يتبين أن الجهاد -ككلمة- لا تستطيع أي لغة أن تترجمها، فهي تنطق GEHAD بالإنجليزية، حيث إنه لا يوجد معنى مرادف لها في المعجم الغربي حتى الديني منه، فالجهاد يسمى إرهابًا أو عصيانًا أو تمردًا، ولكنه لا يصنف بأنه فعل عبودية مبني على الغيب، لذلك فالكلمة العربية -الجهاد- ثابتة في اللغات الأجنبية حتى بعد كتابتها بالأحرف الغربية فمعناها ملك العربية فقط.

وبالمقابل نجد أن المفردات التي تعبر عن الأفراد القائمين بهذه الوظيفة أو الممارسين لها هي: جندي أو محارب أو مقاتل أو ثائر، وهي كلمات تصنيفية، ولعل هذه الكلمات هي المستخدمة في المعجم الغربي لتصنيف الأفراد المتعاطين مع العلميات العسكرية عامة، وبالنظر إلى هذه المفردات نجد أنها تعبر عن حالة أو واقع مادي ومرئي محدد بعينه، فالجندي هو الفرد المنتمي غالبا لجيش نظامي، أما المحارب فهو الفرد أو الجندي المنتمي لأحد فريقي الحرب الدائرة فالتسمية هي دال على شكل المواجهة والمواقعة، أما الثائر فهو الذي يخوض المعارك الداخلية مع الأنظمة الحاكمة.

فالتسمية مشتقة من واقع محدد عينيًّا وإجرائيًّا، فهي دلالة أو معنى مرادف للفعل البصري، وذلك على الرغم من أنها قد تحيل إلى بعد فكري محرك خفي، إلا أنها بالمصطلح الظاهر: دال مكون لصورة ذهنية مرتبطة عند قارئه أو سامعه بوضعية مادية للشخص القائم عليه، فهي تسمية للعمل الإجرائي فقط دونما سنده الفكري، ولعل ذلك خاضع لنمط ونموذج الإدراك الغربي للوجود وللعالم، فالتسمية اللغوية الغربية تسمية قائمة على المادي والمحسوس والبصري، ومن ثم فالجهاد -كمفهوم- يصعب إدراكه من خلال التصورات الغربية وذلك حتى على المستوى العسكري، فهو (الجهاد) يختلف عن العسكرية الغربية بشقيها النظامي والعصبي؛ لأن الظاهر الحركي لا يفيد في تقييم الظاهرة.

إن الممارسة العسكرية هي شكل ظاهر، سواء بالنسبة للجيش النظامي أو العصابات المقاتلة، إلا أنها في مفهوم الجهاد تكتسب تفردها بكونها تتحرك من مبادئ مخالفة وتتجه نحو مقاصد مخالفة، وتتباين مع الرؤية الغربية المحدثة لمفهوم الحرب. فكلاوزيفيتز يرى "أن الحرب تعد نشاطًا اجتماعيًّا، وبالتالي فإن الذي يحكم الحرب ويحدد معالمها هو العلاقات الاجتماعية، أي المجتمع الذي يخوضها ونوعية الحكومة التي يقبل ذلك المجتمع أن تسوسه"[11].

ومن ذلك نخلص إلى أن قيم خوض المعارك وضعية ووقتية؛ لأنها خاصة بالمجتمع ولتشكيلات اتخاذ القرار بداخله، وبالتالي اختفاء القيم الثابتة التي يتحرك على أساسها المجتمع، مما يؤدي بدوره إلى سيطرة منطق المصلحة وأخلاقيات المنفعة مهما اقترنت بشعارات دينية أو أخلاقية.

عملية تصنيف العسكرية وفق أطر اجتماعية، ظهر وتصاعد مع مفهوم الدولة القومية أثناء القرن السابع عشر، حيث إن "التعاقب من حروب الدين إلى معاهدات الصلح المدنية بواسطة وسائل سياسة الدولة، تحيد الصراعات الدينية، وتتماثل -تاريخيا- مع الشكل الأول لهذا التحول. هذه السياسة تضع اهتمام الدولة فوق النزاعات الحزبية، وتعضد قوة الاستقلال في علاقة بالباباوية الرومانية"[12]، وهذه الفترة هي التي تشكلت خلالها نظرية القيم السياسية في الغرب بمعزل عن القيم المعيارية الخاصة بنمط الاعتقاد وضوابطه الأخلاقية، والذي أدى بدوره إلى أن "الخبراء العسكريين في العصر الحديث ـ بخلاف كلاوزيفيتس ـ ربطوا أيضا بين الحرب والدولة، فاعتبروا أن أي عنف مسلح لا يعد حربًا إلا لو وقع في إطار دولة"[13].

فإطار المشروعية في إعلان وخوض الحرب يأتي من خلال الكيانات السياسية، وليس من عدالة القضية، حيث الكيانات الفكرية والعقائدية، لذا فالتنظيمات الجغرافية الخرائطية الحدودية الضيقة الممثلة في كيان الدولة هي الوحيدة المسئولة عن اتخاذ قرار الحرب والمقاومة، ولعل ذلك هو ما أدى إلى الاعتماد على الكيان العسكري النظامي المنفذ لأوامر الدولة أو أوامر قادتها. فالكيان العسكري النظامي هو التطور الطبيعي الجبري لشكل وخصائص نظام الدولة، حيث إن "أحد الأهداف الرئيسية من سنيّ التدريب الشاقة في كل الجيوش هي تهيئة المقاتلين ليصبحوا أداة طيعة في يد قادتهم الأصاغر، وغرس صفات الطاعة الميكانيكية الغريزية لتنفيذ الأوامر السريعة في أرض المعركة"[14].

فالهدف الرئيسي في بناء الجيش هو جعل الجنود مجموعة من الآلات المتحركة طبقا لتوجيهات القادة، والذي يسهم في نجاح ذلك هو اختفاء القيم الثابتة التي يحتكم إليها كل من مصدر الأوامر ومنفذها، حيث إنه طبقا للعسكرية الغربية نجد أن الدولة هي المطلق في صوغ المعايير، ومن ثم فالطاعة العمياء في تنفيذها من قبل الجنود، أما في النموذج الجهادي فهو نموذج يعمل خارج كيان الدولة الحدودية؛ لأنه يتعامل مع المبادئ، أي النص الذي ينصاع إليه كل من القائد والجندي اللذين يصنفان تحت مسمى واحد وهو المجاهد، "لذلك عرف الإسلام نجاحا سياسيا سريعا ومبكرا، الأمر الذي قد يشكل أحد الأسباب وراء عدم ظهور ازدواجية الكنيسة /الدولة فيه. فالمجتمع الكارزمي الأصلي لم يكن بحاجة إلى تعريف نفسه باعتباره معاديا للدولة التي ما زالت حينذاك فكرة غريبة، فقد كان هو الدولة منذ البداية الأولى"[15].

التشكيلات العصابية:

تشي جيفارا

أما لو انتقلنا لمفهوم الحروب الثورية العصابية في الإطار الغربي نفسه، سنجد أنها شكل آخر في عملية التعريف، فالمحارب أو المغاور كما وصفه أرنستو تشي جيفارا هو "مصلح اجتماعي، إن المغاور يمسك بالسلاح كي يمثل الاحتجاجات العنيفة للشعب ضد مضطهديه، وهو يناضل كي يغير النظام الاجتماعي الذي يفرض على جميع إخوته المجردين من السلاح أن يبقوا في حالة الذل والبؤس. إنه يقاتل ضد الشروط المخصوصة للمؤسسات القائمة في لحظة معينة، ويكرس نفسه كي يحطم قوالب هذه المؤسسات بكل القوة التي تسمح له الظروف بها"[16].

ومن تعريف جيفارا هذا، نجد أن المحارب أو المغاور هو الشخص المتعدد والمكثر الإغارة والهجوم أو الحرِّيب، والذي يقوم بعمليات عصابية محدودة ضد مؤسسات الدولة ولكنها متعددة. لذلك فالعملية العسكرية هنا (العصابية) الهدف منها هو تغيير وضع اجتماعي لطبقة معينة، ومن ثم فإن شرط تثوير المجتمع (جعله ثوريًّا) خاضع لظروف معلومة ومرهونة بكيانات دنيوية ملموسة ومحسوسة، وذلك مهما التبست بقيم ميتافيزيقية على مستوى التسمية مثل الخير والعدالة... إلخ، ولعل ذلك مرهون أيضا بسماح الظروف بالنسبة للمغاور، حيث إن دوره قائم على استغلال الإمكانيات المتاحة والتي يتم توفرها من خلال اتساع الفجوة بين النظام وأفراد المجتمع، فهو يقوم بعملية تعضيد وتقوية أشكال مهمشة ضد أشكال وقوالب مهيمنة، فالهدف محدد ومعلوم بالنسبة له، وما عليه سوى استغلال الظروف المتاحة، وبذا فنضاله خاضع لشروط المقاومة وليس متعديًا لها، ولعل ذلك ينسحب على أشكال المقاومة كلها أيضًا، بما فيها الإسلامية أيضًا، من خلال شكل الإطار العام، إلا أن الإسلامية أو الجهادية تفترق عن كافة الأشكال الأخرى بالبعد الاستشهادي الذي هو ركن دافع في الفعل الجهادي والذي سنتحدث عنه لاحقًا.

مما سبق يتضح ببساطة أن المغاور هو "الناطق بمطامح الجماهير الفلاحية الغفيرة التي تريد أن تكون سيدة على الأرض، سيدة على وسائل الإنتاج، وحيواناتها، وكل الأشياء التي ناضلت من أجلها طوال سنوات، كل ما يصنع حياتها وما سوف يكون قبرها أيضًا"[17]، فالمسألة إذن تتلخص في إعادة عملية التملك بالنسبة لأفراد المجتمع، ومن ثم إعادة تشكيل الكينونة الفردية من خلال فعل الملكية الجديد، وبالتالي إعادة تشكيل وتكوين الطبقة والمؤسسة الحاكمة، وما دامت الأهداف قائمة على حق التملك، فإن الصراع سيستمر من خلال فرض وإطلاق قيم تملك مستنسخة وتطورية لتبرير الصراع على أهداف ومقاصد دنيوية وزائلة بزوال الإنسان، لذلك فالنضال في هذه الحالة ككلمة رنانة هو مرحلة ناجعة لتغير وضع حالي، فهو بالتالي "وسيلة تستخدم لبلوغ هدف هو تولي سلطة الدولة"[18]، فالسلطة هي أقصى أشكال فعل الملكية بالنسبة للفرد تجسدًا؛ لذلك فإن تحسين ظروف الفقراء وطبقة المطحونين مرهون بتوليها "فالثوريون لا يستطيعون أن يحملوا الناس على عمل أشياء إلا عندما يصبحون حكومات"[19]، وذلك لمواضعه ظروف اجتماعية جديدة قد تؤدي بعد فترة زمنية من بقائها إلى نوع من الظلم والقهر والتمييز الطبقي؛ لأن القيم المرساة قيم خاضعة لظرفي الزمان والمكان كمشكلين أساسيين في تكوينهما بعيدًا عن قيم السماء.

ومما سبق نجد أن التشكيلات العصابية الغربية تقدم مفهومًا مسيحيًّا للخلاص، ولكن من منظور علماني أرضي حادث، كرد فعل للنظام المؤسسي، فالمسألة إذن هي إفراز معكوس نموذج الدولة النظامي حتى على المستوى العسكري، والتشكيل العصبي عندما يستأثر بالسلطة فإنه يقع في أسر العسكرية النظامية، فكيان السلطة النظامي يحمل بداخله جذور تغييره الكامنة، ما دامت الحرب أو الفعل العسكري عرف بأنه ظاهرة اجتماعية فقط دون تدخل الأبعاد الغيبية في إثارتها (الحرب) وخوضها، لذلك فالجيوش أو الشعوب تقوم بالحروب في النهاية طاعة لبعض الأفراد الممثلين في الحكومات أو الإقطاعيات، أو الملوك أو الأمراء، فالكيانات التي تتحكم في الحرب وإثارتها هي كيانات بشرية اصطلاحية ووضعية ومتغيرة مثل الحكومة أو النظام، وهي في نفس الوقت خاضعة للهوى والزيغ، لذا فالحرب النظامية هي فعل تسيير قطيع بشري، فهي الجبر بعينه بالنسبة لأفراده.

كذلك فإن الأشكال العصابية الثورية قائمة على التطوع الفردي، فهي مقلوب الحرب النظامية القائمة على المؤسسات الداعمة كالدولة بما هي بنية دافعة للحروب النظامية المعروفة، وقد لخص لينين شكل الصراع بين الحركة الثورية والنظام من خلال تعريفه للدولة التي "هي النتاج والتعبيرعن التصارعات الطبقية التي لا مصالحة فيها، تنشأ الدولة عندما وحيثما وبقدر ما لا يمكن موضوعيًّا أن تتصالح التصارعات الطبقية، وبالعكس فإن وجود الدولة يثبت أن التصارعات الطبقية لا يمكن أن تتصالح"[20]، لذلك فشكل حرب العصابات هو مكون رئيسي في أي حركة شعبية تفتقر إلى عناصر الدعم والإمداد من خلال المؤسسات الحكومية المختلفة التي تتمتع بها الدولة ككيان متضخم، لذا فإن أي حركة ثورية تتخذ شكل العصابات تكون مجبرة على الوقوع في هذا الشكل والعمل من خلاله، وبالتالي فإن الدولة التي تتوفر لها الإمكانيات الوفيرة نجد أنها خاضعة لتكوين الجيوش النظامية، ومن ثم الحرب النظامية التي من المستحيل الاستعاضة عنها، فهي وجه مطابق لشكل الدولة المتخم والمعبر عن قوتها، وبين النموذجين السابقين للحروب في المحيط التداولي الغربي قد تتشكل أفكار أو بتعبير أدق أشكال توفيقية من كلا الشكلين، لكن بالرجوع إلى النموذجين في مجال ولادتهما في الحضارة الغربية نجد أن العناصر الجامعة بين النظامي والعصبي أنهما نظاما إنتاج هيكل عسكري خاضع لشروط الابتداع الوضعي البشري بعد حذف شروط السماء.

إننا نجد العسكرية الإسلامية القائمة على الجهاد قائمة منذ البداية على علاقة الإنسان بربه، ومن ثم فهي جزء من العبادة، ولذا فكل عناصر الاستعداد من رمي ومنازلة هي جزء من العبادة، لذلك فالعسكرية الإسلامية في البداية قوامها المكوِّن: الفرد أو الإنسان المؤمن وليس الآلة كما في النظامية أو الجنس والعرق الجغرافي، وبالتالي فهي فعل طوعي وليس جبريًّا إلا من خلال النصوص الدينية فقط، فالمجاهد هو القائم على نفاذ الأوامر الإلهية في الأرض، ومن هذا نجد أن الهدف من الجهاد يختلف عن الهدف من نظامي العسكرية الغربية، فهدف الجهاد هو حماية الدعوة والمحافظة على نشرها، أي حماية الفكرة وحماية تمكنها بين الناس، ومن ثم فهو غير خاضع للوقوع في آسر القوالب الدفاعية الجاهزة أو الشروط المادية الضيقة حتى في التعامل العسكري. فالشكل المسيطر الآن على العسكرية الإسلامية هو حرب العصابات التي ظهرت بداية في حروب المقاومة في أفغانستان والشيشان التي نحن بصددها، ويرجع ذلك إلى أننا "نمر بحالة هزيمة حضارية، حيث اتساع الفجوة التكنولوجية بيننا وبين الغرب؛ مما يؤدي إلى أن أمثل طريقة للمقاومة هي الطريقة العشوائية"[21]، والتي هي مقابلة النظام باللانظام حتى يستحيل الرصد والرقابة، حيث إبداع طرق يستحيل إدراكها وتوقعها من قبل العسكرية الغربية النظامية القائمة على الآلة والوسائل التكنولوجية المتقدمة والتي ليست في متناول المجاهدين، ولعل ذلك ما نجح في أفغانستان، حيث صنع حالة من اللاتوازي مع العدو، ولعل ذلك ما فعله المجاهدون في الشيشان والعراق حاليا، "وهذا اللاتوازي هو الذي يجعل القوة العالمية الأعظم بلا حيلة كليًّا. ففي غمرة صراعها مع ذاتها لا يسعها إلا أن تغوص في منطقها الخاص بموازين القوى، عاجزة عن الإتيان بأي دور على أرضية التحدي الرمزي والموت الذي باتت تجهل عنه أي شيء؛ لأنها ألغته من ثقافتها"[22].

إبان دولة الخلافة، كان الجهاد ممثلاً من خلال التشكيلات النظامية الكبرى التي تتكون من جيش وعتاد وعدة متكاملة، فالجهاد إذن كعقيدة ومبدأ عام ومهم في المحيط الدلالي الإسلامي، يستطيع أن يتمثل في أي شكل من أشكال المقاومة والحماية والفتح؛ وذلك لأنه ينطلق من كيانات غيبية وليست عينية، ولعل ذلك هو السبب في توسع أركان الدولة وترامي أطرافها، فالجهاد هو مفهوم تسليم العالم لله أي جعله إسلاميًّا، فالجهاد هو الفتح إبان الصدرالأول حيث مفهوم الدولة الكبرى، وما دامت هناك دولة كبرى، فنستطيع أن نقول إن الجهاد هو مرحلة ما قبل النقلة الحضارية الشاملة أي مرحلة ما قبل الاستقرار، فالجهاد ذروة سنام الإسلام مصداقًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنه حول أفكار المواقع والأقاليم والعصبيات إلى العقيدة الحاكمة، "إذ إن أخوة الدين كان يقابلها أخوة الأقاليم"[23]، فالعسكرية الإسلامية هي عملية نشر أفكار قبل إخضاع موارد أو هي تطبيق الأمر الإلهي إلى فعل نافع من خلال الجهاد كدورة حياة للمؤمن سواء بالنسبة لنفسه أم لغيره.

تابع محاور الدراسة:

اقرأ في ملف الجهاد والعنف أيضًا:


[1] جان بودريلار، ذهنية الإرهاب، ترجمة وتعليق: بسام حجار، المركز الثقافي العربي، ص: 32.

[2] المصدر السابق، ص: 32.

[3] ريجيس دوبريه، محاضرات في علم الأعلام العام- الميديولوجيا – ترجمة: د. فؤاد شاهين، د. جورجيت الحداد، دار الطليعة، بيروت، ص: 187.

[4] السيد سابق، فقه السنة، دار الريان للتراث. القاهرة، الجزء الثالث، ص: 7.

[5] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد محمد صلى الله عليه وسلم، المطبعة المصرية ومكتبتها، القاهرة، الجزء الثاني، فصل في هديه في الجهاد والغزوات، ص: 39.

[6] المصدر السابق، ص: 38.

[7] المصدر السابق، ص: 38.

[8] طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ص: 55.

[9] المصدر السابق، ص: 56.

[10] سيد قطب، في ظلال القرآن، تفسير سورة الأنفال، ص: 1441.

[11] مارتن فان كريفلد، حرب المستقبل، ترجمة د. السيد عطا، مكتبة الأسرة، ص: 52.

[12] تواصل الفلسفة والسياسة: الحرب والسلام في السياسة العلمانية، فرانشيسكو س. نايشتات، مجلة ديوجين، العدد: 192/136، يناير/ 2003، ص: 109.

[13] مارتن فان كريفلد، مصدر سابق، ص: 76.

[14] رائد عصمت حسن زلفو، كرري، تحليل عسكري لمعركة أم درمان، المطبعة العسكرية بأم درمان، السودان، ص: 289.

[15] أرنست غلنر، ما بعد الحداثة والعقل والدين، ترجمة معين الإمام، كتاب المدى، ص: 25.

[16] أرنستو تشي جيفارا، الأعمال الكاملة، قدم لهل فيديل كاسترو، دار الفارابي بيروت ودار دمشق، دمشق، ص: 247.

[17] المصدر السابق، ص: 248.

[18] المصدر السابق، ص: 251.

[19] أ.ج. هوبزباوم، دراسات في التاريخ، ترجمة عبد الإله النعيمي، ص: 83.

[20] أرنستو تشي جيفارا، مصدر سابق، ص: 255.

[21] د. محمد مورو، الهيمنة الغربية والمقاومة الإسلامية، بحث غير منشور، ص: 27.

[22] جان بودريلار، مصدر سابق، ص: 25.

[23] جمال حمدان، مصدر سابق، ص: 27.